والثاني: أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم شبهه بالصيد فبان أن حكم ذكاته مع الشذوذ حكم ذكاة الصيد، وروي عن أبي العثراء الدارمي أنَّه أتاه فقال: يا رسول الله ما تكون الذكاة إلاَّ من اللبته والحلق؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <لو طعنت في فخذه أجزأك>، فاقتضى ذلك جواز الذكاة بذلك في جميع الأحوال، فلما أجمعوا أنَّه لا يجوز مع التمكن بقي مع حال الامتناع على الجواز، وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن عليه عليهم السلام في ناقة أو بقرة ندت فضربت بالسلاح لا بأس بلحمها من طريق النظر أن الصيد لم يكن ذكاة بجنسه، وإنَّما كان لامتناعه بدلالة أنَّه متى تمكن من ذبحه لم تجز تذكيته بذلك وإذا ثبت أن العلة في الصيد هو الامتناع فمتى حصل الامتناع من الجزور والبقر يجب أن تكون تذكيته بالضرب والطعن في غير المذبح، وأما إذا فلذلك من غير حاجة إليه فلا خلاف أنَّه لا يؤكل لحمه؛ لأن مع التمكن لا يجوز الذبح والنحر إلاَّ في موضعهما، وإنَّما جاز العدول عن ذلك للامتناع، وإذا لم يكن امتناع لم يجز ذلك إلاَّ في اللبته والحق، قال: لو أن بعيراً أو بقرة سقط في بئر فلم يقدر على إخراجه حياً، وجب على صاحبه أن يطلب مذبح البقرة أو منحر البعير حتَّى يذبح أو ينحر، فإن لم يقدر على ذلك طعنه حيث ما أمكن وسمى وأخرجه آراباً وحل أكله، وهو قول زيد بن عليه عليهما السلام، ووجهه ما تقدم من تعذر الذبح، فيجب أن يكون حكمه حكم الناد، فأما إن تمكن من الذبح لم يجز إلاَّ الذبح؛ لأن التعذر يكون زائلاً وأظن هذا مما لا خلاف فيه.
مسألة(140/22)


قال: ومن ذبح ذبيحة فأبان رأسها جاز أكلها، ووجهه أنَّه قد فرى الأوداج وأنهر الدم، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: <إذا أنهرت الدم وفريت الأوداج فكل>، وروى زيد، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، في رجل ذبح شاة أو طائراً أو نحو ذلك فبان رأسه، فقال: (لا بأس بذلك، ذلك ذكاة شريعته>، قال: وتنحر البدنة قائمة حيال القبلة يضرب بالحديد لبتها حتَّى يفري أوداجها، لا خلاف في أن ذلك صفة النحر وإن استقبال القبلة بها مستحبة، وروى زيد، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أنَّه قال: (كان إذا ذبح نسكه استقبل القبلة)، وعن جابر، قال: ضحى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكبش في يوم عيد، فقال حين وجهه: {وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِيْ فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ..} الآية، والتوحيد لا يكون إلاَّ في القبلة، قال القاسم عليه السلام: وإذا عدى السبع على البقرة أو الشاة ثُمَّ لحقت، وفيها رمق ذكيت وجاز أكلها، وهذا مما قد أوضحنا الكلام فيه، وذكرنا اختلاف العلماء، فلا وجه لإعادته، قال: ولا يجوز أكل ما أبان السبع منها ولا ما قطع من عضو، وهذا مما لا خلاف فيه لما روي: <ما قطع من حي فهو ميت>، وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، قال: (ما أبان من البهيمة من يد أو رجل أو إلية وهي حية لم يؤكل؛ لأن ذلك ميتة.
مسألة في صيد المدينة [ليست من التجريد](140/23)


