قيل له: لا نمنع ن ذلك؛ لأن الفائدة فيها بيان أنَّه يجوز لنا أن نطعمهم إذا شئنا ونأكل من طعامهم، وأنه لا يجب ترك مواكلتهم، ألا ترى أنَّه تعالى بين أن طعامنا أيضاً حل لهم، ولا فائدة فيه أكثر من أنَّه بين أنه يحل لنا طعامهم؛ لأنَّه لو أراد بيان الحكم لهم لم تكن فيه فائدة؛ لأنهم لا يقبلون شرعهم من كتابنا والالتباس في أن ذبائحنا تحل لهم فكانت الفائدة ما قلناه من أصحابنا من جملة الآية، على أن المارد بها الذين كانوا من أهل الكتاب ثُمَّ آمنوا، وهو لا يمتنع أن يطلق فيهم أنهم أهل الكتاب كما قال الله عز وجل: {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاءَ اللَّيْلِ}، فكانت الفائدة حثاً للمسلمين على موادتهم ومخاطبتهم ومواكلتهم إذا آمنوا ولا خلاف أن الوثني لا يجوز أكل ذبيحته، وكذلك عامة العلماء يذهبون إلى أنَّه لا يجوز أكل ذبيحة المجوس، وكذلك ذبيحة اليهود والنصارى، والعلة أنها ذبيحة كافر ويمكن أن يعلل بأنه لا يرث المسلم ولا يرثه المسلم مع كونه وارثاً وموروثاً على أن الذبائح لا خلاف أنَّه يراعى فيها حكم الأديان، فوجب أن لا يستوي فيها حال المسلم واليهودي والنصراني كالشهادات، ألا ترى أن شهادات اليهود وإن قبلت لم تقبل على المسلمين، وكذلك النكاح؛ لن عندنا لا تجوز مناكحتهم وعندهم يجوز لنا أن ننكح إليهم، ولا يجوز أن ننكحهم فلم تحصل المساواة فوج أن يكون ذلك حكم الذبائح فإذا لم تحصل المساواة فلا قول إلاَّ قول من يمتنع من أكل ذبائحهم.
فإن قيل: فحقن الدم قد استوفى فيه المسلم والذمي وإن كان يعتبر فيه الدين؟(140/7)
قيل له: ثُمَّ يستوفيا فيه؛ لأن الذمي محقون الدم على عوض يبذله وهي الجزية، وكذلك نقول في الدية أنَّه لا يراعى فيها مع حقن الدم الدين إذا لم يكن إلى مدة كذا، فلذلك ساوت دية المسلم دية الذمي، قال: ومن جازت مناكحته جاز أكل ذبيحته وإنَّما المراد به إذا جداز للمسلم مناكحته وهذا في الذمي وقد مضى الكلام فيه.
مسألة
قال: ومن سرق شاة فذبحها بغير إذن صاحبه لم يحل له أكلا فإن رضي صاحبها حل بعد ذلك أكلها، وهذا يدل على أن من مذهبه أن الغاصب لا يحل له الانتفاع بالمغصوب وإن ضنه بالغصب أو ملكه بالاستهلاك حتَّى يرضى صاحبه، والأصل فيه ا روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدمت إليه شاة ليأكلها فقال: <إنها لا تسيغني> قالوا: إنها شاة فلان أخذناها لنرضيه من ثنها فامتنع من أكلها، وقال: <أطعموها الأسرى>، وقوله: إن رضي صاحبها بعد ذلك حل له أكلها، دليل على جواز أكل ذبيحة الفاسق خلافاً لما يذهب إليه جهال أصحابنا.
مسألة
{بِسْمِ اللهِ}
قال: ومن ذبح إلى غير القبلة جاهلاً أكلت ذبيحته ومن ذبح إلى غيرها متعمداً للامحراف عنها لم تؤكل ذبيحته، هذا محمول على أنَّه يكون تعمده ن أحد وجهين:
إما أن يعتقد في غير قبلة المسلمين أنَّه قبلة مع علمه أنَّه غيره قبلة المسلمين فتوجه إليها وذبح فلا تؤكل ذبيحته؛ لأنَّ ذلك يوجب الكفر.
وذبيحة الكافر أو متعمد للانحراف عنها استخفافاً بها أو بما عظم الله من أمرها، وهذا أيضاً يوجب الكفر، فأما إن تعمد لغرض غير هذين الوجهين فإنه لا يكون كفر فلا يمتنع من أكل ذبيحته.
