قال: ولو أن إنساناً رمى صيداً في الجبل فتردى منه فمات فلا يستحب له أكله، قال في الأحكام: إذا رمى الصيد في الجبل فتردى منه ومات فلا أرى أكله، فكان في معنى قوله لا يستحب أكله فإن وقع على أنَّه لا يجوز أكله لا على معنى أنَّه يجوز، والعدول عنه أفضل وذلك إذا رمي بسهم فوقع على الجبل أو على شيء مرتفع من سطح أو تل ثُمَّ تردى بعد ذلكن فإنه لا يجوز أكله، فإن وقع على الجبل أو غيره وثبت عليه إلى أن مات جاز أكله؛ لأن ذلك لا بد منه؛ ولأنه سبب أوجبه الرمي، وليس كذلك إذا تردى بعد ذلك؛ لأن التردي يكون بأمر سوى الرمي، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي، والأصل فيه قوله عز وجل: {وَالْمُتَرَدِّيَةِ}، وهذا مترد، فوجب أن لا يحل أكله، وأيضاً جائز أن يموت من التردي وجائزان يموت من الرمي وما قتله الرمي أكله مباح وما قتله التردي فأكله محظور، فلما اجتمع فيه وجه الحظر والإباحة وجبان يغلب الحظر كما قلنا فيما اشترك فيه الكلب المعلم وغير المعلم، قال: وكذلك إذا وقع في الماء عبد الرمي لم يستحب أكله، وهذا أيضاً معناه لا يجوز نص في المنتخب على أنَّه لا يحل أكله، وهذا إذا مات في الماء روي عن عدي بن حاتم، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <إذا وقعت رميتك في الماء فلا يأكل>، ووجهه ما تقدم فلا غرض في إعداته، قال القاسم عليه السلام: إذا وقع في الماء بعد الذبح وفري الأوداج جاز أكله، وذلك انه إذا ذبح وفرى الأوداج فقد قتله ولم يبق فيه إلاَّ الاضطراب، ومعلوم أن المذبوح لا يسلم ن ذلك بل يموت لا محالة، وليس كذلك الغرق؛ لأن الغريق قد يسلم من الغرق فلما اجتمع له الغرق والذبح كان الحكم للذبح؛ لأنَّه قاتل لا محالة، ولم يكن للغرق معه حكم يجوز أن يسلم منه، ألا ترى أن من ذبح رجلاً إلى القفا ثم، جاء آخر فطعنه، فإن القاتل هو الذابح دون الطاعن؛ لأن الذابح قد عمل ما لا بد أن يموت منه والطعن قد يسلم منه، فكذلك مسألتنا.
مسألة(140/2)
قال: ولو أنَّه رمى صيداً بسهم فأثبته به وأرسل عليه كلباً فعض عليه ثُمَّ غاب عنه ساعة أو ساعتين ثُمَّ وجه ميتاً قد أصاب نه سهمه أو كلبه مقتلاً يموت منه، ولم ير فيه غير أثر السهم أو الكب فلا بأس بأكله وذلك أنَّه إذا وجد فيه أثر سهمه أو كلبه ولم يجد غير ذلك ووجده قد مات فقد وجب السبب الموجب لقتله المبيح لأجله فيجب أن يكون الأمر محمولاً عليه، ويجوز أن يكون عرض له سواه لا يؤثر فيه فكما أنَّه وإن لم يغيب عنه جانان يكون عرض له في الحال مرض قتله، وذلك الطائر إذا سقط على الأرض والوعل من الرمي جاز أن يكون سقوطهما على الأرض أعان على قتلهما لكن لما لم يكن لذلك حكم بل كان الحكم للسبب الظاهر، فكذلك مسألتنا، ويمكن تحرير القياس فيه بأن يقال: أن الظاهر من أمره أنَّه قتله سهمه أو كلبه، فيجب أن يجوز أكله، دليله لو لم يغب عن بصره.
فإن قيل: أليس قد روى زيد بن علين عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين سأله الراعي قال: <ما أضميت فكل وما أنميت فلا تأكل>.
قيل له: قد فسر زيد بن علي معنى الإَماء ما كان بعينك، والإنماء ما غاب عنك، فلعلك غير سهمك أعان على قتله فكان المراد به أن من رأى سهمه يرشق الصيد أو كلبه يحرجه فله أن يأكله، وإن غاب عنه حال سهمه فلا يدري هل رشقه أم لم يرشقه، وكذلك حال كلبه فلم يدر أعض عليه أم لم يعض أمعض غيره، فلا يجوز أكله.
مسألة(140/3)
قال: ولا يكره الصيد بالليل وإنَّما يكره أن يصطاد الطائر ن وكره، ويؤخذ من مأمنه، وذلك لقوله عز وجل: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا}، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <إذا أرسلت كلبك وسميت فكل ما قتل>، وكذلك قوله: <ما أصميت فكل>، وقوله حين سأله عدي بن حاتم عن الرمي، فقال: <ما خرق فكل فلم يستثن في شيء من ذلك ليلاً من نهار>، فوجب أن يكون الليل والنهار في ذلك سواء، ووجه كراهة اصطياد الطائر ن وكره حديث ذكره يحيى عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: <الطير آمنة في وكورها بأمان الله فإن فعل حل له الصيد، وإن كان مسيئاً في فعله>.
