[ 77 ]
كتاب السلم
---(2/77)
[ 78 ]
بسم الله الرحمن الرحيم مبتدأ أبواب القول في السلم قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: السلم الصحيح الجائز أن يسلم الرجل إلى رجل مالا في شئ معروف، بوزن أوكيل معروف، بصفة معروفة، إى أجل معروف محدود مسمى بينهما يدفعه إليه ويسلمه ببلد معروف، فإذا أسلم إليه ذلك المال وقبضه على هذه الشروط فهذا سلم صحيح ولا أعرف (1) بين علماء آل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا غيرهم في هذا اختلافا، وقد صح لنا أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخذ سلما من يهودي دنانير في تمر موصوف معروف بجنسه إلى أجل معروف بكيل معروف، وكذلك روي لنا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه لم يكن يرى في السلم بأسا، وكذلك كان يقول جدي القاسم بن ابراهيم رحمة الله عليه أن السلم جائز على صحته وكذلك كان يقول جميع علماء آل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من ولد الحسن والحسين عليهما السلام وغيرهما (2) لا نعلم في جواز السلم إذا كان صحيحا بين أحد منهم اختلافا.
---
ص 78..
(1) في نسخة: لا أعلم بين علماء الخ..
(2) فر نسخة ك وغيرهم.
---(2/78)
[ 79 ]
قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: وصحة السلم فهو خمسة أشياء إذا ذكرت وشرطت صح السلم وجاز بين أهل الاسلام، وهو أن يدفع الرجل إلى رجل مالا في كيل أو وزن معروف كذا وكذا رطلا بدنانير أو كذا وكذا مكيالا بدنانير أو دراهم واشترط عليه صنفا معروفا ولونا معروفا ان كان ذلك مما يتفاضل ألوانه إلى أجل معروف يوفيه ذلك ويسلمه إليه ببلد معروف ولا يشترط عليه حايطا معروفا بعينه، ولا أرضا بعينها محدودة بحدودها، إن كان ما أسلم فيه شيئا مما ينبت ويخرج في الشجر من النخل والحنطة والشعير والارز أو غير ذلك مما يكال. وكذلك إن كان المسلم فيه شيئا مما يوزن لم يجز أن يسلم في تمر حائط معروف محدود من عنب أو غير ذلك مما يوزن، وكذلك لا يجوز في قز من تربية انسان بعينه ولا حوك إنسان بعينه إن كان السلم في ثياب أو قز، والقز فهو الابريسم، وانما كره ذلك ولم يجز لانه غرر لانه ربما فسد ثمر ذلك البستان بعينه فيبطل سلم المسلم فيه، وكذلك أبريسم الانسان بعينه وحوكه بعينه ربما يبطل وربما مات الانسان قبل أن يعمل ذلك الشئ الذي أسلم فيه من عمله، فيبطل السلم فلذلك لم يجز أن يسلم في تمر حائط بعينه، ولا في عمل عامل بعينه، فمن أثبت في سلمه الكيل المعلوم والاجل المعلوم والصفة المعلومة المعروفة، ولم يشرط حايط بعينه ولا عمل إنسان بعينه وشرط على المسلم إليه أن يدفع إليه سلمه ببلد معروف، فإذا فعل ذلك فقد صح المسلم بينهما إذا دفع إليه المال قبل أن يفترقا وتقابضا نقدا جيدا. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: وكيف يبطل السلم ولايجوز، والمسلم إليه والمسلم فيه سواء، وكلاهما يرجو ويخاف، وليس فيه حظ لاحدهما بين مأمون البطلان بل هما فيه كلاهما سيان وكل واحد منهما يرجو أن يكون قد أخذ من صاحبه غبطة، وأن يكون الرابح
---(2/79)
[ 80 ]
