[ 46 ]
باب القول في بيع المدبر وأم الولد وفيمن اشترى شيئا فوجد به أو ببعضه عيبا
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه لاتباع أمهات الاولاد ولا يجوز ذلك بين العباد لانهن قد عتقن على مواليهن من البيع، وان كان قد بقي لهم ملك أعناقهن يوطأن بذلك ولو عتقن من الملك كله لم يجز لمواليهن أن يطؤهن إلا بنكاح وتزويج، وإنما معنى عتقهن فهو حكم يمنع مواليهن من بيعهن إذا ولدن من مواليهن، وفي ذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال في أم ابراهيم ابنه حين ولدته وكانت جارية من القبط أهديت له فقال: أعتقها ولدها، فحكم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأن الولد قد حظر على أبيه بيع أمه، وان كان باقيا عليها بعد ملكه ولولا أن الملك بعد باق له عليها لما جاز أن يجعل سيدها عتقها مهرها إذا أراد عتقها وتزويجها لان الفرج لا يحل إلا بمهر ولولا أن له عليها ملكا لم يجز أن يجعل عتقها مهرها، فقام عتقها مقام ثمنها ألا ترى أنه لو قال لها أعتقك فاجعل عتقك مهرك فتراضيا بذلك فغلط فأعتقها ثم أراد تزوجيها بعد ذلك فأبت لحكم له عليها بالسعي في قيمتها، لان الغدر والاخلاف ونقض العهد جاء من قبلها، ف أما ما يرويه همج الناس عن أمير المؤمنين (علي بن أبي طالب) عليه السلام من اطلاق بيعهن فذلك مالا يصدق به عليه ولا يقول به من يعرفه فيه وفي ذلك ما حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن بيع أمهات الاولاد فقال لا يجوز ذلك فيهن ولا يحكم به عليهن، وأما ما يرويه أهل الجهل عن أمير المؤمنين عليه السلام فلا يقبل ذلك منهم ولا يصدق به عليه. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه لو كان ذلك كذلك لكان أهل بيته أعلم بذلك. وأما المدبر فإذا اضطر صاحبه واحتاج إلى ثمنه ولم
---(2/46)


[ 47 ]
يكن له متعدا عن بيعه فلا بأس أن يبيعه في وقت ضرورته إليه فيقضي به ما لزمه من دينه ويفرج به عن نفسه، فإن وجد عن بيعه متعدا أجبنا له أن يفي لها بما أعطاه وكان مدبره خارجا بعد وفاته من ثلثه الذي جعله الله له يقولم مقام وصيته، وأما من اشترى سلعة فوجد فيها عيبا لم يكن علم به فهو فيها بالخيار إن شاء ردها بما دلس عليه من عيبها وان شاء لزمها وأخذ مقدار ما ينقصها من ثمنها عيبها. وكذلك لو اشترى جارية فوطيها ثم ظهر له بعد وطيها عيب كان له أن يأخذ مقدار ما ينقصها ذلك العيب من البائع وان كان رأى العيب بها قبل وطيها فوطيها من بعد أن علم أمرها فوطيه رضا منه بها ولا يلحق بعد ذلك شيئا على بائعها لانه ساعة رأى عيبها كان له الخيار فيها ولم يجز له أن يطأها حتى يحاكم صاحبها فيها، فاما ردها ولم يدن منها واما أخذ وكسا من ثمنها، واما صفح عن صاحبه وعفى ورضي بما أخذ واشترى، فلما ان وطيها من بعد ما رأى عيبها لزمه ذلك العيب لانه لا يجب أن يطأ ما لم يرتضه وما هو مجمع على رده على بيعه، وكذلم لو اشترى سلعة بها عيب لم يره ثم حدث عنده عيب آخر قبل أن يرى العيب الاول كان بالخيار إن شاء رد السلعة ورد مقدار ما نقصها العيب الحادث عنده، وإن شاء لزمها وأخذ قيمة العيب الذي لم يكن علم به وإنما جعلنا لم الخيار على بيعه لان البائع دلس عليه ولم يخبره بما في السلعة من العيوب، فلزمه بذلك عندنا أن يكون لصاحبه عليه الخيار. قال: ولو أن رجلا اشترى سلعا كثيرة في صفقة واحدة من عبيد وأماء وغير ذلك من الاشياء إلا أنه اشتراه في صفقة واحدة وبسومة واحدة ثم وجد بعد الشراء ببعضها عيبا كان له أن يأخذه كله، أو يرد الاشرية كلها. حدثني أبي عن أبيه: أنه سئل عن بيع أمها الاولاد فقال: لا أرى ذلك ولسنا نصحح ما روي وقيل به عن أمير المؤمنين عليه السلام من بيعهن.
---(2/47)