قال: في الأحكام لا يجوز أن يصاد ولا أن يعضد الشجر في شيء بما لابتي المدينة، وهما حدياها، وبه قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا بأس بذلك، والأصل في الأخبار الكثيرة الواردة في هذا الباب، منها حديث أبي الزبير عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <إن إبراهيم حرم بيت الله وأمنه وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها لا يقطع عضاهما ولا يصاد صيدها>، وعن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حرم ما بين لابتي المدينة أن يعضد شجرها أو يخبط، وذكر يحيى بن الحسين حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طلع أحد فقال هذا يحبنا ونحبه، اللهم إن إبراهيم حرم مكة وإني حرم المدينة ما بين لابتيها، وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: <إن إبراهيم صلى الله عليه حرم مكة وأنا أحرم المدينة>، قال: ونهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يعضد شجرها أو يخبط أو يؤخذ طيرها، وروي أن علياً عليه السلام خطب وعليه سيف فيه صحيفة معلقة به، فقال: (والله ما عندنا من كتاب إلاَّ كتاب الله وما في هذه الصحيفة)، ثُمَّ نشرها فإذا فيها المدينة حرام من عير إلى ثور، وروي عن سعد بن أبي وقاص أنه أخذ سلب من رآه بصيد في حرم المدينة فكلم في ذلك فامتنع من رده وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <من وجدتموه يصيد في شيء من هذه الحدود فمن وجده فله سلبه>، وعن عامر بن سعد، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهما ويقتل صيدها، وعن صالح ابن إبراهيم، عن أبيه، قال: اصطت طيراً بالقنبه فخرجت به في يدي فلقيني عبد الرحمن بن عوف، فقال: ما هذا فقلت طيراً اصطدته بالقنبه، فعرك أذني عركاً شديداً ثُمَّ أرسله من يدي ثُمَّ قال: حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما بين لابتيها، وروي أن زيد بن ثابت، رأى من ينصب فخا بالمدينة فرمى به، وقال:(140/24)


ألم تعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حرم صيدها، فكانت هذه الأحاديث كلها نصوصاً فيما ذهبنا إليه.
فإن قيل: روي أنَّه كان لأبي طلحة ابن يدعى بن عمير، فكان له نعير، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يضاحكه فرآه حزيناً، فقال: <ما شأن أبي عمير؟>، قيل يا رسول الله مات نغيره، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <يا أبا عمير ما فعل النغير(1)؟>، وعن عائشة كان لآل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحش فإذا خرج لغب واشتد وأقبل وأدبر فإذا أخبر برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدخل ربض فلم يرم كراهة أن يؤذيه ففي هذين الخبرين دليل على جواز صيد المدينة؟
قيل له: يحتمل أن يكون التغير والوحش صيداً خارج الحرم وأدخلا المدينة ويجوز أن يكون ألفا وكانا مختارين للسكون هنالك فكانا في حكم الميت الذئب يذهب متى شاء وإذا كان كذلك فلا جيب طرده ولا إيذاؤه، ويحتمل أن يكون ذلك خاصاً فيهما، وأما النعير فيجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم رآه بعد ما مات، فعلى هذا يدل الخبر ويجوز أن يكون الخبر ذلك كان قبل التحريم فنسخ ولا يصح احتجاجهم بظاهر ما روي في إباحة الصيد فإنا نخصه بالأخبار التي رويناها ولا نقبل لقياس؛ لأنه يكون قياساً رافعاً للنصوص.
__________
(1) ـ النعير تصغير نعر، طائر نسبه العصفور أحمر المنقار. تمت(140/25)


باب القول في الأضاحي
الأصحية ليست بواجبة، ويستحب لمن قدر أن يضحي، وبه قال الشافعي والثوري، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف، قال أبو حنيفة ومحمد وزفر، وهو المشهور عن أبي يوسف: أنها واجبة، وروي ذلك عن مالك، والأصل فيه ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال في الأصحية: <هي عليَّ فريضة، وعليكم سنة>، وروى أبان ابن أبي عياش عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <ثلاث هي عليَّ فريضة وعليكم سنة، تطوّع الأضاحي، والوتر، والضحى>، وروي عنه أنَّه قال: <أمرت أن أضحي ولم تؤمروا>، في بعض الأخبار: <كتب عليَّ ولم تكبت عليكم>، وروي عن الأسود بن قيس عن جندب قال: شهدت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم النحر فمر بقوم قد ذبحوا قبل أن يصلي، فقال: <من كان ذبح قبل الصلاة فليعد، فإذا صلينا فمن شاء ذبح ومن شاء فلا يذبح>، وما روي من قوله: <ومن لم يذبح فليذبح>، محمول على أن المراد به إن شاء، وروي عن زيد بن أرقم، أن رجلاً قال: يا رسول الله، ما هذه الأضاحي؟ قال: <سنة أبيكم إبراهيم صلى الله عليه>، وما كان سنة له فهو سنة لنا لقوله تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيْمَ}، وقوله: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}.
فإن قيل: فهذا يقتضي الإيجاب؛ لنه عز وجل أمرنا بالإتباع والإقتداء؟
قيل له: لا نكون مقتدين به ولا متعين له إلاَّ إذا فعلنا ما فعله على الوجه الذي فعله، فإذا كان إبراهيم صلى الله عليه فعلها على أنها سنة، فنحن أيضاً نفعلها على أنها سنة، وإلاَّ لم نكن متبعين.
فإن قيل: فالسنة يعتبر بها عن الفرض؟(141/1)

96 / 122
ع
En
A+
A-