[ 87 ]
غيره لان غيره لم يملكه صاحب السلم لفساد سلمه، ولو ملكه أيضا بصحة من السلم ثم لم يقدر المسلم إليه عليه لعلة مانعة، أو لسبب لم يكن للمسلم إلا ما أسلم فيه، أو رأس ماله الذي دفع إليه أو قيمة ما دفع إن كان عرضا دون قيمة ذلك الذي أسلم فيه، لانه لو أخذ قيمة ما أسلم فيه كان ذلك فاسدا بزيادة قيمة ذلك، أو نقاصانها عما دفع إليه، وإذا وقعت الزيادة في مثل ذلك حرم، لانه ربما أسلم عشرة دنانير في عشرة أقفزة حنطة فيأتي الاجل فيعوق المسلم إليه عائق عن دفع ما أسلم إليه فيه، ولا يطبق ذلك مع ذلك العايق، فيقول رب السلم رد إلى سلمي فيجب عليه أن يرد إليه عشرة دنانير مثل دنانيره، ولا يدفع إليه قيمة تلك العشرة أقفزة في ذلك الوقت لان قيمتها في ذلك الوقت إن كانت تزيد على العشرة دنانير فلا تحل له وقد ارتجع الدنانير فلا يحل له أن يأخذ معها الزيادة لانه لاجيوز له أن يسلف عشرة دنانير نقدا ويأخذ أحد عشر أو اثني عشر نقدا لان هذا لابي، لان الذهب بالذهب مثلا بمثل يدا بيد والفضة بالفضة مثلا بمثل يدا بيد، وكذلك لو كانت قيمة ذلك الشئ في ذلك الوقت ثمانية دنانير، لم يجز له أن يرد إليه ثمانية دنانير، وقد أخذ منه عشرة فلذلك قلنا انه لا ينظر إلى قيمة ذلك الشئ الذي أسلم فيه، وأنه ليس للمسلم الا ما أسلم فيه بعينه أو ارتجاع رأس ماله، وحال العروض إذا اسلمت في شئ كحال النقد في هذا الموضع، وهذا المعنى ليس له الا هي ان كانت قائمة بأعيانها أو قيمتها يوم دفعت إلى المسلم إليه. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: ولا بأس أن يسلم الرجل في الصوف والقطن والكتان والعشر والوبر بصفة معروفة بوزن معروف إلى أجل معروف ولا يشرط صوف ضان بأعيانها، ولا شعر غنم بأعيانها ولا وبر ابل بأعيانها، ولا كتان أرض بعينها ولا كرسف مزرعة بعينها، فإن اشترط في ذلك كله شيئا من شئ بعينه بطل السلم فيه وارتد سلمه.
---(2/87)


[ 88 ]
باب القول في السلم فيما يتفاوت قدره في ذاته ومقداره في نفسه مثل الرمان والاترج والسفرجل والناهمروذ والكمثرى والبطيخ والقثاء والموز والبيض بيض النعام وبيعض الدجاج والرانج وما أشبه ذلك
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: أحسن ما أرى في مثل هذا لمن أراد أن يسلم في شئ منه أن يجرب هو والمسلم إليه من ذلك شيئا بالميزان حتى يستدلا على مقدار ما يتبايعان منه، فإذا جربا ذلك بالميزان وفهماه ووقفا على ما يريدان التبايع فيه منه، أسلم المسلم إلى صاحبه من بعد التجربة ما أراد أن يسلمه فيما أراد من ذلك بوزن معروف إلى أجل معروف وبصفة معروفة وجنس معروف، ولا يسلم في فاكهة مزرعة واحدة محدودة معروفة ولا في بيض دجاج معروف، فإذا اسلم في وزن معروف من بعد تجربتهما جميعا لوزن ذلك الصنف الذي تبايعا به، فالسلم صحيح، وهذا أحسن ما أرى وأقول به في السلم فيما يتفاوت أن يرد إلى الوزن من بعد التجربة لما يجري من تجربة المسلم والمسلم إليه، ولا أرى ان سلم فيما كان كذلك عددا لان موزة تقوم مقام موزتين، وأترجة تقوم مقام أترجتين، ورمانة تقوم مقام رمانتين، وبطيخة تقوم مقام بطيختين، ومن أسلم فيه عددا كان قد باع واشترى غررا (10)، ولا يجوز بيع الغرر بين المسلمين، وإذا رد ذلك كله إلى الوزن من بعد التجربة من المتبايعين له لم يدخله غرر ولا فساد وثبت فيه العدل والحق والسداد. قال: فاما ما يوزن أو يكال من الفواكه مثل الرطب والعنب والتفاح والا جاص والتين واللوز، والمشمش فلا بأس بالسلم فيه كيلا أو
---
ص‍ 88..
(10) في نسخة: وبيع الغرر لا يجوز عند المسلمين.
---(2/88)


