قال: وما اصطاده البازي والصقر والشاهدين وسائر الجوارح من الطير ووجد صاحبه حياً انتفع به وما قتلته هذه الجوارح لم يحل أكله، وبه قال جعفر والقاسم والناصر عليهم السلام، والرواية عن زيد بن علي عليهما السلام مختلفة، وذهب أكثر الفقهاء إلى جواز أكلهن وروي نحو قولنا عن طاووس، ووجه المسألة ما ذكره القاسم ويحيى عليهما السلام من أنها لا تجري مجرى الكلب في الائتمار والإقبال والإدبار عند الأغراء والأسلاء، وتحصيل القياس فيه ما نذكره من بعد، ويدل على ذلك قول الله عز وجل: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِيْنَ}، فأباح صيد الجوارح بشرط التكليب، والتكليب تعليم مخصوص للكلب، وذلك لا يتأتى في جوارح الطير وإذا كان ذلك كذلك، وأبيح لنا الصيد بشرط أن تكون الجوارح الَّتِي تقتله مكلبة، وجوارح الطير ولا يتأتى في التكليب، وثبت أنَّه لا يجوز أكل ما قتلته، ويدل على ذلك قوله تعالى بعد تعديد ما حرم علينا: {إِلاَّ مَا ذَكِّيْتُمْ وَمَا قَتَلَتْهُ الطِّيْرُ}، ومما لم نذكه، فوجب أن تكون حراماً.
فإن قيل: في حديث سعيد بن المسيب حين سئل عن الصيد، يدرك وقد أكل الكلب منه أو البازي نصفه؟ فقال: سألت سلمان الفارسي، فقال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، فقال: <كله وإن لم تدرك تترك إلاَّ نصفه>.(138/6)
قيل له: ليس في لفظ سعيد ولا في لفظ سلمان ذكر البازي، وإنَّما هو في لفظ السائل، وإنَّما كان غرض السائل أن يتعرف هل يجوز أكل الصيد الذي أكلت منه الجوارح، فيحتمل أن يكون الجواب خرج على الكلب، يبين ذلك أن سائر الأخبار ليس فيها ذكر البازي، فإذا احتمل ذلك كان ما اقتضته الآية من تحريم ذلك على ما بيناه أولى على أن محمد بن منصور روى عن الشعبي، عن عدي بن حاتم، قال: قلت يا رسول الله: أنا قوم نصيد بهذه الكلاب والبراءة فما يحل لنا منها؟ قال: <يحل لكم ما علمتم من الجوارح مكلبين تعلموهن مما علمكم الله، فكلوا مما أمسكن عليه واذكروا اسم الله عليه>، فنبه بظاهر قوله: إن التحليل بشرط أن تكون الجارحة مما علمناه مكلبين، فوجب أن لا يدخل فيه البازي والصقر كما لا يدخل فيه كلب الضرع والزرع، إذا لم نعلمهما مكلبين، ويدل على ذلك انه لا خلاف في أن ما قتله الكلب الذي ليس بمعلم ذلك التعليم المخصوص لا يجوز أكل صيده ككلب الضارع والزرع، فوج أن يكون البازي والصقر كذلك بعلة أن كل واحد منهما لا يأتمر لصاحبه في باب الصيد في حال جوعه وشبعه عند الأغراء والأسلاء، يكشف ذلك أن البازي والصقر وسائر جوارح الطير لا يرجع شيء منها إلى صاحبه في حال الشبع، وكذلك لا يطلب الصيد في حال الشبع وأكثر ما فيه أنَّه ألف صاحبه فيأتيه إذا جاع ويطلب الصيد إذا جاع فهو أسوأ حالاً من كلب الضرع والزرع، على أن صاحبه لا يرسله وإنَّما يخلي عنه إذا رأى عنه انبعاثاً لطلب الصيد، ويبين ذلك أنَّه لا يرسل على صيد مخصوص وإنَّما يطلب ما يريده، فهو يصيد لنفسه ويمسك على نفسه، فكل ذلك يوجب أنَّه لا يجوز أكل فريسته، ويمكن أن يقاس البازي الذي ألف صاحبه بتلك العلة على البازي الذي لم يألف صاحبه وإن سيئت جعلت العلة أنها من جوارح الطير، قال: والفهد إن كان في ائتماره وإقباله وإدباره في حال رجوعه وشبعه مثل الكلب المعلم كان حكم صيده حكم صيد الكلب، وإن كانت حاله(138/7)
مخالفة لحال الكلب في ذلك لم يحل أكل ما قتله والصحيح انه يأتمر ائتمار الكلب، وبه قال عامة العلماء، ووجهه انه مقيس على الكلب المعلم بالعلة الَّتِي ذكرناها، وحكيناها عن القاسم ويحيى، وذلك أن التعليل يدل على أن حكم سائر السباع في العبيد عندهما، هذا الحكم فما كان منها يأتمر إئتمار الكلب فأكل صيده جائز وإن قتله، وأكل منه كما يجوز أكل صيد الكلب المعلم لاستوائهما في التكليب وإن ما لا يأتمر ذلك الإئتمار لا يجوز أكل فريسته؛ لأنَّه يجري مجرى الكلب الذي ليس بمعلم، وأنه لا معتبر عندهما بجنس السباع، وهو الصَّحيح الذي يقتضيه القياس على ما بيناه.
