قيل له: هذا الخبر هو حجتنا لأن القوم لولا أنهم علموا أن التسمية شرط في الذبيحة لم يسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك وإنَّما أباح لهم على حمل أمور المسلمين على الصحة وعلى ما يجوز لهذا نقول نحن بجواز أكل ذبيحة المسلم ما لم يعلم أنَّه ترك التسمية عامداً، وهذه مسألة طريقها الآية والأثر والقياس فيها يضعف، وقيل أن الذبح مقيس على الصلاة بعلة انه ذو أفعال متغايرة يختلف فيها حكم أهل الأديان، فيجب أن يكون الذكر شرطاً في صحته، قالوا: ولا يلزم عليه الصوم؛ لأنَّه ليس بذي أفعال متغايرة، وقيل: أنَّه يقاس على ذبيحة من أهلّ لغير الله، والمعنى أنَّه ترك التسمية عامداً فأما الناسي فوكل ذبيحته عندنا وعند أبي حنيفة، وروي ذلك عن ابن عباس والحسن وعطاء وسعيد بن جبير، وروي عن ابن عمر والنخعي وابن سيرين أنها لا تؤكل ذكر جميع ذلك أبو بكر الجصاص، ووجهه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <تجاوز الله عن أمتي الخبر>، وروي: <رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه>، فدل ظاهره على سقوط لزوم حكم التسمية في حال النسيان، فوجب أن تصح الذبيحة من الناسي، وأيضاً الناسي في حكم العاجز، فوجب أن تكون ذبيحته جائزة من غير تسمية، دليله الأخرس، وأيضاً قد زال عنه التكليف، فإذا ذبح أدّى ما كلف ن الذبح، فوجب أن يجزيه وليس يلزم عليه الصلاة إذا تكلم فيها ناسياً؛ لأن القضى فرض ثان، على أنَّه إن لم يكن اليوم به قاتل، فهو إجماع.
مسألة(140/12)
قال: ولا يجوز الذبح بالشطاط والظفر والعظم، وذلك لما روى رافع بن خدع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: <ما أنهر الدم وذكرتم عليه اسم الله فكلوا ما لم يكن بسن أو ظفر وسأحدثكم بذلك، أما السن فعظم وأما الظفر فشبه العظم، وأما الشطاط فمدى الحبشة>، فمنع من الذبح بها وبين أنَّه منع من الذبح بالسن؛ لأنَّه عظم فلم يجز الذبح بشيء من العظام، وفي حديث زيد بن علي، عن أ[يه، عن جده، عن علي عليهم السلام: (أن راعياً سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إني أرعى غنم أهلي، ويعرض لأحدها عارض فأخاف أن تفوتني بنفسها ولا مدية معي أفأذبح بسني؟ قال: <لا>، قال؛: فبظفري؟ قال: <لا>، فبعضم؟ قال: <لا>، قال: <لا يمنع الذبح بهذه الأشياء>،).
فإن قيل: قد روي عن عدي ابن حاتم أنَّه قال: يا رسول الله أرأيت إن صاد أحدنا صيداً وليس معه سكين أيذبح بالمروة وشقة العصا؟ قال: <أجر الدم بما شئت، واذكر اسم الله عليه>.
قيل له: تقتد برواية أنَّه قال أجر الدم بما شئت إلاَّ الظفر والعظم وكذا وكذا على أنهم قد استثنوا السن والظفر القائمين فنحن نستثني سائر ما ذكرناه.
فإن قيل: روي أن رجلاً كان يرعى لقحة في شعب من شعاب أحد فأخذها الموت فلم يجد شيئاً ينحرها فأخذ وتداً فوجئ به في لبتها حتَّى أمرق دمها، ثُمَّ جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره بذلك، فأمره بأكلها؟
قيل له: يحتمل أن يكون الوتد كان من حديد، وكان له حد حاد كحد السكين إذ ليس في الخبر صفته الوتد على أن أصحاب أبي حنيفة لا بد لهم من هذا التأويل؛ لن عندهم لابد من قطع الودجين والحلقوم والمريء، وإن روي عن أبي حنيفة أنَّه يجري قطع ثلاثة نها، وذلك لا يتأتى بوتد مستدير الرأس من خشب.
فإن قيل: ما ذكرتم صفة الحرية فما فائدة السؤال؟(140/13)
قيل له: لا يمتنع أن يكون سائلاً سأل؛ لأنَّه نحر في حال خشي معها الموت ويؤكد ما ذهبنا إليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: <إذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وإذا قتلتم فأحسنوا القتل>، وأبو حنيفة يوافقنا في السن والعظم إذا كانا قائمين أنَّه لا يجوز بهما، وإنَّما يخالف إذا كانا منزوعين، وعندنا لا يجوز الذبح بهما على جميع الأحوال، وبه قال الشافعي، وذلك أن النَّهي عن الذبح بهما قدد مطلقاً وتنبيهه صلى الله عليه وآله وسلم على العلة في الن بأنه عظم، يدل على أن ذلك لا يجوز لا في حال قيامه ولا في حال نزعه، و أيضاً الذبح بهذه الأشياء لا يفرى فرياً تاماً وإنَّما يخرش ويقطع ويهشم فيصير المذبوح منخفقاً، وكذلك حكي عن ابن عباس أنَّه قال في الذبح بالظفر، أنَّه الخنق.
