كتاب صيد الجوارح
باب القول في صيد الجوارح
إذا أرسل المسلم الكلب المعلم على الصيد وسمى حين أرسله، فأخذ الكلب الصيد فقتله قبل أن يلحق صاحبه، جاز أكله، وهذه الجملة لا خلاف فيها، وإنَّما يقع الخلاف إذا تغيرت حال بعض هذه الجملة وسنفصلها ونبينها في موضعها إن شاء الله تعالى، والأصل في ذلك قول الله عز وجل: {قُلْ أَحَلَّ لَكُمْ الطِّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِيْنَ}، إلى قوله: {وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ}، وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، أن رجالاً من طي سألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن صيد الكلاب والجوارح وما أحل لهم من ذلك وما حرم عليهم، فأنزل الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ..} الآية، وعن ثعلبة الحسني أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: <إذا أرسلت وقد ذكرت اسم الله عليه فكل>، قال: قلت وإن قتل؟ قال: <وإن قتل>، والأخبار في هذا كثيرة تنكر في مواضعها.
مسألة
قال: وكذلك يجوز أكله وإن وجده صاحبه، وقد أكل الكلب خصية وهو مروي عن أبي جعفر، وعن عدة من الصحابة على ما نبينه، وذهب عامة العلماء إلى أنَّه لا يجوز أكله، وهو للشافعي على قولين وحكي عن مالك مثل قولنا، والأصل فيه قول الله عز وجل: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ}، ولم يشترط ولم يستثن إلاَّ أن يكون أكل منها الكلب فاقتضى عموم الآية جواز أكله وإن أكل الكلب منه.
فإن قيل: إذا أكل الكلب منه لا يكون ممسكاً على صاحبه؟
قيل له: ومن أين قلتم ذلك بل يكون ممسكاً للباقي، ويكشف صحة ذلك أن البازي والصقر عند مخالفينا وإن أكلا من الصيد لم يخرجا من أن يكون ممسكين على صاحبه.
فإن قيل: فظاهر قوله تعالى في ذكر التحرير: {وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ}، فوجب تحريم ما أكل الكلب منه ما لم يذكه، وهذا نص مذهبنا؟
قيل له: عن هذا جوابان:(138/1)
أحدهما: أن ذلك لك مما ذكيناه حكماً بدلالة إنا نعتبر فليس ذلك ما نعتبر في الذبح من دين المرسل وتسميته أو تركها عمداً أو سهواً، وعلى هذا يصح منا أن نستدل بالآية ونجعلها دلالة لنا بأن نقول إن ذلك مما ذكيناه حكماً، فلا يجب أن يمتنع جواز أكله لأكل السبع منه.
والجواب الثاني: إنا وإن سلمنا لم نقل أن تقدير الآية: {وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكِّيْتُمْ أَوْ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ}، يعني الجوارح، فتكون الآيتان كالآية الواحدة، ويدل على ذلك حديث أبي ثعلبة الحثي أنَّه قال: يا رسول الله إن لي كلاباً مكلبة، فافتني في صيدها؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: <إن لك كلاب مكلبة، فك ما أمسكن عليك>، فقال يا رسول الله: ذكي وغير ذكي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <عليك وآله ذكي وغير ذكي>، فقال: يا رسول الله، وإن أكل منه؟ قال: <وإن أكل منه>، فبين أنَّه وإن أكل نه لا يخرج من أن يكون مكلباً وممسكاً على صاحبه، وروي عن علي عليه السلام: (كل ما أمسك الضارئ وأكل منه، وما قتل الكلب الذي ليس بضار، فلا يصح أكله)، ويدل على ذلك عموم قوله صلى الله عليه وآله وسلم: <إذا أرسلت كلبك وقد ذكرت اسم الله عليه، فكل ما أمسك عليك، وإن قتل إلاَّ أن يأكل الكلب، فلا يأكل فإني أخاف أن يكون إنَّما أمسك على نفسه>.
قيل له: يحتمل أن يكون المراد بهذا الخبر الكلب الذي لا يؤثق بتعليمه، ألا ترى أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال: <أخاف أن يكون إنَّما أمسكه على نفسه>، فلم يحرم بالتحريم، بل علق النَّهي على الظن الذي ذكره، ولا يمتنع نحن أن نقول ذلك في الكلب أول ما يصيد إذا أكل من الصيد؛ لأنَّه لا يقع الثقة بأنه قد كان مكلباً.
فإن قيل: ففي بعض الأخبار النَّهي المطلق وليس فيه أني أخاف؟(138/2)
قيل له: لا يمتنع أن يكون بعض الرواة حذف هذه الزيادة تخفيفاً وتقديراً أنَّه لا يغير المعنى على أن هذه الزيادة وإن لم تكن في الخبر فلا يمتنع تأويل الخبر على ما قلناه.
فإن قيل: يرجح بالحظر؟
قيل له: له في خبرنا أيضاً الحظر؛ لأنَّه محظور عندنا إضاعة ما أكل منه الكلب المكلب فهما حظر أن تقابلا على أن ذلك كان يصح لو كانوا تأولوا خبرنا على وجه يصح، وأيضاً لا خلاف أن الكلب لو لم يأكل جاز أكله كذلك إذا أكل منه، والمعنى أنَّه فريسة الكلب المكلب المعلم، وهذا قياس قوي؛ لأن الأكل واقع بعد الفرس والفعل الآخر لا يغير حكم فعل متقدم، ولا شك أن قتله أولاً وقع مبيحاً أكله.
