قيل له: يحتاج ذلك إلى الليل؛ لأن السنة إذا أطلقت أفادت أنها غير الفرض، فأما ما يحتجون به من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: <من لم يضح فلا يقرب مصلانا>، وهذا وما روي من قوله: <من وجد سعة فليضح>، وقوله عز وجل: {فَصَلِّ لِرَبَّكَ وَانْحَرْ}، وكل ذلك محمول على الحث، والتأكيد يكون بها سنة(1) واستحباباً، وكذلك إن استدلوا بحديث الشعبي عن البراء بن عازب أنَّه لما ذبح قبل الصلاة أمره بالإعادة، فإنه يدل على أنها لم تكن صحيحة قبل الصلاة، وأمره بالإعادة لتكون ضحية أخذاً بالسنة متمسكاً بها.
فإن قيل: ففي الخبر أنَّه قال: عندي عناق، فأذن له بذلك، وقال: إنها لا تقضى عن أحد بعدك، وفي الأخبار: <لا تجزئ>، ويقال تقضى أو تجزئ إلاَّ في الواجب.
قيل له: يحتمل أن يكون البراء كان قد أوجب ذلك على نفسه، ويجوز أن يقال في السنة والتطوع يجزئ ويقضى، ألا ترى أنا نقول في صلاة التطوع: أنَّها لا تجزئ إلاَّ على الطهر، ولا تجزئ إلاَّ بقراءة، و عندنا النوافل قد تقضى، فبين صلى الله عليه وآله وسلم أنَّها لا تقع عن الأضحية لأحد بعده ولا تجزئ، وإن لم تكن الأضحية في الأصل واجبة، ويقاس المقيم فيها على المسافر، فنقو: لما كانت الأضحية غير واجبة على المسافر لم تكن واجبة على المقيم، بعلة أنَّها أضحية لم يوجبها المضحي على نفسه، فإن قاسوها على زكاة الفطر بعلة أنَّها حق في مال يتعلق بالعبد، قلنا: القياس عليهم، قلنا: يجب أن يستوي فيه المسافر والمقيم، وأيضاً لا خلاف أن الحقيقة غير واجبة، فكذلك الأضحية، والعلة أنَّها ذبيحة ليست جبراناً لنقص، وإن شئت قلت؛ لأنها ذبيحة عن إنسان لا لفعل كان منه.
فإن قيل: لا خلاف أنَّها تجب بالنذر، فدل ذلك على أن لها أصلاً في الوجوب؟
__________
(1) ـ فقد وافق سنتنا: <ومن ذبح قبل ذلك فإنما هي شاة لحم عملها، ليس من النسك في شيء>، وبحديث أبي بردة. تمت(141/2)
قيل له: للذبح أصل في الوجوب، وهذا القدر يكفي لصحة النذر به، وروي أن أبا بكر وعمر كانا لا يضحيان كراهة، إن يرى أنَّها واجبة، وروي نحوه عن ابن عباس وأنه كان يشتري يوم الأضاحي بدرهمين لحماً، ويقول: هذه أضحية ابن عباس، يقصد به إلى تعريف الناس أنها غير واجبة، وروي التشريك في الشاة في الأضحية، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا خلاف أن التشريك فيها لا يجوز إذا كانت واجبة، فدل ذلك على أنا غير واجبة على أن أخبارهم إذا كانت محمولة على الندب فقد صرفوا هم العموم عن ظاهره إلاَّ الخصوص واستوينا في والاستعمال فلا حجة لهم فيها على أنهم إذا قالوا في خبرنا أن السنة بمعنى الفرض، فقد صرفوا الخبر عن الظاهر من وجهين:
أحدهما: أنهم قالوا: أن المارد بالسنة هو الفرض، وهذا خلاف الظاهر.
ومنها: أنهم جعلوا الخبر في الأغنياء، وهذا أيضاً خلاف الظاهر.
ومن وجه ثالث: أنهم خصوها بالمقيم، ونحن أجريناها على الظاهر من الوجوه كلها.
فإن قيل: قوله: من وجد سعة فليضح، يريد ظاهره أنَّها على الأغنياء؟
قيل له: السعة هو الإمكان لقول الله عز وجل: {لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}، أي ما أمكنها، وهاهنا من يمكنه وهو عندكم غير مخاطب ما لم يبلغ حداً معلوماً، فقد خصصتموه ونحن لا نخصصه بل نجريه على عمومه، فنقول أنا مستحبة لمن أمكنه.