مسألة(140/14)
قال: ولا بأس أن يذبح بالمروة والحجر الحاد إذا فرى الأوداج وأنهر الدم، قال في الأحكام والمنتخب جميعاً: لا بأس بالذبح بالمروة والحر الحاد جيمعاً إذا فرى الأوداج وأنهر الدم، وأبان العروق كما تفعل المدية، فكان فيه تنبيه على أن ما فعل المدية يجوز الذبح به، وذلك لما في حديث زيد بن علي عليه السلام أن الراعي لما سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الذبح بالسن والظفر والعود فنهاه فقال: فبم يا رسول الله؟ قال: <بالمروة والحجر إذا كانا حادين يفريان فري السكين>، وفي حديث عدي بن حاتم أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال: <أنهر الدم بما شئت فكل ذلك يوجب أن كل ما عمل المدية وفري يجوز الذبح به على ما استثناه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <إذا فرى الأوداج وأبان العروق>، يدل على أن من مذهبه يجب أن يقطع أربعة عروق، الودجان والحلقوم والمريء، فكأنه عبر؛ لأن الأوداج يجوز أن يكون عبر به عن الودجين، وذكر بعد ذلك العروق، ولا خلاف أن بعد الودجين لا يجب قطع شيء ن العروق غير الحلقوم والمريء فكأنه عبر عن هذين العرقين، أعني الحلقوم والمريء بالعروق على أنه يعبر عن جميع هذه الأربعة بالأوداج، فيكون ذكره المعروق تخصيصاً بالذكر لبعض ما شمله الأول فيتحصل من ذلك ما قلناه من أنَّه يجب قطع هذه الأربعة، وحكي عن ك والليث: يحتاج أن يقطع الأوداج والحلقوم وإن ترك شيئاً منها لم يجز، وقال الشافعي: يجزئ قطع الحلقوم، والمريء، والأولى أن يقطع معهما الودجان، وأختلفت الرواية عن أبي حنيفة، فروى أن قطع ثلاثة منها وبقي واحد جاز، وروي: لا بد من قطع الأربعة ولكن إن بقي من كل واحد منها أقل من النصف أجزئ، وعن أبي يوسف، لا بد من قطع المريء ع اثنين آخرين من الدم وفريت الأوداج فكل، والأوداج عبارة عن هذه الأربعة العروق، ولا خلاف أن الذبح هو الذي لا يبقى بعده المذبوح إلاَّ المدة اليسيرة الَّتِي يكون(140/15)
بها اضطراب المذبوح ولا يتم ذلك إلاَّ بقطع هذه الأربعة فلذلك وجب قطعها، فأما إن بقي اليسير من بعض هذه العروق أو من كلها فيجب أن لا يكون بذلك معتبر؛ لأنا نعلم أن الذبح يتم، والغرض يحصل مع ذلك، ويجب على مذهبه، أن يكون الذبح في أسفل الحلق وأوسطه وأعلاه جائز لتنصيصه على قطع الأوداج والعروق، وهي أجمع ممتدة من أعلى الحلق إلى أسفله، قال: ولا ينبغي أن يذبح به إلاَّ أن لا يجد حديداً وذلك أن الحديد أوحى، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم إذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، ونهى عن التعذيب، والذبح بالحديد أبعد من التعذيب.
مسألة
قال: ولا يجوز أن يؤكل الجنين إلاَّ أن يلحق دقاته بعد إخلاه من بطن أمه حياً وهو رأي عامة أهل البيت، وبه قال أبو حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي: يؤكل وإن وجد ميتاً، وقال مالك: إن كان أشعر وإلاَّ لم يؤكل، والأصل فيما ذهبنا إليه قول الله عز وجل: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ}، وليس لأحد أن يمنع من إجراء الاسم عليه؛ لأنَّه لا يمتنع أحد أن يقول: وجد جنين حي أو جنين ميت في بطن أمه؛ ولأنه كالأم يصح أن يكون حياً ومذبوحاً وميتاً من غير ذبح، فصح انطلاق الاسم عليه وإذا انطلق حرم بظاهر الآية.
فإن قيل: قال الله عز وجل: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيْمَةُ الأَنْعَامِ}، وروي عن ابن عباس أنها الجنين؟
قيل له: وروي عن الحسن أنها الشاة والبقر والإبل على أنا لا نختلف في إباحة الجنين، وإنَّما اختلفنا فيما لا نذكّ منه، وقوله عز وجل: {إِلاَّ مَا ذَكِّيْتُمْ}، يوجب تحريم ما لم نذك منه على أنَّه عز وجل قال: {إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ}، فحصل المستثنى منه مجملاً موقوفاً على البيان، ولا يصح الاحتجاج به.
فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: <ذكاة الجنين ذكاة أمه>.(140/16)