فإن قيل: لسنا نسلم أنَّه معلم؟
قيل له: أنَّه معلم بعلمه ضرورة فلا وجه لهذا القول، ويمكن أن نقيسه بهذه العلة على أكل منه غير الكلب القاتل له، وهذا القول مروي عن عدة من الصحابة منهم أمير المؤمنين عليه السلام، وسلمان، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر روى لنا بعض هذه الأخبار، أبو العباس الحسني، وروي أيضاً عن أبي جعفر محمد بن علي عليهم السلام.
مسألة
قال: وإذا أرسل إليه كلباً غير معلم وأخذ الصيد فلحقه صاحبه قبل أن يقتله جاز أن ينتفع به، فإن لحه بعد ما قتله لم حل أكلهن وهذا مما لا خلاف فيه؛ إنَّما كان ذلك كذلك؛ لأنَّه إذا أخذ الصيد من الكلب الذي ليس بمعلم ثُمَّ ذكاه كان بمنزلة سائر الذبائح، ولا فضل في هذا بين المعلم وغير المعلم، ويشهد له قوله عز وجل: {وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ}، فأما إن لحقه بعد القتل لم يحل له أكله؛ لأن الله عز وجل إنَّما أباح فريسة الكلب بشرط التعليم.
مسألة(138/3)
قال: وإذا اشترك كلبان معلمان أو أكثر في الصيد جاز أكله، وإن أكلت الكلاب منه، هذا إذا كان قد أرسل كل واحد منهم؛ لأن قتله يكون بمعنى التذكية بالإرسال، ووجه ذلك عموم قوله عز وجل: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ}، فعم فكان الإشتراك فيه كالإنفراد؛ ولأن الواحد جائز أكل فريسته للإرسال والتعليم والتسمية وإذا شاركته الجماعة في هذه العلة ساوته في الحكم، فأما جواز أكله وإن أكلت الكلاب منه، فهو ما مضى فلا غرض في إعادته.
مسألة
قال: وإذا اشترك فيه المعلم وغير المعلم لم يجز أكله، ووجهه أنَّه لا خلاف في حظر فريسة ما ليس بمعلم وإباحة فريسة ما هو معلم، فلما اجتمعا اجتمع الحظر والإباحة، فوجب تغليظ الحظر على الإباحة.
فإن قيل: فأنتم قلتم في جواز أكل ما قتل الكلب المعلم وأكل منه أنَّه ليس للخصم أن يرجح بالحظ؛ لأن إضاعته عندنا محظورة، فكأنهما حظر أن تقابلا فما أنكرتم أن يكون هذا سبيل الحظر في هذه المسألة.
قيل له: نحن قلنا ذلك في تلك المسألة؛ لأن الخصم ادعى حظر غير صحيح عندنا فقابلناه بحظر هو غير صحيح عنده، وأما في هذه المسألة فالحظر الذي ذكرنا ثابت بالإجماع، فوجب صحة ما قلناه لقوة هذا الحظر على الحضر الذي ادّعوه.
مسألة(138/4)
قال: وإذا أرسل الذمي كلبه المعلم أو كلب المسلم فأخذ الصيد وقتله، لم يجز أكل ما قتل، فإن أرسل المسلم كلب الذمي فأخذ الصيد وقتله جاز أكله، هذه المسألة مبنية على أن تحريم ذبائح أهل الذمة إجماعاً، وسنبين الكلام في ذلك في باب الذبائح فإذا ثبت ذلك فوجه ما قلناه أن الكلب يجري مجرى الآلة الَّتِي هي السكين ونحوه والإرسال هو الجاري مجرى الذبح، ألا ترى أنَّه يراعى ما فيه ما يراعى في الذبائح من حال المرسل والتسمية، فإذا ثبت ذلك فكما أنَّه لا معتبر بحال السكين وكونه ملكاً لأي شيء كان ذلك المعتبر بحال الكلب في كونه ملكاً لأي مالك وإنَّما المعتبر بحال المرسل كما أن المعتبر بحال الذابح، فإذا ثبت ذلك فكما انه لا معتبر بحال السكين وكونه ملكاً لأي مالك كان ذلك المعتبر بحال الكلب في كونه ملكاً لأي مالك، وإنَّما المعتبر بحال المرسل كما أن المعتبر بحال الذابح، فإذا ثبت ذلك، فإذا أرسل الذمي كلبه أو كلب المسلم فيجب أن لا يجوز أكل فريسته، وإذا أرسل المسلم كلبه أو كلب الذمي، فيجب أن يجوز أكل فريسته على ما بيناه.
فإن قيل: إذا كان الكلب جارياً مجرى الآلة فلم تعتبرون حاله في كونه مكلباً؟
قيل له: كما يعتبر حال الآلة في الذبح، ألا ترى أنا لا نجوز الظفر ولا السن ولا الخشب الذي لا يعمل عمل الحديد، ويكره الذبح بالسكين الكال فصح اعتبار الآلة بما يخصها، وإنَّما لا يعتبر حال مالكها، فكذلك لا يعتبر حال مالك الكلب.
مسألة(138/5)