[ 89 ]
وزنا ولا سلم في ذلك الا قبل ظهورة في شجرة أو قبل بلوغه وقت بيعه، والتقدم في ذلك أحب إلي، فاما الحطب والقصب فلا يجوز السلم فيه احمالا ولا حزما معدودة لان ذلك يتفاوت، فإذا أراد مسلم أن يسلم في شئ من ذلك، أو ما أشبهه، وخرج في المخرج مخرجه فليسلم فيه وزنا معروفا في صفة معروفة إلى أجل معروف، ولا يسلم في حطب شجر معدود ولا قصب أجمة معروفة محدودة.
باب القول في السلم في اللحم والرؤوس والشواء
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا أرى السلم يجوز في شئ من ذلك الا أن يسلم المسلم في لحم منقي، فإن أعطاه البائع لحما أسمن مما ذكر له فذلك فضل من المسلم إليه، وان اعطاه البائع لحما فيه النقى كان حقه، وان اعطاه دون ذلك فله أن يرده عليه ولا يأخذ الا ما شرط عليه، وكذلك يكون شرطه في الشواء يقول لحما مشويا من شاة منقية، وإنما أجزناه لمن شرط لحما منقيا لان النقاء حد معروف ليس دونه الا الهزيل، والهزيل فلا يعبأ به ولم يجز السلم في اللحم مرسلا لانه إذا أرسله فقال في لحم ولم يصف اللحم فقد نقص بترك الصفة بعض شروط السلم لانه يحتاج إلى أن يقول في لحم غنم من صفته كذا وكذا كما يقول إذا أسلم في تمر برني من صفته كذا وكذا أو في حنطة من صفتها كذا وكذا، وقال في ثوب خز من صفته كذا وكذا فيأتي بصفة ما أسلم فيه بعينه ومتى لم يصفه بصفة تبينة من غيره مما هو دونه أو فوقه نقصت شروط السلم، وكان السلم ينقصان شروطه فاسدا، ولا يجوز أن يوصف صفة الا صفة تدرك بحد محدود ومعنى ثابت موجود فلذلك كرهنا
---(2/89)


[ 90 ]
السلم في اللحم الا أن يوصف بالنقاء فقط، لانه لا يخلو من لم يسلم في المنقي من اللحم ويشترطه من أن يسلم في لحم مرسل غير موصوف فينقص (11) شروط السلم فيكون فاسدا. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ولا يجوز عندي أن يسلم في شئ من اليحوان ولا بأس أن يسلم الحيوان في غيره من الاشياء التي يستدرك تفاوتها من الكيل والوزن فيسلم جملا أو فرسا أو عبدا أو غير ذلك من الحيوان في طعام أو ثباب أو غير ذلك مما أراد السلم فيه.
(حجة في صحة السلم عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم). قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يهوديا أتاه فقال له يا محمد إن شئت أسلمت اليك وزنا معلوما في كيل معلوم إلى أجل معلوم في تمر معلوم من حائط معلوم فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: لا يا يهودي ولكن إن شئت فأسلم وزنا معلوما إلى أجل معلوم في تمر معلوم وكيل معلوم، ولا أسمي لك حائطا، فقال اليهودي نعم فأسلم إليه، فلما كان آخر الاجل جاء اليهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتقاضاه فقال له رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: يا يهودي إن لنا بقية يومنا هذا، فقال: إنكم معشر بني عبد المطلب قوم مطل، فأغلظ له عمر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إنطلق معه إلى موضع كذا وكذا فأوفه حقه، وزده كذا وكذا للذي قلت له قال: ومن أراد أن يسلم في لبن فليسلم في لبن معروف بجنسه منسوب إلى ما يحلب منه، وإن أسلم في لبن إبل ذكر ذلك ووصفه فقال
---
ص‍ 90..
(11) في نسخة: فتنقص شروط السلم.
---(2/90)


[ 91 ]
لبن إبل حليبا أو لبنا قارصا بكيل معروف إلى أجل معروف يدفعه إليه ببلد معروف كل يوم كذا وكذا، إن كان سلمه فيه لايام متتابعات، وإن كان أسلم فيه جملة شرط كيله وصفته وضرب له أجله، ولا يسلم في لبن نوق معروفة فيسميها بأعيانها ولكن يسلم إليه في لبن إبل موصوف، ولا يذكر إبلا بعينها يأتيه به صاحبه المسلم إليه فيه من حيث شاء ويسقيه اياه من حيث يتهيأ من إبله أو إبل غيره، وكذلك إن أسلم في لبن بقر وجب عليه أن يفعل فيه كما فعل في الابل، وكذلك إن أسلم في لبن غنم فليصف اللبن على أي حالة يريده، مخيضا أم رائبا أم حليبا، ويثبت شروط السلم كلها عندما يسلم إلى صاحبه قبل أن يفترقا، فإن ترك شيئا من شروط السلم أو صفتة م صفات اللبن حتى يفترقا فالسلم فاسد بينهما، وإن ذكرا ما نسيا من ذلك قبل افتراقهما فليذكراه وسلمهما تام، وكذلك يجب على من أسلم في زيت أو خل أو سمن أن يصف الزيت فيقول زيتا سوريا أو زيتا فلسطينيا، أو زيتا مغربيا، أو زيتا شرقيا، مغسولا أو غير مغسول وكذلك يقول في الخل خل حمر أو خل تمر حاذقا جيدا و يثبتان له صفة يعرفانها ويتفقان عليها، وكذلك في السمن يصفان له صفة يعرفانها سمن بقر أو سمن غنم نضيجا جيدا وسمون الاغنام كلها ضأنها ومعزها واحد أي ذلك أدى السلم إليه إلى السلم أجزاه ذلك الا أن يشترط عليه سمن معز، أو سمن ضان، فيكون له ما اشترط، وإن لم يبينا في وقت سلمهما أي سمون الغنم لا يفسد ذلك سلمهما لان الضان والمعز كلها غنم، وأحب الينا أن يبين أي الاغنام يسلم في سمنه، وكذلك القول عندنا في اللبن وان اسلم إليه في شئ بعينه، ثم اصطلحا على غيره عند بلوغ الاجل لم يجز ذلك لهما ولم يكن بد أن يأتيا بما افترقا عليه من سلمهما، ولا تجيز لمن أسلم شيئا في شئ أن يأخذ من جنس ذلك الشئ ما هو دون ما وصف منه، ويرتجع معه نقدا،
---(2/91)

108 / 198
ع
En
A+
A-