مسألة(138/8)
قال القاسم عليه السلام: ومن أخذ الصيد من كلبه وبه رمق فليدكه، فإن لم يذكه بعد ذلك لم يأكله ولم يفصل بين أن يكون قدر على ذبحه بعد أخذه أو لم يقدر، فكان الظاهر من قوله إذا أخذه ولم يذبحه فإنه لا يحل أكله قدر على ذبحه أو لم يقدر، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وقال مالك والشافعي: أنَّه إن قدر على ذبحه فلم يذبحه حتَّى مات لم يؤكل، فإن لم يقدر على ذبحه حتَّى مات أكل، والدليل على ذلك قول الله عز وجل: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ}، إلى قوله: {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ}، فحظر أكل جميع ما ذكر إلاَّ بعد أن يذكيه، وأيضاً إذا أخذ الصيد وتمكن منه وهو حي فقد صار حكمه حكم الدواجن، فوجب أن لا يجوز أكله إلاَّ بعد تذكيته كما لا يجوز أكل الداجن إلاَّ بعد تذكيته قياساً عليها، والمعنى التمكن منه تكشف ذلك أن الصيد لم يحل أكل ما قتل الكلب منه بحبسه بل لامتناع بعد التمكن منه فقد زالت العلة المبيحة لأكله بقتل الكلب له ويبين ذلك أيضاً أن الإبل والبقر إذا بدت وتعذر أخذها وتذكيتها في مذبحها أو منحرها جرى مجرى الصيد في جواز أكلها بأن تقتلب سهم يرشق به أو بسيف يضرب به أو رمح يطعن به وإن لم يذبح أو ينحر، فبان أن وجوب الذبح يتعلق بما ذكرنا من التمكن فمتى حصل التمكن من الصيد فلم يذبح لم يجز أكله وكان ميتة.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون التمكن المعتبر به هو التمكن من الذبح؟
قيل له: لو كان كذلك لوجب أن يكون الداجن إذا أرسل الكلب عليه فجرحه وأخذ وبه رمق فمات قبل أن يتمكن من ذبحه أنَّه يجوز أكله، فلما ثبت أنَّه لا يجوز أكله؛ لأنَّه متمكن منه وإن لم يتمكن من ذبحه في الحال، يبين ذلك في الصيد على أنَّه يلزم فيما مات حتف الله إذا أدركه صاحبه ولم يتمكن من ذبحه أن يجوز أكله، وأيضاً لو مات في يده من غير أن يكون الكلب جرحه لكان ميتة فكذلك إذا جرحه، والعلة أنَّه مات في يده من غير ذبح.(138/9)
فإن قيل: هو مقيس على الممتنع الذي مات في حال الامتناع؟
قيل له: قد بينا أن العلة المبيحة لأكل فريسة الكلب هي الامتناع، قال: يجوز أن يقاس على الممتنع ما ليس بممتنع كما أن علة تحريم النبيذ لما كان كونه منكراً لم يجز أن يقاس ما ليس بمستنكر على ما هو منكر في التحريم، على أنهم لا يخالفون أنَّه إذا أخذه وقدر على ذبحه فلم يذبحه حتَّى مات لم يؤكل، فكذلك إذا لم يقدر على ذبحه بعلة أن الامتناع المبيح لأكله قد زال.(138/10)