قيل له: لأنَّه قد ثبت عندنا أن الجزور تجزي عن عشرة، والبقرة تجزي عن سبعة، وذلك لتفاوت ما بينهما في اللحم والثمن وفي الدية، فكان ذلك التفاوت موجباً أن يكون بينهما ثلاثة أنفس ثُمَّ وجدنا التفاوت الذي بين البقرة والشاة في اللحم وفي الثمن وفي الدية أعظم من التفاوت الذي بين الجزور والبقرة، فقلنا: يجب أن يكون التفاوت الذي بين البقرة والشاة في عد من يجزيان عنه زيد من التفاوت الذي بين الجزور والبقرة، وأقل الزيادة واحد، فقلنا: يجب أن يكون بينهما أربعة، وإذا جعلها التفاوت أربعة كان الباقي ثلاثة؛ لأن البقرة تجزي عن سبعة، فقال: الشاة تجزي عن ثلاثة، وما قال في المنتخب: أن ذلك إذا كانوا من أهل بيت واحد فبعيد، والصحيح أن ذلك جائز سواء كانوا من أهل بيت واحد أو لم يكونوا؛ لأن الأخبار الواردة في هذا جاءة مطلقة؛ ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: <هذا عني وعن أمتي>، وهم أهل بيوت مختلفة، وقوله: وإن يكون عن واحد أحبّ إليّ؛ فلأنه أكثر في القربة، فيجب أن يكون أعظم للأجر والأولى عندي أن تكون عن واحد؛ لأنِّي لا أعرف قبل القاسم من قال أنَّها تجزي عن اكثر من واحد، فإن كانت المسألة مما يسوغ الاجتهاد فيها، فما ذكرناه قريب، الله أعلم.
مسألة(141/12)


قال: والأضحية جائزة يوم النحر ويومين بعده، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وقال الشافعي: يوم النحر وثلاثة بعده، وما ذهبنا إليه مروي عن عدة من الصحابة، علي وعمر وابن عمر وأبي هريرة وابن عباس وأنس، وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام، قال: (أيام النحر ثلاثة أيام يوم العاشر من ذي الحجة ويومان بعده، وإذا روى ذلك عن علي وعن نفر من الصحابة ولم يرو عن أحد منهم خلاف ذلك كان ذلك جارياً مجرى الإجماع، واستدل على ذلك بما روى أبو عبيدة مولى عبد الرحمن أنَّه سمع علياًّ عليه السلام يوم الأضحى يقول: (أيها الناس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهاكم أن تأكلوا نسككم بعد ثلاث، فلا تأكلوها)، فدل هذا الخبر على أمرين:
أحدهما: تحريم أكل الأضحية بعد الثلاث من يوم الأضحى.
والثاني: أن أيام ذبح الأضحية هي هذه الثلاثة الأيام؛ لأنَّه إن ذبحت بعدها فلا محالة يكون أكل لحمها بعد الثلاث محرماً، فلما نسخ تحريم الأكل بقي ما اقتضاه الخبر من الحكم الثاني، وهو كون أيام الذبح ثلاثاً.
فإن قيل: كيف نقول ذلك بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمروي أن علياًّ قال هذا، وعثمان محصور؟
قيل له: ذلك محمول على أنَّه عليه السلام قال ذلك على وجه الحكاية لما كان في أول الإسلام، وقوله: (فلا تأكلوها)، تقديره أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم كان قبل النسخ، قال: (لكم أن لا تأكلوها)، والأخبار كثيرة في نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل النسخ عن أكل لحوم الأضحية بعد الثلاث وكل ذلك يمكن الاستدلال به على ما قلناه على أنَّه لا خلاف أن الأضحية لا تصح إلاَّ في أيام بعينها، وتقدير ذلك لا يصح إلاَّ بالشرع، والأيام الثلاثة قد ثبتت أنَّها أيام الأضاحي وما بعدها لا دليل عليه إذ الاتفاق حاصل على الثلاث، وهو المروي عن كثير من الصحابة.(141/13)


