قيل له: يحتمل أن يكون المراد به كذكاة أمه يعني أنَّه يجب أنه يذكى كما تذكى أمه، وأنه كالأم في أن ذكاة غيره لا تكون ذكاة له، ويبين ذلك أن المراد لو كانوا ما ذهبوا إليه كان الأشبه والأولى أن نقول ذكاة الأم وذكاة جنينها، ومثال ما قلناه قد ورد في القرآن والشعر، قال الله تعالى: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ}، والمراد كالسموات والأرض، ألا ترى أنَّه قال الله تعالى في سورة أخرى: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ}، وجاء في الشعر: فعيناك عيناها وجيدك جيدها.
فإن قيل: فقد روي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: <ذكاة الجنين ذكاة أمه إذا أشعر>، وعن البرا، أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال في الأجنة: <ذكاتها ذكاة أمهاتها إذا أشعرت>.
قيل له: تأويل ذلك ما ذهبنا إليه، وذكر الأشعار يحتمل أن يكون؛ لأن سائلاً عن جنين أشعر سأل فخرج الجواب عنه، فروى الراوي لفظ النبي، وترك لفظ السائل، وهذا كقوله: <إنما الربا في النسيئة>، فذهب العلماء إلى أن يكون المراد به أن يكون سئل عن جنس فخرج الكلام عليه على أن التأويل الذي ذكرنا لا بد منه لأبي يوسف ومحمد والشافعي؛ لنهم لا يفصلون بين ما أشعر وما لم يشعر في أن أكله جائز، وعلى هذا نتأول ما روي عن أبي إسحاق عن الحارث، عن علي عليه السلام، على أنَّه إذا لم يشعر فهو أقرب إلى أن يكون كبعض الأم، ألا ترى أن السقط إذا لم يتبين بشيء من خلقه لم تنقض به العدة ولا الأم تصير به أم ولد، فبان أن زيادة الخلق تكسبه زيادة حكم المباينة.
فإن قيل: فقد روي في حديث أبي خالد الأصم عن مجالد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في الجنين: <كلوه إن شئتم، فذكاته ذكاة أمه>.(140/17)
قيل له: هذه اللفظة لم يذكرها غير أبي خالد، ويحتمل أن يكون أبو خالد رواه على المعنى عنده، وأيضاً الجنين مما له في نفسه ذكاة إذا قدر عليها ، فإذا وجد ميتاً ن غير ذبح ولا جراحة، فيجب أن يجرم أكله كسائر البهائم إذا ماتت موقوذة أو متردية أو ماتت حتف أنفها، وأيضاً وجدنا ذكاة الهائم على وجهين:
إما النحر والذبح فيما يتمكن منه.
والجرحة فيما لا يتمكن منه والجنين ليس له واحد منهما، فوجب أن يحرم أكله كسائر البهائم والطيور.
فإن قيل: أنَّه مات بما كان منا من ذبح أمه، فيجب أن يجرى إذا لم يقدر على غيره كما قلنا في الناد من البعير والبقر أو المتردي في البير إذا لم يقدر فيها على الذبح فخرجت.
قيل له: وكلما ذكرت إذا لم يقدر فيها على الذبح أو النحر أو الجرحلم يحل أكله، فكذلك الجنين على أنا نجوز أن يكون مات حتف أنفه لا بسبب ما فعلناه بالأمن فيجب ألاَّ يحل أكله كالصيد إذا وجد ميتاً وبه جراح وشككنا أن ذلك الجرح كان بسبب الرمي أو عض الكلب المرسل عليه لم يجز أكله، فأما من شبهه بعضو ن أعضاء أمه فقد أبعد؛ لأن من ضرب بطن امرأة فألقت جنينها وماتت لزمت مع الدية الغرة، وليس كذلك العضو إذا أبان عضوها وقتلها؛ ولأن الجنين يصح أن يفرد بحكم الذكاة وجد حياًّ، وليس كذلك حكم العضو، لأنَّه لا يصح أن ينفرد بحكم الذكاة على وجه من الوجوه، ويقال لمن قال: إن حكم الذكاة يسرى كالعتق والتدبير أنَّه يصح أن يؤخذ حياً فلا يسري فيه حكم الذكاة، وليس كذلك العتق والتدبير، فبان أن الذكاة لا سراية لها على أن السراية تحصل فيما يعلم أنَّه كان حياً، ولا سبيل إلى العلم بأن الجنين كان حياً في حال ذكاة أمه، فكيف يمكن أن يقال سرى فيه، ويقال لمالك: إذا لم يجز أكل ما لم يشعر، فكذلك ما أشعر، والعلة أنَّه جنين لم يذبح ولم ينحر أو يقال لم يدرك في نفسه، وقد بينا أنَّه بالإشعار يصير أولى أن يكون له في نفسه حكم.
