[ 129 ]
كتاب المضاربة
---(2/129)


[ 130 ]
بسم الله الرحمن الرحيم
باب القول في المضاربة
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: المضاربة أن يدفع رجل إلى رجل مالا عينا نقدا، إما ذهبا وإما فضة، ولا يدفع إليه عرضا بقيمته لا رقيقا ولا متاعا ولا ثيابا، ولا شيئا، سوى النقد فإذا اراد رجل مضاربة رجل فليدفع إليه ما أحب من النقد، وليشترطا بينهما في الربح شرطا يسميانه، يتراضيان عليه، اما أن يكون الربح بينهما نصفين، واما أن يكون لصاحب المال ثلثا الربح، وللمضارب ثلثه، أو ما أحبا وتراضيا عليه، فان أحبا كتبا بينهما بذلك كتابا، وان أحبا تركا الكتاب، وكل ذلك واسع لهما، والكتاب أوكد فإن كتبا بينهما كتابا، كتبا: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من فلان بن فلان الفلاني لفلان بن فلان الفلاني، إنك دفعت إلي كذا وكذا دينارا عيونا، نقدا جيادا مضاربة بيني وبينك على أن أتقلب فيها، وأتجر بها في البر والبحر، وأبيه فيها بالدين والعين فما رزق الله فيها من ربح فلي فيه نصفه ولك نصفه، وقبضت منك هذا المال المسمى في كتابنا هذا، وصار الي على أن أنصح في ذلك، وأؤدي الامانة فيه، في شهر كذا وكذار من سنة كذا وكذا، وليشهد على ذلك، فإن كان صاحب المال لم يجعل للمضارب أن يبيع في ماله بدين
---(2/130)


[ 131 ]
أثبت ذلك في كتابه، وكذلك ان كان لم يطلق له أن يسافر به أثبت ذلك أيضا في الكتاب. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: ثم يكون الربح بينهما على ما اصطلحا عليه، وتكون الوضيعة على رأس المال خاصا، ولا يكون للمضارب أن يخلط مال المضاربة في ماله، ولا أن يدفعه إلى غيره مضاربة، ولا يسلف من عين هذا المال أحدا شيئا، فإن كان صاحب المال قال له افعل فيه برأيك، وأفعل فيه كلما أحببت جاز له فيه كل فعل إلا الاسلاف له، أو أن يأخذ به سفتجه، إلا أن يأذن له في هذين المعنيين، بأعيانهما رب المال فيجوز ذلك له، فإذا اتجر با مال المضارب في المصر، فما أنفق من نفقة على نفسه فهي من ماله، وما أنفق على التجارة فهي من الربح، ان ربح ربحا، فان لم يربح فما أنفق على المال فهو من رأس المال. قال: فان اشترط أحدهما أن له من الربح كذا وكذا درهما وللآخر ما بقي كان هذا شرطا فاسدا لا يجوز، لانه غرر على صاحب الفضلة، لان المال ربما لم يخرج فيه من الربح، إلا تلك الدارهم بعينها، فيأخذها الذي شرطها له ويبقى الآخر لا فضلة له ولا ربح وهذا غرر فاسد، لا يجوز لانه قد سمى لاحدهما دراهم موزونة معدودة، ولم يسم للآخر شيئا محدودا أو معدودا. قال: وإن قالا وشرطا بينهما إن لاحدهما من الربح ربعه، أو عشره، أو نصف عشره، أو ثمن عشره، أو أقل أو أكثر بعد أن يكون جزءا من الربح مسمى منه، ويكون بعضه، فإن ذلك جايز لهما لانهما لا محالة (1) كلاهما يأخذان من الربح شيئا ولو كان الربح درهما واحدا، لانه إنما اشترط للمشروط له جزءا من
---
ص‍ 131..
(1) في نسخة: لانهما كلاهما يأخذان. السفتجة: هي أن تعطي لرجل مالا فيعطيك خطا إلى عميل له آخر خوفا من غائلة الطريق يمكنك استراد ذلك المال منه. تمت.
---(2/131)


