[ 71 ]
لا يعلم الا من بعد الكسر فإنه ينظر إلى تلك السلعة فإن كانت تشترى بعيبها بعد الكسر أو كان لها بعد الكسر ثمن لزمت المشتري، ورجع على البائع بفضل ما بين القيمتين قيمتها معيبة به وقيمتها غير معيبة، وإن كان مما لا قيمة له من بعد كسره وبيان عيبه، رده مثل البيض الفاسد وغيره مما يشبهه فإنه يرده ويرجع بقيمته من الثمن على صاحبه. قال: ومن اشترى معيبا وهو يعلمه فلا خيار له بعد شرائه. قال: ولا يجوز للرجل أن يبيع شيئا قد اشتراه مما يكال أو يوزن إذا لم يقبضه ولم يستوفه بكيله، وكذلك لو استوفى كيله ثم أراد بيعه أو توليته فلا ينبغي له أن يبيعه ولا يوليه حتى يوفيه الذي يبيعه من أو يوليه إياه بكيل جديد، وكذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (مع كل صفقة كيلة) والاقالة والتولية والبيع عندنا في ذلك سواء لابد من اعادة الكيل فيه. قال: فان اشترى مشتر شيئا من ذلك جزافا فله أن يبيعه ويقيل فيه ويوليه جزافا بغير كيل كما اشتراه، وكذلك إن شاء أن يبيع بعضه بكيل وبعضه جزافا فليفعل.
باب القول في الصرف واشتراء الفضة بالفضة والذهب بالذهب، والذهب بالفضة والفضة بالذهب
قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: لا يجوز صرف بدين والصرف يدا بيد، وتفسير ذلك أن يشتري الرجل بدينار دراهم فيقاطع المصرف على عشرين بدينار فلا تكون كلها مع المصرف ويبقى عليه من العشرين درهم أو درهمان فيقول له عد إلي حتى أهيؤه لك فيأخذها ويترك صاحب الدينار الباقي عنده حتى يرجع بعد وقت فيأخذه فهذا حرام لا يجوز فيجب على من صرف دينارا بدراهم أو دراهم بدنانير أن لا يفترق هو وصاحبه وبينه وبينه طلبة ولا له عليه من ذلك قليل ولا كثير،
---(2/71)


[ 72 ]
قال: فان ابتلى أحد بشئ من ذلك فليحسب ما قبض من الدراهم ثم ويحسب كم ثمنها من قراريط الدينار فيدفعه إلى صاحب الدراهم ويكون شريكا في الدينار بما بقي له من القراريط أو الحبات، فإما قطع من الدينار قطعة واما كان له ذلك عند صاحبه وديعة حتى يعود إليه فيصارفه بما بقي له، أو يقطع منه قطعة بحقه، أي ذلك شاء ان يفعله كان له، فإذا كان ذلك كذلك جاز له تخليف ما بقي له من القراريط عند صاحبه. قال: ولايجوز أن يشتري شيئا من الذهب بالذهب جزافا ولا شيئا من الفضة بالفضة جزافا لان ذلك يتفاضل بزيادة أحدهما على صاحبه ولايجوز الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة إلا مثلا بمثل يدا بيد، وكذلك لا يجوز أن يشتري بعشرة مثاقيل وزنا شيئا من الذهب جزافا غير موزون، وكذلك لا يجوز أن يشتري بعشرين درهما موزونة شيئا من الفضة غير موزون جزافا لان ذلك الذي هو غير موزون ربما زاد أو نقص فيدخله الربا بزيادته ونقصانه ولا بأس أن يشتري الرجل بعشرة مثاقيل ذهبا شيئا من الفضة غير موزون جزافا، وكذلك لو اشترى بألف درهم موزونة شيئا من ذهب غير موزون جزافا جاز ذلك، وكذلك لو اشترى بذهب جزافا لا يعرف وزنه فضة جزافا لا يعرف وزنها جاز ذلك لان الصنفين قد اختلفا. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: ولا يجوز أن يدخل الفضة في الذهب بالذهب ليزداد فيما بينهما كما قد يفعل كثير من الجهال ولا الحديد مع الفضة بالفضة ليزداد في الفضة على الفضة كما قد يفعل كثير من أهل هذا الدهر لان الله عزوجل لا يخادع وهو يعلم السر وأخفى، وهذا فإنما هو حيل من المحتالين لا يجوز على مثلهم من المربوبين فكيف على رب العالمين وخالق كل المخلوقين قال: ولو اشترى رجل من رجل دراهم بدنانير فلم يكن عنده الدراهم كلها فاستقرض له تمامها فأوفاه جميع حقه قبل أن يفترقا فالصرف تام صحيح، وإن لم يجد له
---(2/72)