[ 48 ]
حدثني أبي عن أبيه: أنه سئل عن بيع المدبر فقال لا بأس ببيع المدبر إذا اضطر صاحبه إلى بيعه، وقد ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر رجلا ببيع مدبر له وكان يقول: إذا مات سيد المدبر خرج من ثلثه، وإنما هو وصية. حدثني أبي عن أبيه: أنه سئل عن رجل اشترى سلعة فوجد بها عيبا فعرضها على البيع هل له أن يردها على صاحبها بعد عرضها؟ فقال: قد قالوا ليس له أن يردها وأنها قد لزمته والقول عندنا أن له أن يردها إن أراد. حدثني أبي عن أبيه: في رجل اشترى سلعة بها عيب لم يعلم به ثم حدث عنده عيب آخر هل له أن يردها أو تلزمه؟ فقال: قد قال بعضهم إن حدث عند المبتاع عيب آخر أخذ من البائع قيمة العيب الذي كان بها أو لا وهو عندنا بالخيار، إذا كان لم يعلم بالعيب الاول حتى حدث العيب الثاني. حدثني أبي عن أبيه: أن سئل عن العنين هل يرد به صاحبه وهل يكون عيبا؟ فقال العنين عيب يرد به إذا كان صاحب العبد البائع له لم يعلم بعيبه. حدثني أبي عن أبيه: أنه سئل عن رجل اشترى غلامين أو دابتين أو متاعا ببعضه عيب فقال: إذا كانت العقدة عليه كله رده كله أو أخذه كله، وإن كان لكل واحد عقدة على حدة رد الذي به العيب بحصته وجاز عليه سائر ذلك. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ولو أن رجلا باع سلعة من رجل وقال قد برئت اليك من كل عيب وكانت فيها عيوب لم يطلع عليها المشتري ولم يذكرها له ولم يقف عليها المشتري عند شرائها منه ثم بدت للمشتري بعد ذلك تلك العيوب لم يكن قول البائع قد برئت
---(2/48)


[ 49 ]
إليك من كل عيب يبرئه فيما قد علم من عيوب سلعته إذا أخفاها عن مبايعه ولم يقف عليها المشتري، وكان للمشتري في ذلك الخيار إن شاء أخذ قدر ما نقضها العيب، وإن شاء ردها، فإن أبى البائع أن يضع من ثمنا شيئا حكم عليه بأخذها ورد ما أخذ من الثمن حكما. حدثني أبي عن أبيه: أنه سئل عن رجل باع سلعة وقال قد برئت اليك من كل عيب ولم يسم العيوب فقال: إذا لم يسم العيوب فلا يبريه في بيعه من عيب علمه من قبل مبايعته له وما كان من ذلك أخذ به إذا كان قد علمه قبل مبايعته حتى يخبره بالعيب، وإن كان العيب عنده ولم يعلمه فقد قال بعض الناس لا يلزمه، وقال بعضهم يلزمه وأنا أرى أنه يلزمه ويرد عليه، لانه باع عيبا كان عنده قبل أن يبيعه.
باب القول في ذكر التعليم. وبيع المصاحف
قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: لا بأس عندنا ببيع المصاحف وكتابتها بالاجرة والتجارة فيها لانه إنما يأخذ الاجرة على تعبه وكتابته وعمل يده، وأما أخذ المعلم الاجرة على تحفيظ القرآن لمن يحفظه إياه فلا خير في ذلك وقد جاء عن أمير المؤمنين (علي بن أبي طالب) عليه السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من أخذ على تعليم القرآن أجرا كان حظه يوم القيامة). وحدثني أبي عن أبيه: أنه سئل عن شراء المصاحف وبيعها فقال لا بأس ببيع المصاحف وشرائها وكتابة القرآن بالاجرة. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: يجب على من علم مشاهرة أو غير ذلك أن لا يختص بالقرآن نفسه بالمجاعلة ولكن يكون مجاعلته
---(2/49)


[ 50 ]
على غيره من الآداب والخط والهجاء وقراءة الكتب وغير ذلك ويكون القرآن داخلا في تعليمه بلا مشارطة عليه، وما كان من بر من المتعلم ومكافاة على ذلك قبله المعلم وجاز له قبوله وأخذه. حدثني أبي عن أبيه: في تعليم القرآن والكتاب بأجر قال: لا بأس بذلك إذا لم تكن المشارطة على القرآن خصوصية، وقد ذكره أن سرية خرجت لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فمرت بحي من العرب وقد لدغ سيدهم فسألوهم هل فيهم من يرقي فرقاه بعضهم بفاتحة الكتاب فعوفي فأعطوهم ثلاثين شاة فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبروه بالخبر فقال أضربوا لي معكم بسهم.
باب القول في الازدياد في بيع التأخير وفي بيع المجازفة والقول في اليمين عند البيع
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لاخير في الازدياد في بيع التأخير وهو الربا والعينة عندنا، وتفسير ذلك أن يشترى الرجل طعاما بالنقد على عشرة مكاكي بدينار، ويشتري منه على تسعة بتأخير، وهذا الازدياد في البيع، فقد ازداد عليه في البيع والازدياد عندنا ربا، وكذلك في جميع السلع لا يجوز بيعها إذا افترق سعراها، وصار فيها بشرط نقد وشرط نظرة فهو حرام على المزداد والزايد. حدثني أبي عن أبيه: في الرجل يبيع الطعام إلى أجل معلوم بأقل من سعر يومه الذي باعه فيه فقال يكره هذا عندنا وعند من رأى رأينا من علمائنا وهو العينة، وهو الازدياد والربا انما هو الازدياد، وقد ذكر عن عبد الله بن الحسن عن خاله علي بن الحسين رضي الله عنه أنه كان يقول انما الربا الازدياد.
---(2/50)

100 / 198
ع
En
A+
A-