[ 66 ]
باب القول فيمن باع نفسه أو أمر غيره ببيعه قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: أيما حر باع نفسه أو أمر غيره ببيعه وجب أن يؤدبا جميعا أدبا وجيعا ان كان فهما بالغا أحسن أدبه وأدب من اشتراه أدبا وجيعا، ان كان اشتراه بعلم، ولم يجب عليه الرق، واستسعي فيما أخذ منه حتى يرده عليه، وأن كان غيره الذي باعه منه رجع بالثمن عليه وإن كان البائع لنفسه أو الآذن في بيع نفسه صبيا أو أعجميا أفزع على قدره، ولم يستسغ في شئ من ثمنه للذي اشتراه ان كان اشتراه وهو عالم بأمره لان المشتري اشتراه وهو على بصيرة متعمدا لما لا يجوز له من ذلك، وكذلك بلغنا أن رجلا باع نفسه في ولاية عمر فلما اشتد عليه البلاء أتى عمر فقال له أني رجل حر فقال له عمر أبعدك الله أنت الذي وضعت نفسك، فقال له له أمير المؤمنين وسيد المسلمين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه ليس على حر ملكة فاضربه ضربا شديدا والبائع له، ومر المشتري أن يتبع البائع بالثمن، فإن كان بأفق من الآفاق فاستسعه أما أني أقول لك ذلك لانه قد حنكته السن ولو كان صبيا صغيرا أو أعجميا مستبهما مستسفها لم أضر به ولم أستسعه. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إنما ترك ضرب المشتري له لانه لم يعلم أنه حر عندما اشتراه.
باب القول فيما لا يجوز من البيع الشراء وما يجوز بيعه وشراؤه بعضه ببعض
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: كل صنف من الاصناف التي تكال وتوزن وغير ذلك مما لا يكال ولا يوزن مما ليس بحيوان من الثياب فلا تباع مثلان بمثل من صنف واحد، ولا يجوز ذلك إلا مثلا بمثل
---(2/66)


[ 67 ]
يدا بيد إ لا أن يختلف الصنفان، فإن اختلف الصنفان فلا بأس باثنين بواحد يدا بيد ولا يجوز نسأ إذا كانا جميعا مما يكال، أو كانا جميعا مما يوزن، وان كان أحدهما مما يكال والآخر مما يوزن فلا بأس بالانساء فيه إذا لم يكن فيه حيلة للربا ولا تزيد في البيع على سعر يومه للانساء. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ولا بأس أن يشتري رطلي رصاص قلعي برطل رصاص أسود يدا بيد ولا يجوز نسا، ولا بأس برطلي نحاس برطلي رصاص يدا بيد، ولا بأس برطل حديد برطلي شبه يدا بيد، ولا يجوز نسيه لانه كله مما يوزن، وإن كان أحد الصنفين يوزن والآخر يكال فلا بأس به اثنان بواحد وواحد بواحد نسأ لانه يخرج مخرج السلم، ولا بأس بخمسة أرطال حديد بثلاثة مكاكي حنطة نسأ، فكأنه أسلم حديدا في حنطة، ونحب لمن فعل ذلك أن يضرب لذلك أجلا ويصف وصفا من البر معروفا بكيل معروف. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ولا يجوز أن يشتري الرجل زرعا من بر محصود في سنبله متروكا على حاله بكيل معروف من الحنطة عشرة أفراق أو أقل أو أكثر لان هذا شئ لا يعرف كم فيه من البر لانه في سنبله فإذا زاد أو نقص عما بيع به من البر المكال كان ربى، لان البر لا يجوز أن يباع الا مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد فقد أربى. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: واستحب لمن باع شيئا ما يكال بثمن أن لا يشتري بذلك الثمن شيئا مما يكال حتى يقبض ذلك الثمن ثم يشتري به لانه إذا اشترى بثمن ما يكال كيلا مثلا دخله النسأ لانهما جميعا كيل ولا بأس أن يشتري بثمن ما يكال ما يوزن قبل أن يقبض له ثمنا، أو بثمن ما يوزن ما يكال قبل أن يقبض له ثمنا. قال: ولا يجوز أن يشتري اللحمن بالحيوان، ولا يجوز أن يشتري الانسان ثلاثين رطلا
---(2/67)


[ 68 ]
لحما بشاة لان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن بيع اللحمن بالحيوان. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ولا يجوز بيع اللبن الرائب بالزبد إلا أن يكون في اللبن من الزبد أقل من ذلك الزبد الذي اشتراه به المشتري فيكون ذلك الزبد الذي في البن بمثله من هذا الزبد، ويكون فضلة هذا الزبد ثمنا لفاضل ذلك اللبن إذا اختلط به. قال: ولا يجوز ثلاثة أرطال زبدا برطلي سمن، لان ذلك يختلف بزيادة الزبد ونقصانه عند السل ء على كيل ذلك السمن فلذلك فسد البيع، ولا أحب أن يكون الزبد بالسمن مثلا بمثل لانه أيضا يختلف وينقص. قال يحيى بن الحسين رضي الله عليه: ولا يجوز المزابنة لان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد نهى عنها لانها تختلف وهي أن يبيع الرجل رطبا بتمر مثلا بمثل، وأن يبيع تمرا في رؤوس النخل بخرصه تمرا لان ذلك ينقص عند يبسه ويقع فيه التفاضل، وكذلك لا يجوز أن يبيع مكوكي رطب بمكوك تمر، ولا مكوكا بمكوك، ولا أكثر من ذلك ولا أقل، وكذلك لا يباع زهو بتمر ولا تمر بزهو ويباع كل صنف بمثله يدا بيد مثلا بمثل، والتمران كلها واحد برنيها وصيحانها وألوانها، ولا يجوز مكوكا لن بمكوك برني، ولا أربعة أصواع صيحاني بخمسة أصواع جمع، وكذلك العنب كله واحد، وليس لبعضه على بعض زيادة عند التبايع به ولا يجوز رطلا عنب بثلاثة أرطال عنب لونا سواه، وكذلك لا يجوز رطلا عنب برطلي زبيب لانه ينقص وحاله في ذلك حال الرطب بالتمر ويكره مكوك حنطة بمكوك دقيق، لانه يختلف عند الطحن في الزيادة والنقصان، والدقيق والحنطة كلاهما يكال، ولا بأس أن يباع عجين معجون بأكثر من كل ذلك المعجون دقيقا أو حنطة، وكذلك
---(2/68)


