باب القول في صيد الماء
ذكاة الحيتان أخذها حية، فأما ما وجدها منها طافياً أو قذف به البحر ميتاً فلا خير فيه.
اعلم أن قوله ذكاة ليس يريد حقيقة التذكية لتنصيصه على جواز أكل الحيتان الَّتِي يصطادها الكفار ولو كان الآخذ ذكاه لم يحل أكل ما اصطاده وإنَّما المراد به السبب الذي إذا مات به جاز أكله وتحصيل مذهبه أنَّه يجوز أكله إذا فارق الماء ثُمَّ مات أو كان موته في الماء بسبب كان ممن اصطاده فأما الطافئ ففيه اختلاف، ذهب أصحاب أبي حنيفة إلى أنَّه لا يجوز أكله وهو قول أمير المؤمنين علي عليه السلام، وقال الشافعي: يجوز أكله، وروي جواز أكله عن أبي بكر، والأصل فيه حديث أبي الزبير عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <ما ألقى البحر أو جرر عنه فكله، فلا بأس به وما وجدته طافياً فلا تأكله>.
فإن قيل: روى الثوري وحماد بن سلمة موقوفاً عن جابر.(139/1)
قيل له: يجوز أن يكون جابر أفتاه مرة ورواه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخرى وليس في ذلك بيان، وأيضاً روى محمد بن منصور بإسناده عن زيد، عن آبائه، عن علي عليهم السلام، أنَّه كان يكره الطافئ على الماء وما نصف عنه، إلاَّ أن يجده يتحرك وما وجده في ساحل البحر إلاَّ أن يدركه متحركاً أو جزر عنه فكله؛ لأن المعنى ما ألقى البحر أو جدر عنه وهو حي فإن استدلوا بقوله عز وجل: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ}. يقال لهم: يحتمل أن يكون ما يصطاد من الحبر هو المراد والميت فيه لا يصطاد فهو أولى؛ لن حقيقة الصيد هو فعل الصائد على أن الخبر خاص وعليه يبنى العام عندنا وعند الشافعي فصار استدلالنا أولى وكل ما ذكروا من العمومات نحو قوله: أحلت لنا ميتتان، وقوله في البحر: <هو الطهور ماؤه والحل ميتته>، يخصه بخبرنا ويستدل بقوله عز وجل: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ}، وبأنه رأي أهل البيت عليهم السلام لا أعرف بينهم فيه خلافاً، ذلك عندنا حجة.
فإن قاسوه على ما ليس بطاف عورض قياسهم بقياسه على الدواجن في أنها لا حل متى لم يكن موتها لوجه مخصوص، والعلة أنها مما أبيح أكله للمحرم ولا يلزم عليه الجراد؛ لأنَّه لا يجوز أكله للمحرم على أن علتهم يدفعها النص والأصول شاهدة لنا؛ لأن الحيوان لا يحل أكلها إلاَّ أن يكون خروج الروح منها بأمر مخصوص.
فإن قيل: روي أن نفراً من الصحابة نزلوا بقرب البحر وأن البحر ألقى عليهم حوتاً فأكلوا منها أياماً ثُمَّ ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: <إن كان بقي معكم شيء فابعثوا به إلينا>.(139/2)
قيل له: يجوز أن يكون البحر ألقاه حياً ثُمَّ مات فذلك يجوز أكله إذ ليس في الخبر أن البحر ألقاه ميتاً، فأما ما ذهب إليه أبو حنيفة من أنَّه يعتبر فيه أن لا يكون قد مات حتف أنفه بأن يكون مات من حر الشمس الماء أو برده أو بأن تقتل الحيتان بعضها بعضاً فلا يصح؛ لأنَّها اسم الطافئ بجمع ذلك كله، وعموم قوله صلى الله عليه وآله وسلم: <ما وجدته طافئاً فلا تأكله>، يقتضي تحريمه؛ لأنَّه لم يخص طافئاًً من طاف، ويدل على ذلك قول علي عليه السلام إلاَّ أن يدركه متحركاً، يعني ما ألقاه البحر أو جدر عنه، وأيضاً هو مما مات في الماء بغير سبب كان ممن اصطاده، فوجب أن لا يجوز أكله، دليله الطافئ على أن ما جوِّر ما أكله، لا خلاف فيه وما عداه مختلف فيه.
