فإن قيل: روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <ضحوا بالجذع من الضأن إذا فرط هل ستة أشهر>؟
قيل له: يحتمل أن يكون ذلك من لفظ الراوي أدرجه في الحديث، ويحتمل أيضاً أن يكون أراد أنَّه إذا فرطله ستة أشهر بعد كونه جذعاً، ويكون الغرض فيه الحث على تعظيم الأضحية، وإن لا يقتصر منها مع الإمكان على أدنى ما يجري من السن، ويكون ذلك إذا تمت له سنة ونصف.
فصل
قال في الأحكام: إن قدر على جزور فهو فضل، وإن قدر على بقرة فهي أفضل من الشاة، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي، وحكي عن قوم وأظن عن مالك، أن الجذع من الضان أفضل، والأصل في ذلك قول الله عز وجل: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ}، ونعلم أن الجزور أعظم من البقرة وأن البقرة أعظم من الشاة، وما روي عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: <مثل المهجر مثل الذي يهدي بدنه، ثُمَّ الذي على أثره المثل من يهدي بقرة، ثُمَّ الذيب على أثره كالذي يهدي كبشاً، ثُمَّ الذي على أثره كالذي يهدي دجاجة، ثُمَّ الذي على أثره كالذي يهدي بيضة>، وروي أيضاً عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحوه، فدل ذلك على أن الأفضل الجزور ثُمَّ البقر ثُمَّ الشاة، وروي عن ابن عمر، أنَّه كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يضحي بالجزور إذا وجده، فإذا لم يجد الجزور ذبح البقرة والغنم، فدل على ذلك أيضاً على ما قلناه، وأيضاً قد ثبت في الذمة أن الواجب مائة عن الإبل ومائتا بقرة وألفا شاة، فعدل فيها بقرتان ببعير وعشر شياه ببقرة، فدل ذلك على ا قلناه، أيضاً على أن الجزور أوفر ثمناً وأكثر لحماً ثُمَّ البقر ثُمَّ البثا، فيجب أن يكون الجزور أفضل ثُمَّ البقر ثُمَّ الشاه.
مسألة(141/7)
قال: وأفضل الأضحية أسمنها والخصيان فيها جائز، قلنا أن أفضلها أسمنها؛ لأنها أغلا في الثمن، وخير في اللحم، ولا خلاف فيه، وأجزنا الخصيان لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا ضحى اشترى كبشين عظيمين أملحين أقرنين موجوين؛ ولأن الخصيان تكون اسمن والسمن مبتغى في الأضحية ولا أحفظ فيه خلافاً.
مسألة
قال: ومن ذبح قبل أن ينصرف الإمام لم تجز أضحيته، إلاَّ أن يصلي الرجل وحده، فيجزيه أن يذبح إذا صلى، وقال أبو حنيفة: لا يجزيه إلاَّ بعد صلاة الإمام، قال الشافعي إذا مضى الوقت الذي يجوز أن يصلي فيه مع خطبتين خفيفتين جازت الأضحية، وحكي عن قوم أنَّها لا تجزي حتَّى يذبح الإمام، والأصل في ذلك قول الله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}، فرتب النحر على الصلاة، وعندنا وعند الشافعي أن الواو في الشرع موجب الترتيب، فيجب أن يكون النحر مرتباً على الصلاة، وحديث أبي بردة أنَّه لما ذبح قبل الصلاة قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <شاتك شاة لحم>، وأمره بالإعادة، وروى ذلك زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا أيضاً يحجُّ الشافعي؛ لأنَّه صلى الله عليه وآله وسلم لم يعتبر الوقت وإنَّما اعتبر الصلاة، وكذلك لم يعتبر ما كان منه في التضحية فحج ذلك أيضاً من قال: إنها لا تجزي إلاَّ بعد تضحية الإمام، وفي حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى بالناس يوم النحر فلما فرغ ن خطبته وصلواته دعا بكبش فذبحه هو بنفسه، فكل ذلك يدل على أنَّه مرتب على الصلاة، فإذا كان للرجل إمام يصلي وحده، فيجب به لم تجز الأضحية إلاَّ بعد صلاة إمامه، وإن لم يكن له إمام، وكان يصلي وحده، فيجب أن لا يجزيه إلاَّ بعد صلاواته؛ لأنَّ تعليق أفعاله بعضها على بعض أولى من تعليقها على فعل غيره فيجب أن يكون المعتبر بصلاة المضحي دون الإمام، وأيضاً لا خلاف أنَّه إذا صلى مع الإمام(141/8)
أدزته أضحيته، فكذلك إذا صلى وحده، والعلة أنَّه ذبح بعد صلاة العيد يبين ذلك أن الوتر لما كانت مرتبة على صلاة العشاء جاز للرجل أن يوتر إذا صلى العشاء سوى صلاها وحده أو مع الإمام ولم يجب ترتيبها على صلاة الإمام.