مسألة(141/3)
قال: ولا تجزي عمياء ولا عوراء ولا جدعاء ولا مستأصلة القرن كسراً أما العوراء والعمياء والجدعا فلا خلاف في أنَّها لا تجزئ، و الأصل فيه الأخبار الواردة، منها حديث البار بن عازب، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <لا يجوز في الضحايا العوراء البيّن عورها ولا العرجاء البين عرجها والمريضة البين مرضها والعجفاء الَّتِي لا تنقى>، وري عن أمير المؤمنين علي عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <لا يضحي بمقابلة ولا مدابرة ولا شرقاء ولا خرقاء ولا عوراء>، وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، قال: (في الأضحية سليمة العينين والأذنين والقوائم، لا شرقاء ولا غرقاء ولا مقابلة ولا مدابرة وأمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نستسف)، وفي بعض الأخبار: (أن نستسرف العين والأذن الثني من المعز والجذع من الضأن إذا كان سميناً، ولا جرباء ولا جدعاء ولا هرمة)، فوردة الأخبار في العوراء وكانت العمياء أسوأ حالاً منها فلم يكن إشكال في أنَّها لا تجزئ والشرقاء والخرقاء والمقابلة والمدابرة كلها من صفات الندب، وقيل: الشرقاء الموسومة، وقيل: المثقوبة، والخرقاء، قيل: المثقوبة، وقيل: المخرقة، وهما يتقاربان في المعنى، والمقابلة ما قطع إذنها من المقدم، والمدابرة ما قطع من أذنها من المؤخر، وأما المستأصلة القرن كسراً فلما روي عن علي عليه السلام، قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن عضباء القرن والأذن).
فإن قيل: روي عن جحته بن عدي، أن رجلاً سأل علياًّ عليه السلام عن المكسورة القرن، فقال: (لا يضرك)، قال: والعرجاء؟ قال: ( إذا بلغت المنسك أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نستسرف العين والأذن؟(141/4)
قيل له: يستعمل الخبرين فنقول إذا كانت مكسورة القرن لا من أصله أنَّها تجزي، وإذا كانت مستأصلة القرن لا تجزي، إذ لا يمكن استعمال الخبرين إلاَّ على هذا الوجه على أن العرج أيضاً محمول على هذا؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: <ولا عرجاء بين عرجها، فإذا كان العرج يسيراً أجزى، وإذا كان شديداً يمنع من بلوع المنحر لم تجزي>، وعلى هذا يجب أن يحمل اليسير من العيب في الأذن والعين، ألا ترى إلى قوله: عوراء بيّن عورها، وكذلك يجب أن يكون العجف، والمرض لقوله: بيّن عجفها وبيّن مرضها، ونبه يحيى بن الحسين عليه السلام بالعيوب الَّتِي ذكرناها على سائر العيوب الؤثرة الظاهرة، وقال أيضاً في الأحكام: فلينحرها ذات سمن وسلامة من العيوب والنقصان، فدل على أن العجفاء لا تجزي، وكذلك العرجاء، فعليه يجب أن تبنى المسألة.
مسألة(141/5)
قال: ولا يجزي من الإبل والبقر والمعز دون الثني وتجزي من الضان الجذع، وهذا مما لا أحفظ فيه خلافاً بين العلماء، وفي حديث زي بن علي، عن جده، عن علي عليهم السلام قال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نستسرف العين والأذن الثني من المعز والجذع من الضان)، وفي حديث أبي بردة، أن عليه رسول الله صلى الله علية وآله وسلم لما أمره أن يعيد أضحيته؛ لأنَّه ذبح قبل الصلاة، قال: عندي جذع من المعز، فقال: <يجزي غيرك، وروى بعدك>، فثبت أن الجذع لا يجزي، وروى ذلك زيد بن علي يرفع إلى علي عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال: < الجذع من الضان إذا كان منقباً، , الثني من المعز>، وإذا ثبت ذلك ثبت في الإبل والبقر أنه لا يجزي منها إلاَّ الثني؛ لأنَّ أحداً لم يفصل بينهما، واختلفوا في الجذع، فذكر أصحاب الشافعي أنَّه ما تمت له خمسة أشهر، ودخل في السادس، وعن أصحاب أبي حنيفة: ما تمت له ستة، ودخل في السابع، وسمعت بعض الأدباء يحكي عن أبي حاتم السجستاني، أنَّه ما تمت ثمانية أشهر، وقال العتيبي في كتاب أدب الكاتب: هو تمت له سنة ودخل في الثانية وهو الأولى؛ لأن الحمل لأصحابه، وهو يسمى حملاً في أول السنة؛ ولأن حصول هذا اسم ـ أعني الجذع ـ بعد مضي السنة اتفاق، فإذا ثبت أنَّه لا بد من أن يراعى فيه حصول الاسم فلا يحصل الاسم بالاتفاق إلاّ بعد سنة، وكذلك إذا ثبت أنَّه لا بد فيه من تقدير المدة فلا بد فيه من الأدلة ولا دلالة غير الاتفاق، وهو يكون بعد استكمال سنة؛ ولأن هذه الأسماء الَّتِي هي للبهائم من الطلف والحف والحافر يتحد عليها سنة سنة، قال أبو محمد القنبي: والثني من المعز والبقر ما تمّ له سنتان، ودخل في الثالثة والثني من الإبل ما تمّ له خمس سنين، ودخل في السادسة.(141/6)