لا الخاسر في بيعه وشرائه وذلك أن السعر ربما زاد ونقص عند وقت ما يقبض المسلم من المسلم إليه سلمه ولا يكون في ذلك ربح معروف مأمون بعينه لواحد دون الآخر، وربما كان المسلم إليه أكثر حظا من المسلم عند تغير السعر وذلك أنه ربما أسلم الرجل إلى الرجل عشرة دنانير في عشرين قفيزا برا أو أرزا أو تمرا ليوديها إليه في وقت الحصاد لشهر معروف، ويوم معروف فإذا كان ذلك كذلك وحل الاجل وتغير السعر، فصار قفيزين ونصفا بدينار، وذلك الطعام بعينه يبتاعه الناس ويشترونه في ذلك الوقت على هذا السعر فيدخل الخسران على المسلم ويدخل الربح على المسلم إليه، وربما كان السعر في ذلك الوقت على مثال ما أسلم هذا المسلم فيه، وربما زاد ونقص فلما وجدنا سبيله كذلك، ولم نجد في السلم شيئا على غير ذلك ولم يكن فيه ربح مأمون الخسران للمسلم لما له فيه، ووجدناه يربح مرة ويخسر مرة، كان ذلك عندنا بيعا حسنا، وكان استواء حاله إذا كان مرة يكون المغتبط به المسلم، ومرة يكون المسلم إليه، أن يكون كبيع الجزاف الذي لا اختلاف عند الامة في جوازه، وبيع الجزاف أن يشتري الرجل من الرجل بيتا مملوءا تمرا أو حنطة أو شعيرا يقف عليه ثم ينظر إليه، ثم يشتريه منه مجازفة بلا كيل ولا وزن، فيتراضيان بينهما فيه على ثمن يقبضه صاحب البيت، ويسلمه إلى صاحبه المشتري له منه، ومثل ذلك أن يأتي الرجل إلى نخل رجل فيشتري منه تمرها رطبا أو زهورا بثمن يتراضيان عليه، فيدفع إليه الثمن ويجوز التمر في رؤوس النخل، فيتمره المشتري ثم يجده تمرا، ثم لعله أن يغبط ويربح، ويكون في كيله فضل على سعر ما يباع من التمر في ذلك الوقت ولعله أن يخسر فيه عند جذاذه وتتميره، ويأتي على أكثر من سعر التمر في ذلك الوقت فيخسر المشتري له ويربح البايع، فليس في جواز هذا البيع والشرا كله واستقامته اختلاف بين أمة محمد
---(2/80)
[ 81 ]
صلى الله عليه وعلى آله وسلم والسلم فهو أعدل وأبين استقامة من هذا لان السلم لا يكون في نخلة بعينها ولا زرع بعينه والشراء فقد يقع في ثمرة بعينها، فإن قال قائل إنما جاز بيع هذه الثمرة بعينها حين بان صلاحها وأمن فسادها، قيل له وكذلك أيضا السلم إنما يؤخذ من المسلم إليه طعام جيد سليم من الفساد على الصفة التي وصفت له والشرط الذي شرط عليه. قال يحيى به الحسين عليه السلام: ومن شبه السلم ببيع التأخير الذي يدخله الزيادة والربح للبايع على كل حال من الاحوال، وفي كل وقت من الاوقات أو شبهه أو توهم أنه كالسلف الذي يجر منفعة، الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كل سلف جر منفعة فهو حرام، فقد غلط في ذلك ووهل في قياسه، لان السلف الذي يجر المنفعة فهو السلف الذي يأمن المسلف فيه الخسران، ويوقن على كل حال بالربح، ولا يمكن أن يكون أبدا بحيلة، ولا بمعنى في سلفه خاسرا، ولا يكون أبدا إلا رابحا على رأس ماله مزدادا عليه لانظاره، مثل أن يسلف رجل رجلا عشرة دنانير، ويشترط عليه اثني عشر دينارا أو أكثر، فتكون هذه الاثني عشر دينارا عليه يوفيه إياها فهذا على كل حال رابح في سلفه لا يخاف خسرانا فهذا الذي لا يجوز، وهو الربى الذي نهي عنه أو أن يشتري الرجل من الرجل طعاما يستنظر (3) بثمنه وينقصه من سعر يومه مثل أن تكون الحنطة على اثني عشر مكوكا بدينار تباع اليوم، فيقول له بعني هذه الحنطة وأنظرني بثمنها على عشرة مكاكي بدينار، أو يقول البايع أبيعك هذه وأنقصك من السعر مكوكين فتصير على عشرة بدينار، أو يقول أبيعك هذا على عشرة بدينار، وهو والمشتري يعلمان أن هذا السعر سعر ناقص عن سعر يومه وأنه انما نقصه ذلك لمكان الانظار، فإذا فعل
---
ص 81..
(3) في نسخة: يستنظر في ثمنه الخ...
---(2/81)