فإن قيل: أليس يحيى بن الحسين قال في الأحكام: إن أهل المدن لا يذبحون حتَّى ينصرف الإمام؟
قيل له: المراد بذلك إذا كان لهم إمام، فإنهم يصلون معه، ولا يجوز لهم التضحية إلاَّ بعد أن يصلي الإمام؛ لأنهم يصلون، وحكي عن بعض المعتزلة، وأظنه أحد الجعفرين، أنه إذا كان الإمام ممن يجب نحره جاز النحر قبل صلواته وما أبعد فيما قال، وعلى مثله يدل قول يحيى بن الحسين عليه السلام.
مسألة(141/9)
قال: ولا بأس بصاحبها أن يخرج من لحمها ما شاء ويحبسها إلى أي وقت شاء، لم يحد يحيى عليه السلام للإخراج شيئاً، وحكي عن بعض أهل العلم أنَّه قال: يخرج النصف، ويأكل النصف لقول الله عز وجل: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيْرِ}، وقيل يخرج الثلثين ويأكل النصف لقول الله عز وجل: {فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر}، وليس المقصد في الآية بيان المقدار، وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أنَّه كان يطعم ثلثاً ويأكل ثلثاً ويدخر ثلثاً، وكل حسن ولم يرد فيه حد محدود، وأما الحبس من لحمها فوق الثلث فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عنه ثُمَّ نسخه، وأذن في حبسه ما شاء، وبه قال عامة العلماء، وروى زبد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، أنَّه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن لحوم الأضاحي أن تدخر فوق ثلاثة أيام)، قال: فلما كان بعد ذلك قال: <أيها الناس كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي أن تدخروها فوق ثلاثة أيام، وذلك لفاقة المسلمين ليواسوا بينكم فقد وسع الله عليكم، فكلوا وأطعموا وادخروا>، وروى ذلك علي عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من طرق شتى، وروي عن غير واحد من الصحابة كجابر وأبي سعيد الخدري وعائشة، وروت نحو ذلك، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفي بعض الأخبار: <ادّخروا ما بالكم>، وفي بعضها: <كلوا ما شئتم>.
مسألة(141/10)
قال: وجزي البدنة عن عشرة والبقرة عن سبعة، والشاة عن ثلاثة، قال في المنتخب: إذا كانوا من بيت واحد أحب إليَّ، أما كون البقرة مجزية عن سبعة فلا خلاف، وإجزاء البدنة عن عشرة قد تكلمنا فيه في كتاب الحج، وأوردنا ما ورد فيه ن الأخبار، وما فيه من الاستدلال من جهة النظر فلا وجه لإعادته، وأن إجزاء الشاة عن ثلاثة، فالأصل فيه ما روي عن علي بن الحسين، عن أبي رافع، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا ضحى اشترى كبشين عظيمين أملحينن فإذا خطب بالناس وصلى أتى بأدهما فذبحه بيده، ثُمَّ قال: <اللهم إن هذا عن أمتي جميع من شهد لك بالتوحيد وفي بالبلاغ>، ثُمَّ يؤتى بالآخر فيذبحه ثُمَّ يقول: <اللهم إن هذا على محمد وآل محمد>، وروي نحو ذلك، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعن عائشة، و عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنَّه ضحى بكبش أقرن ثُمَّ قال: <اللهم إنَّ هذا عني ومن لم يضَحِّ من أمتي>، فدلت هذه الآثار على أن الشاة تجزي عن أكثر من واحد ولم يقدر فيه أحد أكثر من الثلاثة، فوجب أن تجزي عن ثلاثة، ويكون ما فوقه منسوخاً على أنَّه قد ثبت أن الجزور والبقرة يجزيان عن أكثر من واحد، فوجب أن تجزي الشاة عن أكثر من واحد، والعلة أنَّها أضحية، فكل أضحية يجب أن تجزي عن أكثر من واحد.
فإن قيل: فما وجه اجتهادكم من قصرها على ثلاثة أنفس؟(141/11)