[ 69 ]
لا بأس أن يباع مكوك خبز مخبوز بمكوكي دقيق لان العجين والخبز قد خرجا من حد الكيل وصارا إلى حد الوزن، ولا يجوز مكوك حنطة مبلولة بمكوك حنطة مقلوة، ولا غير مقلوة لانها تنفاوت واليابس أكثر من المبلول. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: ولا بأس أن يشترى الرمان والسفرجل وجميع الفواكه التي لا توزن ولا تكال وتباع عددا، واحدا باثنين، واثنين بواحد يدا بيد. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: ولا يجوز أن يشتري المشتري من البائع السلعة فيقول قد اشتريت هذا منك على ما تبيعه من غيري من الناس لان هذا غرر وخطأ لا يوقف عليه لان البائع ربما استقصى عليه بعض المشترين فيبيع رخيصا، وربما يسامح فيبيع غاليا، ومن اشترى على ذلك أو باع فالقيمة لا زمة للمشتري يعطيه قيمته عند الناس ولا ينظر إلى ما شرط له لان ذلك الشرط فاسد لا يوقف عليه. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: ولا خير في ثوب بثوبين من جنس واحد إلى أجل، فإن اختلفت الاجناس فلا بأس بثوبين بثوب إلى أجل وتفسير ذلك: ثوب قوهي (36) بثوبي قوهي لا يجوز إلى أجل، وثوب ديبقي (37) بثوبي ديبقي لا يجوز إلى أجل، وثوب شظوي بثوبي شظوي لا يجوز إلى أجل، وثوب قصب بثوبي قصب لا يجوز إلى أجل وثوب خز بثوبي خز لا يجوز إلى أجل، وكذلك كل جنس لا يجوز ثوباه بثوبه إلى أجل، ويجوز يدا بيد، فإن اختلفت الاجناس فلا بأس بواحد باثنين إلى
---
ص‍ 69..
(36) قال في الصحاح: والقوهي ضرب من الثياب بيض.
(37) دابق: اسم بلد والاغلب عليه الصرف والتذكير لانه في الاصل اسم نهر، ذكره في الصحاح.
---(2/69)


[ 70 ]
أجل، ويشترط طولا وعرضا مفهوما ورفعة مفهومة إلى أجل معلوم، ولا بأس أن يشترى ثوب ديبقي بثوبي مروى يدا بيد وإلى أجل، وكذلك لا بأس أن يشترى ثوب وشى بثوبي خز يدا بيد، ولا إلى أجل لان الجنسين مختلفان، ولا يجوز أن يشترى ثوب وشي بثوبي وشي إلى أجل ولا بأس أن يشترى واحد باثنين يدا بيد، وكذلك كل ما كان من مثل هذا فقسه على ما ذكرت لك ان شاء الله تعالى. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ولايجوز بيع اللبن الرائب باللبن المخيض ولا اللبن الحليب بالمخيض، لان في المخيض ماء وإذا بيع ما فيه ماء بما ليس فيه ماء فلم يبيع مثلا بمثل لان اللبن الذي فيه ماء نفسه أقل من اللبن الذي ليس فيه ماء، ولايجوز اللبن باللبن إلا مثلا بمثل. قال: ولو أن رجلا اشترى من رجل جملا فاستحق ذلك الجمل فليس للمشتري أن يسلمه إلى المستحق له إلا بأمر الذي اشتراه منه فإن أسلمه إليه بغير أمره ولا بقضية حاكم فالبائع بالخيار إن شاء أجاز له ذلك وإن شاء لم يجزه وألزمه البيع ولم يكن عليه رد الثمن لانه سلم سلعته بغير أمره ولا قضاء حاكم قضى عليه به. قال: ولو أن رجلا قال لرجل أبيعك ما في بيتي هذا من الثياب صغيرها وكبيرها على ثوبين بدينار، فرضي المشتري كان ذلك البيع فاسدا، وكان للمشتري أن يرجع على البائع إذا رآه ونظر إليه ولم يعجبه لانه باعه شيئا لا يدري ما هو أجيد أم ردئ رخيص أم غال؟ وكذلك لو وقف على مكتل فيه رمان أو أترج فقال أبيعك من هذا الاترح خمسا بدرهم لم يكن ذلك بيعا حتى يميز الخمس ويعزلها ويريه ما يشتري فيبصره المشتري ويشتري منه ما قد رأى وأبصر، وكذلك العمل فيما كان كذلك من البطيخ وغيره وكل ما كان متفاوتا، وكذلك لو اشترى مشتر من بائع شيئا من الفواكه أو غيرها على أنه جيد فكسره فوجد فيه عيبا لم يكن علم به، فإذا كان العيب مما
---(2/70)

104 / 198
ع
En
A+
A-