[ 73 ]
تمامها انتقض الصرف بينهما، واشترى منه ما عنده من الدراهم بدنانير على صرفها صرفا مبتدا، وأخذ باقي دنانيره، وهذا العمل عندنا الذي لا يجوز غيره، وقال في سيف محلي أو في مصحف محلى بفضة يشترى بدراهم إن ذلك لا يجوز عندنا حتى يعلم كم وزن الحلي من درهم فيشتري الحلي بوزنه سواء سوزاء ثم يشتري السيف بفضلة يتراضيان عليها أو المصحف وكذلك بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (أنه أمر رجلا اشترى قلادة يوم خيبر مرصعة بالذهب فيها خرز مركب بالذهب فأمره أنو يميز بين خرزها وبين الذهب ويقلعه منه حتى يعرف ما فيها فيشتريه بوزنه من الذهب فقال انما اشتريت الحجارة بالفضلة بين الوزنين فقال لا حتى تميز ما بينهما فلم يتركه حتى ميز بينهما). قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: ومن اشترى شيئا من ذلك فلا يفترق هو صاحبه وبينه وبينه عمل يدا بيد. قال: ولايجوز أن يشتري قلادة ذهب بعشرة دنانير إلى أجل، وكذلك لا يشتري حلي فضة بوزنه إلى أجل. قال: وإن اشترى سيفا محليا بمائة درهم وكان وزن حليه خمسين درهما فلا بأس بذلك إذا كانت حديدة السيف تسوى خمسين درهما، فان كانت تسوى أقل من خمسين فلا يجوز ذلك، لان الفضلة إنما وقعت في زيادة الحلي اليزدادها صاحبها من أجل صياغتها، وهذا لاجيوز، وإن لم يعلم أن وزن الفضة خمسون درهما بوزن منه لها لم يجز ذلك. قال ولو أن رجلا اشترى دنانير بدراهم لم يجز له أن يشتري بالدنانير دراهم حتى يقبض الدنانير ثم يقلبها في الدراهم، ولا يجوز له قلبها قبل قبضها وكذلك الدراهم أيضا إذا اشتراها بالدنانير لم يجز له قلبها في دراهم أخرى حتى يقبضها. قال: وكذلك لو اشترى رجل من رجل دراهم بدنانير فأعطاه فيها مكحلة ومزيقة فإن استبدلها قبل
---(2/73)


[ 74 ]
أن يفترقا فأبد له إياها قبل أن يفترقا صح صرفهما وتمت مبايعتهما وإن افترقا قبل أن يبدله إياها انتفض من الصرف بقدر ما كان منه في الدراهم من الزيبق والكحل قال: ولو أن رجلا اشترى من رجل دراهم واشترط عليه أن يستبدل مارد عليه منها كان ذلك جائزا له وكان له أن يستبدل مارد عليه منها، فإن اشترى منه دراهم فأعطاه فيها مكحلة، أو كان له عليه دين فاقتضى منه دراهم أو دنانير مكحلة فقبضها المقتضي كان على الذي اشتراها منه أو اقتضاها أن يوفيه ما نقص من كحلها، نقدا جيدا ولا يستحلق عليه في نقصه لنقده شيئا، لانه نقص عنها غشاء لا يجوز له أخذه ولا يسع البائع له بيعه. قال: ولا يجوز شراء تراب معادن الذهب بالذهب ولا تراب معادن الفضة بالفضة، ولايجوز شراء تراب الصاغة الذين يصوغون الفضة والذهب بالفضة ولا بالذهب، لان ذلك يتفاوت ويزيد وينقص وفيه غرر، والذهب فلا يجوز ألا بالذهب مثلا بمثل يدا بيد، والفضة فلا تجوز إلا بالفضة مثلا بمثل يدا بيد، ومن اشترى من ذلك شيئا كان البيع فيه فاسدا لا يجوز. قال: ومن اشترى تراب معدن الذهب بفضة أو تراب معدن الفضة بذهب كان له وللمشتري عند بيان ما يخرج منه الخيار إن شاء أمضى وإن شاء لزم لان هذا بيع غرر فاسد في الاصل، ومن اشترى أو باع غررا كان بيعه فاسدا. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: كانت الدراهم في زمان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كدراهمنا اليوم ولم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا في الجاهلية للعرب ضرب دنانير، ولا دراهم تعرف، وإنما كانوا يتبايعون ويتشارون بالتبر دراهم معروفة وأواقي مفهومة، وكان الرطل الاول الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالمدينة اثنتي عشر أوقية، وكانت كل أوقية أربعين درهما فكان رطلهم أربع مائة درهم وثمانين درهما بهذا
---(2/74)


[ 75 ]
الدرهم الذي في أيدي الناس اليوم فأقر رطلهم على ذلك صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والدليل على ما قلنا به في ذلك قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليس فيما دون خمس أواق من الفضة زكاة ثم قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأجماع الامة عنه ليس فيما دون مائتي درهم زكاة، فعلمنا حين قال ليس فيما دون مائتي درهم زكاة وليس فيما دون خمس أواق زكاة، أن الاوقية كانت إذ ذاك أربعين درهما بهذا الدرهم الذي لا اختلاف عند الامة فيه أن الزكاة تجب في مائتي درهم منه قال ويقال إن أول من ضرب الدراهم في الاسلام عبد الملك بن مروان، وهذا الدرهم الذي تخرج به الزكاة فهو الدرهم الذي تسميه أهل العراق وزن سبعة وإنما يسموه وزن سبعة لانه سبعة أعشار المثقال، والدليل على ذلك أنك إذا زدت على هذا ادراهم ثلاثقة أسباعه صار ذلك مثقالا ولذلك صارت العشرة الدراهم سبعة مثاقيل وقد كانت دنانير قيصر ملك الروم ودراهم الاكاسرة البغلية ترد على العرب بمكة في الجاهلية فلم يكونوا يتبايعون بها، وكانوا يردونها إلى ما يعروفون من التبر على وزن المثقال والدراهم على تجزيتها في الاواقي والارطال وكان رطلهم كرطل المدينة أربع مائة وثمانين درهما ووقيتهم أربعين درهما. [ تم كتاب البيوع ]
---(2/75)

105 / 198
ع
En
A+
A-