فإن قيل: روي عن جبير بن مطعم أنَّه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <في كل أيام التشريق ذبح>؟
قيل له: ليس فيه ذبح الأضحية، ويحتمل أن يكون المراد به ذبح هدي القرآن، وهدى المتعة وغيرها.
فإن قيل: قاسوه اليوم الرابع على ما قبله بعلة أنَّها قد استوت في النَّهي عن الصوم فيها والرمي، ويجب أن تكون الأضحية فيه جائزة؟
قيل له: أما النَّهي عن الصوم فهو حاصل فيوم الفطر ولا تجزي الأضحية فيه، والرمي لم يستو حكم الرابع وحكم الأيام الثلاثة فيه؛ لأن الرمي في الرابع يجوز تركه، ولا يخل ذلك بشيء من النسك وليس ذلك في الأيام الثلاثة بل الرمي فيها واجب لا يسع تركه، ولو جعلنا ذلك حجة لنا كان أولى على أنَّه يمكن أن يقاس الرابع على يوم التروية وعرفة لما لم يجب على الحاج الكون فيه بمنى.
مسألة
قال: والعقيقة سنة ولا ينبغي تركها لمن وجدها، وهي شاة تذبح عن الصبي والصبية يوم سبعهما ثُمَّ تطبخ فيأكل منها أهلها ويطعمون البعض ويتصدقون بالبعض، ولا أحفظ فيه خلافاً في أنا تستحب، إلاَّ أن من العلماء من قال: إنها سنة، ومنهم من قال إنها تطوع، والأصل فيها ما روي عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <كل مولود مرتهن بعقيقته فكه أبواه أو تركاه>، قيل: وما العقيقة؟ قال: <إذا كان يوم السابع تذبح كبشاً تقطع أضاءه ثُمَّ تطبخ، فأهد وتصدق منه وكل وتحلق شعره فتصدق بوزنه ذهباً أو فضة>، وروي عن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: <الغلام مرتهن بعقيقته يذبح يوم السابع ويحلق رأسه ويسمى>، وعن جعفر، عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يسمي الصبي يوم سابعه.
فإن قيل: كيف يصح هذا الحديث والغلام لا ذنب له؟(141/14)


قيل له: أنَّه ليس المراد به ما نقدره بل هو حث عليها وتعريف أن فيها من البركة ما يصرف بها عن المولود كثير من المحذور وهو جار مجرى قوله صلى الله عليه وآله وسلم داووا مرضاكم بالصدقة، وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عق عن الحسن والحسين شاة شاة يوم سابعهما فإذا فعله صلى الله عليه وآله وسلم وكرر وأمر بها وحث عليها فأقل ما يكون فيه أنَّها سنة.
فإن قيل: روي عن محمد بن علي بن الحسين أنَّه قال: نسخ الأضحى لكل ذبح قبله ونسخت الزكاة كل صدقة كانت قلها ونسخ صوم رمضان كل صوم كان قبله، وهذا لا يصح أن نقول إلاَّ توقيفاً؟
قيل له: معناه نسخ الوجوب، ألا ترى أن صوم رمضان يستحب بعده صوم أيام كثيرة، ومع الزكاة صدقات كثيرة مستحبة.
فإن قيل: كيف يصح لكم هذا التأويل وأنتم لا تقولون بوجوب الأضحية؟
قيل له: لا يمتنع أن يكون الأمر بها على وجه الندب، نسخ وجوب سائر الذبائح، فأما الأكل منها والإطعام فلا خلاف فيه، وكذلك التصدق على أنَّها عادة للمسلمين توارث فعلها خلفاً عن سلف، قال: ويستحب لهم أن يحلقوا رأس المولود ويتصدقون بوزن شعره ذهباً أو ورقاً، وذلك لما ورد فيه من الأثر، فهو ما روي عن جعفر، عن أبيه، أن فاطمة حقت رأس الحسن والحسين عليهما السلام، يوم سابعهما ووزنت شعرهما وتصدقت بوزنه فضة، وفي حديث الذي ذكرناه في صدر الكتاب وحلق شعره وتصدق بوزنه ذهبناً أو فضة ويؤكل منها ويتصدق، وسميت العقيقة عقيقة لحلق ذلك الشعر، والله أعلم وأحكم بالصواب.(141/15)


باب القول في الأطعمة
يستحب لمن أراد الأكل أن يغسل يديه قبل الطعام وبعده، وذلك أنَّه ينظف ويطهر وعادة للمسلمين؛ ولأن ترك الغسل بعد الطعام يؤدي إلى تغير رائحة يده، وذلك مما يتأذى به، ويجب أن يكره ذلك، قال: وإن يأكل مما بين يديه إلاَّ أن يكون ن التمر فيأخذ من حيث أراد، وذلك لما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا قرب منه الطعام أكل من بين يديه أقرب إلى أن لا يحيف على مواكله وأن لا يكون مطيعاً فيه لهمته.
مسألة
قال: ويكره أكل الجرّي والمار ما هي، وذلك لما روي عن ميسرة وزاذان، عن علي عليهم السلام أنَّه كان ينهى الساكين عن الجري والطامي والمار ما هي، وهذا يدل من مذهب يحيى عليه السلام أنَّه لا يجيز أكل شيء مما في البحر إلاَّ السمك؛ لأنَّه إذا كره المار ما هي لشبهة بالحيّة أولى بذلك، وسائر ما في البحر من كلب الماء وخنزيره، وبه قال أبو حنيفة وعند الشافعي يجوز أكل ما يعيش في الماء، والأصل فيه قول الله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ}، وذلك عام في كل ميتة إلاَّ ما خصه الدليل، وقوله تعالى: {وَلَحْمُ الْخِنْزِيْرِ}، عام في خنزير البر والبحر.
فإن قيل: قد قال الله تعالى: {أُحِلَّ لَكَمْ صَيْدُ الْبَحْرِ}؟(142/1)

99 / 122
ع
En
A+
A-