[ 132 ]
الربح، ولم يشترط له دراهم مسماة، فالضرر والمنفعة داخلان عليهما وليس أحدهما في ذلك بأسعد من الآخر، ولا بأشقى. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: ولا يجوز أن يدفع المضارب إلى مضاربة بزا بقيمته، يضاربه به لان هذا عرض، والعرض فلا يجوز في المضاربة. قال: ولو دفع رجل إلى رجل مالا نقدا موزونا مفهوما ضاربه فيه، ولم يشترطا بينهما في الربح شرطا يقتسمانه عليه ولا يعملان به فيه، فان المضاربة باطلة، وما كان من ربح فهو لصاحب المال، وما (2) كان فيه من خسران فعليه، وللذي اتجر بالمال أجرة مثله، لشرائه وبيعه، وكذلك لو دفع إليه مالا واشترط أن الربح بينهما، وأنه يؤثره من الربح بخمسة دنانير، أو بدينارين، أو أقل من ذلك أو أكثر كانت المضاربة فاسدة، لان المال ربما لم يخرج إلا ذلك الذي اشترط أنه يؤثره به، فيكون في هذا على المضارب ضرر، وكذا لو اشترط المضارب أثرة بدينار أو دينارين كانت المضاربة فاسدة أيضا، وكان للمضارب أجرة مثله في شرائه وبيعه، وما كان من خسران فعلى صاحب المال. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: وكلما اشترى المضارب قبل أن يأخذ مال المضاربة فليس هو بمضاربة، ولا يكون مضاربة إلا ما اشتري بمال المضاربة من بعد قبضه، وتفسير ذلك رجل اشترى سلعة بمائة دينار، ثم أتى إلى رجل فقال اني قد اشتريت كذا وكذا بمائة دينار، فأعطنيها حتى أزنها فيها، فأعطاه المائة فوزنها في السلعة فليس هذا عندنا بمضاربة، وهو سلف أسلفه اياه، فما كان من ربح أو خسران فهو على الذي اشترى السلعة له، والمائة الدينار دين عليه يؤديها إلى الذي
---
ص‍ 132..
(2) في نسخة: وما دخل فيه خسران الخ...
---(2/132)


[ 133 ]
دفعها إليه والصحيح الذي تصح مضاربته أن يأخذ الدنانير قبل أن يشتري شيئا، ويشترطا بينهما في الربح شرطا معروفا، ويأمره صاحبها أن يتجر بها في شئ معروف بعينه، في مصر بعينه، أو يطلق له رأيه فيها، وفعله بها فيتجر بها فيما شاء ويقلبها فيما أحب فحينئذ تكون هذه مضاربة صحيحة، ويكون الربح بينهما على ما اصطلحا عليه، وكذلك إن ضاربه بمائة دينار، وقال له استدن على المائة مائة أخرى، أقبضه الدنانير واذن له في استدانة شئ محدود، فاستدان المضارب ما أمره به، واتجر في المائة الدينار وفي الدين، وربح فيهما ربحا، فاربح بينهما على ما اصطلحا عليه في ذلك كله، والوضيعة عليهما والربح نصفان، وإن دفع إليه مائة دينار، وقال له استدن على المائة ما أحببت ولم يسم له شيئا معروفا فما ربح في المائة فهو بينهما على ما اصطلحا عليه، وما كان من وضيعة فهو على المائة، وما كان من ربح فيما استدان فهو للمضارب، وما كان من خسران فعليه، لان المضاربة في هذا الدين كانت فاسدة، لانه لم يحد له في ذلك حدا محدودا، والمضاربة فلا تكون إلا بمال محدود. قال: ولو أن رجلا مضاربا اشترى بمال معه للمضاربة سلعة بخمسين دينارا، ووقعت عقده البيع على السلعة بالخمسين وتبايعا على ذلك وتراضيا به، ثم استزاد صاحب السلعة المشتري لها منه شيئا فزاده اياه كان ما زاده من بعد قطع الثمن عليه في ماله دون صاحبه. قال: ولو أن رجلا دفع إلى رجل مالا مضاربة صحيحة، فاشترى المضارب بالمال سلعة فأربحه فيها صاحب المال ربحا رضيه، فلا بأس بشرائه اياها، وبيع المضاربة له، وان اشتراها المضارب من نفسه فالشراء فاسد لا يجوز له، وهي على حالها تباع في حال المضاربة، فما كان من ربح فهو على ما اشترطا عليه، وما كان من وضيعة فهي على رأس المال. قال: ولا بأس بأن يعين صاحب المال المضارب إن استعانه على الشراء
---(2/133)

116 / 198
ع
En
A+
A-