مسألة
قال: ولو أن إنساناً حظر حظيرة في جانب من الماء فدخلها الحيتان وشد عليها صاحب الحظيرة فما طفئ منها فوق الماء فهو ميت لا خير فيه، وما بقي حتَّى ينضب عنه الماء ويبقى في الحظيرة على وجه الأرض فلا بأس بأكله ميتاً كان أو يحياًّ، وهذا إذا كان الماء قائماً فوق الحظيرة، ووجده فوق إملاء طافئاً لا يعلم أن موته كان سبب حصوله في الحظيرة فلذلك قلنا أنَّه لا يؤكل فأما ما يوجد في الحظيرة بعد ما ينضب عنه الماء فالظاهر أن الحظيرة كانت سبب قتله؛ لأنَّه إذا اضطرت فيها لم يمتنع أن يؤدي إلى قتله.
فإن قيل: ولا يمتنع أيضاً أن يكون مات في ذلك الماء حتف أنفه، فلم حملوه على أن الحظيرة كانت سبب قتله؟(139/3)
قيل له: لأنا قد علمنا أن ما ذكرناه يجوز أن يكون سبب قتله فحملنا موته على أن ما ذكرناه كان سببه، ألا ترى أنا إذا رمينا الطائر بسهم فأصبناه بحدة يجوز أن يكون الطائر مات من داء قبل لا لتلك الإصابة؛ لأن مثل تلك الإصابة تحصل فلا تقتل ومع هذا فإنا نجو أكله ونحمله على أنَّه مات بسبب تلك الجراحة، وكذلك الحكم في جرح الآدمي فيما يوجب القصاص والقود فحملنا أمر السمك إذا ماتفي الحظيرة على ذلك؛ ظنه أمر يجوز أن يكون سبب القتل على أن ما جوزناه أكله لا خلاف فيه فلا وجه لإطالة الكلام.
مسألة
قال: ولا بأس بأكل ما اصطاده (الكفار) من الحيتان إذا غسل من مس أيديهم مما لا أحفظ فيه خلافاً إلاَّ ما يحكى عن الناصر أنَّه كرهه، وذلك لا معنى له لقوله: <أحلت لكم ميتتان ودمان الحوت الجراد>، ولأنه إذا لم يختلفوا أن البحر إذا قذفه حياً ثُمَّ مات أنَّه يجوز أكله فقد ثبت أنَّه لاكاده له في الحقيقة وأن المجرح له من الماء حتَّى يموت لا يختلف في حاله أن يكون مسلماً أو ذمياً على أنا قد بينا أنَّه يحل بوقوع الموت على وجه مخصوص ولم يثبت أنَّه يجب أن يراعى فيه حال الصايد.(139/4)
باب القول فيما اصطيد بالرَّمي
لو أن إنساناً رمى صيداً بسهم فأصابه وغراسه فيه وأدماه وقتله بذلك جاز أكله، فإن لم يدمه السهم ومات من وقعه فلا يجوز أكله، فكذلك لا يجوز أكل ما قتل بالمعراض ولا ما قتل بالبندق، وبه قال أكثر العلماء، وحكي عن الأوزاعي في المعراض حرف أو لم يخرق أن ما قتل به جاز أكله، والأصل في ذلك حديث عدي بن حاتم قال: قلت يا رسول الله أنا نرزي بالمعراض، قال: < ما خرق فكله وما أصاب بعرض فلا تأكله فإنه وقيذ>، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الحذف، وقال: <لا تمكن في العدو ولا تصيد الصيد>، فبين أنَّه لا يحل الاصطياد بها، والعلة أنها لا حد لها وإنَّما تقتل بنقلها، وأيضاً الموقوذة ما يقتل بالعصا ونحوه وكل ما قتل مما لا حد له يجرح ويدمى فهو كالقتل بالعصا، والمعنى أنَّه قتل بثقله، فوجب أن يكون موقوذاً وكذلك لو أدماه ولم يخرقه، فيجب أن لا يجوز أكله؛ لأنَّه اشترط أنَّه يكون غرسه فيه، وذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: <ما خرق فكل>، ولأن الضرب بالعاء قد يدمي الموقوذة ولا يحل أكلها، والذي يجيء على هذا أن ما قلته الكلب بالصدم أو بأن يقع عليه فيقتله بثقله ويمنعه التنفس، فيجب أن لا يجوز أكله، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي له فيه قولان كما قيل عنه، وذلك أن جميع ذلك يكون من الموقوذة، وقد قال الله تعالى: {وَمَا عَلِمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ}، وقيل أن الجوارح مأخوذ من الجرح فلا يحل أكل فريسته ما لم يجرح، وكذلك ما قتل الكلب يجب أن لا يؤكل ما لم يجرحه الكلب، قال: وكل ما قتله بحديد تعمل عمل السهم من الإدماء جاز أكله والمارد به أن كل شيء لا يجرح ولا يدمي فلا يجوز أكله، وما جرح وأجرى الدم يجوز أكله على ما بيناه.
مسألة(140/1)