باب القول في الذَّبائح(140/4)
لا بأس بأكل ذبيحة المرأة المسلمة إن عرفت الذبح، وفرت الأوداج، وكذلك الصبي لا بأس بأكل ذبيحته إذا عرف الذبح وفرى الأوداج، أما المرأة فلا خلاف في ذبيحتها، وقوله عز وجل: {إِلاَّ مَا ذَكِّيْتُمْ}، فعم الرجال والنساء، وأما الصبي فقد شرط القاسم فيه أن يكون مسلماً، وهو لا يكون مسلماً بعقده وقوله، وإنَّما يكون مسلماً حكماً بإسلام أبويه أو أحدهما؛ لأنَّه لا تكليف عليه في نفسه، فعلى هذا لو كان أحد أبويه مسلماً والآخر ذمياً أو وثنياً جاز أكل ذبيحته لا يكون مسلماً بأحد أبويه فإن كان أبواه كافرين لم يحل أكله ذبيحته؛ لأن الإسلام لم يحصل له لا حقيقة ولا حكماً، وحكي عن مالك أنَّه اعتبر الأب على أي دين كان في الذبيحة وذلك لا يصح لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: <إن المولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه>، فأثبت له حكم الكفر بالأبوين جميعاً فإذا كان أحدهما مسلماً أيهما كان فيجب أن تكون مسلماً، ولا بأس بذبيحة الجنب والحائض، وهذا مما لا خلاف فيه؛ ولأن ذلك لا يخرجها عن الملة الَّتِي معها يصح الذبيحة، قال: ولا بأس بذبيحة الأخرس والعبد والآبق والأغلف وكل من لم يبلغ فسقه الكفر فلا بأس بذبيحته، أما الأخرس فأكثر ما فيه أنَّه لا يمكنه التسمية، وقد ثبت أن من نسيها على الذبيحة يجوز أكل ذبيحته، والأخرس أبين عذراً من الناسي، ألا ترى أن من نسي القارءة في الصلاة لم تجزئ صلاته، وصلاة الأخرس جائزة، فوجب جواز ذبيحته؛ لأنَّه تارك للتسمية للعذر كالناسي وأما العبد الآبق والأغلف الذي لم يترك الختان استباحة واستحلالاً فعصا معصية وغاية حال معصيته أن تكون فسقاً ولا تبلغ الكفر والفسق لا يخرج الفاسق من الملة، ولهذا يرث ويورث وتصح مناكحته فجاز أكل ذبيحته؛ لأنَّه من أهل الملة وممن يجري عليه أحكام الإسلام له وعليه، وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء وإن كانت قد ذهبت طائفة من أصحابنا أنَّه لا يجوز أكل ذبيحة الفاسق(140/5)
وهو غير محكي عن العلماء، ولا وجه له ولأن الفاسق إذا صحت صلاته وصيامه وحجه ونكاحه فذبيحته أجوز دليله البر التقي لما صحت صلاته وعبادته ونكاحه حلت ذبيحته وروي أن أمير المؤمنين عليه السلام سأله رجل فقال له يا أمير المؤمنين أرأيت قومنا أمشركون هم؟ يعني أهل القبلة، قال: (لا والله ما هم بمشركين ولو كانوا مشركين ما حلت لنا مناكحتهم ولا ذبائحهم ولا موارثتهم؛ ولكنهم كفروا بالأحكام وكفروا بالنعم والأعمال وكفرونا وكفروا النعم والأحكام غير كفر الشرك)، فدل ذلك على أكل ذبيحة من لم يبلغ معصية الشريك.
مسألة
قال: ولا يجوز أكل ذبيحة أحد من الكفار ذمياً كان أو غيره، والمشهور عن زيد بن علي، أنه كان يجيز ذبيحة اليهودي والنصراني، وهو المروي عن جعفر، وبه قال سائر العلماء، واقل القاسم ويحيى والناصر عليهما السلام: لا تجوز ذبائحهم، وهو الأصح، والأصل فيه قول الله عز وجل: {يَا أَيَّهُا الَّذِيْنَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}، إلى قوله: {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ}، فعلق الإباحة بتذكية المسلمين فلم يجز أن يدخل فيه اليهود والنصارى.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِيْنَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ}.
قيل له: اسم الطعام إذا طلق لم تعرف به الذبائح، ألا ترى أن سوق القصابين لا يعرف بسوق الطعام فلا يجب أن تحمل الآية على ذبائحهم على أنَّه عز وجل أحل طعام أهل الكتاب، وهذا القبيل من الإضافة إذا أطلقت تفيد إضافة الملك، وهذا ليس هو موضع الخلاف؛ لأن المذبوح يكون ملكاً لهم وذبيحة لنا فيجوز أكله ويكون ملكاً لنا وذبيحة له، فلا يجوز أكله.
فإن قيل: هذا يمنع أن تكون الآية فائدة؟(140/6)