مسألة(140/8)
قال: وكذلك إن نسي التسمية على الذبيحة جاز أكلها فإن تركها متعمداً لم تؤكل، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ومالك، وقال الشافعي: تؤكل تركها عمداً أو نسياناً، والأصل فيه قول الله تعالى: {إِلاَّ مَا ذَكِّيْتُمْ}، والتذكية اسم شرعي فأثبت أنَّه ذكاه حصلت به الإباحة ولم يثبت ذلك إلاَّ فيما أجمعوا فيها، و هو أن يسمي عليها وما عداه لا يعلم أنَّه ذكاه، فلا تستباح به، ويبقى المذبوح على الحظر ولا يمكن الاحتجاج بقوله صلى الله عليه وآله وسلم الذكاة في الصدر واللبة؛ لأن ذلك يدل على موضع الذكاة دون صفة الذكاة ومايتها، وكلامنا في مائية الذكاة، وأيضاً قد ثبت وجوب الذكر لقوله تعالى: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا}، صواف وقوله: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ}، وإذا ثبت الوجوب بظاهر الآية فلم يقل أحد بوجوبها، إلاَّ قال من تركها متعمداً لم تؤكل ذبيحته، وإنها شرط في صحتها للذاكر، ويدل على أن هذا شرط في الذكاة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ثعلبة: <إذا أرسلت كلبك وقد ذكرت اسم الله عليه فكل>، وكذلك في حديث عدي بن حاتم إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل مما أمسك عليك، فأباح ذلك بشرط التسمية، وفي حديث زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أنَّه قال: (ذبيحة المسلمين حلال إذا ذكر اسم الله عليها)، قال: (له في صيد الكلب إذا سميت فكل وإلاَّ فلا تأكل)، قال: قلت فأرسل كلبي وأجد عليه كلباً آخر قال: (لا تأكل إنك أنَّما سميت على كلبك)، فبين صلى الله عليه وآله وسلم إباحة ذلك بشرط التسمية، وفي اللفظ الأول نهى عن الأكل إذا ترك التسمية.
فإن قيل: قد قال الله عز وجل: {إِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا}، وقال: {إِلاَّ مَا ذَكِّيْتُمْ}، ولم يشترط التسمية؟(140/9)
قيل له: مذهبنا ومذهبكم بنا العام على الخاص وقوله {فَاصْطَادُوا} عام، وقوله: {إِلاَّ مَا ذَكِّيْتُمْ} وما ذكرنا خاص على أنا قد بينا أن الذكاة اسم شرعي إنَّما تكون ذكاة بشرط التسمية، ويدل على ذلك قول الله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ}، وهذا عام في كل ما لم يذكر اسم الله عليه، فوجب تحريمه.
فإن قيل: حكم الآية مقصور على السبب الذي وردت فيه، وذلك أن المشركين كانوا يجادلون المسلمين فيقولون: تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله فأنزل الله هذه الآية.
قيل هل: عندنا أن نزول الآية على سبب لا يوجب قصرها عليه بل يدل عليه السبب وتكون هي عامة إذا كان اللفظ عاماً.
فإن قيل: فهذا يوجب تحريم ما نسي الذابح التسمية عليه.
قيل له: كذلك نقول إلا أنه مخصوص بالدلالة.
فإن قيل: قوله: وأنه لفسق، يدل على أن المراد به ذبيحة المشرك لاتفاق الجميع على من استباح أكله مع ترك التسمية عامداً لا يلحق اسم الفسق؟
قيل له: قد يلحقه إذا اعتقد تحريمه ثُمَّ أكله وإنَّما لا يلحقه اسم الفسق إذ حكمه إذا كان متأولاً مجتهداً فأداه اجتهاده إلى جواز أأكله فيكون الفسق خاصاً بالدلالة وإن كان عاماً في اللفظ وقد يجوز أيضاً أن نقول: لا يحكم عليه بالفسق، وإن أكله محرماً عليه، بأن يخصه إذ لا يمتنع إخراجكم على عموم لفظ أن عطق عليه بخاص فيكون التحريم عاماً، والفسق خاصاً في المشركين، كقوله عز وجل: {وَوَصِّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً}، فهو عام في المسلم وغيره ثُمَّ عطف عليه ما هو أخص منه في المشرك، فقال: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِيْ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا}.
فإن قيل: الذكر قد يكون بالقلب كما يكون بالنسيان؟(140/10)
قيل له: إن أردت بالذكر التذكر بالقلب فكم يقل أحد أنَّه يلزم عند الذبح الذكر بالقلب على وجه تجدده وإن أردت الاعتقاد الخالص فذلك لا يسمى ذكراً على أنه واجب ذكراً يختص حال الذبح والإرسال للجارحة والاعتقاد لا يختص تلك الحال فبطل هذا التأويل.
فإن قيل: لو كانت التسمية شرطاً في جواز الذبيحة لاستوى فيها العامد والناسي؟
قيل له: ليس يمتنع اختلاف حكم العمد والسهو في كثير من المواضع؛ لن عندنا أن التسمية شرط في صحة الوضوء ويختلف فيها حكم العامد والناسي وترك الكلام شرط في صحة الصلاة ويختلف فيه حكم العامد والناسي عند الشافعي.
فإن قيل: روي عن عائشة أنَّه قيل يا رسول الله: إن قوماً عهدهم بالجاهلية حديث يأتوننا بل لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لم يذكروا فنأكل منها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <كلوا وسموا>، فأباح أكله وإن لم يعلموا وجود التسمية عند الذبح.(140/11)