مسألة(140/18)
قال: ومن ذبح شيئاً من قفاه جاهلاً أكلت ذبيحته، وإن ذبحه كذلك متعمداً لم تؤكل، وقال في المنتخب في الشاة تذبح من قفاها: لا يحل أكلها، وقال فيه؛ لأنَّه لا يصل السكين الأوداج، وهي موضع الذبح حتَّى يموت، فكان تحصيل مذهبه أن السكين إذا بلغ الأوداج الحلقوم والمريء وهو حي فإنه يحل أكله؛ لأنَّه يكن بمنزلة الموقوذة والمتردية وما أكل السبع، إذا أدركت ذكاته، فإن لم يبلغ السكين ما ذكيناه حتَّى يموت فلا يحل أكله؛ لأنَّه يكن بمنزلة هذه الأشياء إذا لم يدرك ذكاته، فيكون والمعنى فيما قال في الأحكام وما قال في المنتخب؛ معنى واحدا أو لا يحمل ذلك على اختلاف الروايتين وإنَّما يحمل على اختلاف الجوابين لاختلاف الحالين، فأما التعمد فمراده والله أعلم أن يكون من قصد إلى مخالفة الشريعة والاستهانة بها، وذلك يوجب الكفر على ما بيناه في قوله فيمن انحرف عن القبلة متعمداً عند الذبح.
مسألة(140/19)
قال: وكل بهيمة مريضة أو متردية أو نطيحة ذبحت فتحرك منها شيء بعد ذبحها ذنب أو عضو من أعضائها أو طفت بعينها حل أكلها وإن لم يتحرك منها شيء بعد ذبحها لم يحل أكلها، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه الشافعي يختلفون، منهم من يجعله على قولين، ومنهم من يقول أنَّه لا يجوز أكله إذا انتهت إلى تلك الحالة، وبه قال أبو يوسف ومحمد على اختلاف وتفصيل بينهما، ووجه ما قلناه قوله عز وجل برعد ذكر الموقوذة والمتردية والنطيحة: {وَمَا أَكَلَ السَّبْعُ إِلاَّ مَا ذَكِّيْتُمْ}، فعمومه يقتضي جواز أكل ما أدركنا ذكاته، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أنهرت الدم وفريت الأوداج فكل، وحديث زيد بن علي عليهما السلام أن راعياً سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: أرعى غنماً لأهلي فتكون العارضة فأخاف تفوتني بنفسها، فأذن له بالذبح بالمروة والحجر، وقال: <إن فريت فكل>، وأذن في الذبح مع تلك الحالة، وكذلك ما روي أن رجلاً كان يرعى لقحة في شعب فأخذها الموت فلم يجد شيئاً ينحرها به فأخذ وتداً فوجاها به في لبتها حق أهرق دمها فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأمره بأكلها، وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أن عائشة قالت: يا رسول الله إني أتيت مالاً ينبغي، فقال: <وما ذلك؟>، قالت: كان لي سلخة فخفت أن تفوتني بنفسها فذبحتها، قال: <أفريت؟> قالت: نعم، قال: <كلي وأطعمينا>، ولأنه ذبحها بعد حية، فوجب أن تحل أكلها دليله لو ذبح قبل أن يبلغ تلك الحال، وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، قال: (إذا أرت ذكاتها وهي تطرف بعينها أو تركض برجلها أو تحول ذنبها فقد أدركت).
فإن قيل: إذا صارت إلى حال هي ميتة منها لا محالة فقد صارت بمنزلة الرمية ولم يحل أكلها كما أن المجوسي لو ذبح ثُمَّ قطع المسلم رأس الذبيحة لم يحل أكلها، وكما أن مسلماً لو ذبح ثُمَّ قطع المجوسي رأسها حل أكلها؟(140/20)
قيل له: الفرق بينهما أن المسلم في المسألة الأولى لم يذبح وإنَّما الذابح المجوسي، وفي المسألة الثانية لم يذبح المجوسي والذابح هو المسلم، وفي المسألة الَّتِي اختلفنا فيها فقد وقع الذبح ممن يصح ذبحه وهو بعد حي، فيجب أن يجوز أكله، وذهب محمد بن منصور إلى انه إن كان ممن يعيش مدة كاليوم ونحوه جاز ذبحه، وهذا لا معنى له؛ لأن الاعتبار إن كان أبو جود الحيوة فهو ما ذهبنا إليه، ولا وجه لتحديد البقاء بمدة دون مدة، وإن كان الاعتبار بما قاله أبو يوسف من أنَّه إذا علم أنها تموت في تلك الحالة لا محالة فلا وجه للاعتبار باليوم ونحوه.
مسألة
قال: ولو أن رجلاً أراد أن ينحر جزوراً أو غيره من الأنعام فند ولم يقدر على أخذه فرماه بسهم أو بسيف طعنه فأدماه وعقره حتَّى قتله وكان سمى حين فعل ذلك فلا بأس بأكله، وإن فعل ذلك تمرداً من غير حاجة إليه لم يؤكل لحمه، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال مالك: لا يجوز إلاَّ في المنحر والأصل فيه حديث رافع بن خريج أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قسم مغنماً بذي الحليفة فند بعير فتبعه رجل من المسلمين فضربه بسيف أو طعنه برمح فقتله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش فما ند منها فاصنعوا به هكذا>، ولاستدلال به من وجهين:
أحدهما: أنَّه أخبر أنهم قتلوه بسيف أو رمح ولم يذكر المنحر فأباح أكله.(140/21)