والحاكم ... عليه ديون الغرماء تنجيماً غير مجحف، وعلى الغرماء أن يمضوا إليه بقبض ما يجب عليه لهم، وهذا معناه إذ كان له كسب يفضل عن قوته فيوزع الفاضل بين الغرماء أو كان له دخل من أصل لا يجوز بيعه كالوقوف، وكان بيع الأصل يتعذر لعدم من يشتريه وذهب عامة العلماء إلى أن الحر لا يؤاجر وعليه دل قول يحيى عليه السلام، لأنَّه قال أكثر ما عليه يتجم الحاكم عليه ولم يذكر أنَّه يؤاجره وحكي عن مالك أنَّه يؤاجره، والأصل فيه قول الله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرةٍ فَنَظِرَةٍ إِلَى مَيْسَرَةٍ}، فجعل حكم المعر الأنظار ولم يكلفه اكتساب، وروي في الرجل الذي ابتاع الثمار فأصيب منها فكثر دينه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <تصدقوا عليه>، فتصدق عليه ولم يبلغ ذلك، فقال: <خذوا ما وجدتم ليس لكم إلاَّ ذلك>، وروي أيضاً أن غرماء معاذ التمسوا معاذ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ليسلمه إليهم، فقال بعد ما باع عليه ماله: <ليس لكم إلاَّ ذلك>، فدل على أن الحر لا سبيل عليه في نفسه، وقد بينا أيضاً أن المراد لا يجبر على النكاح فيحصل المهر للغرماء وإن الرجل لا يكره على الخلع ليأخذ المهر للغرماء(1)، وإن الرجل لا يكره على الخلع ليأخذ المهر للغرماء فكذلك ولي المقتول لا يجبر على الرضى بالديه، فكذلك سائر المنافع الحاصلة بالاستئجار لأنها أعواض منافع الحر.
فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنَّه باع سرفاً في دين له ولكم يثبت أنَّه باع رقبته فثبت أنَّه باع منافعه.
قيل له: في الخبر ما يدل على أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم، باع رقبته إلاَّ أن ذلك منسوخ بما ذكرناه من الآية، والأثر على أنَّه وإن ثبت أنَّه باع منافعه فقد ثبت هكذا معارضه.
فإن قيل: يكون غنياً بكسبه
__________
(1) ـ كذا على الأصل، ولا شك أنَّه مكرر فنظر. تمت(135/25)


قيل له: لا يصح عندنا ذلك، لأن المكتسب عندنا تحل له الصدقة، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لما قال لمعاذ: <خذ من أغنيائهم>، لكم يدخل فيه المكتسب الذي لا مال له.
مسألة
قال: ولا يجوز حبسه بعد بيان إعساره، وهذا قد مضى الكلام فيه، لنا قد بينا أن الحبس لا يكف إلاَّ للتهمة والمماطلة فإذا ابن إعساره فلم يحصل واحد منها فلا وجه لحبسه.(135/26)


باب القول في الوديعة
إذا استودع رجلٌ رجلاً وديعة فتلفت عنده لم يضمنها إلاَّ أن يكون تلفها بعدٍ من المستودع وهذا ممالا خلاف فيه إذا لم يختلفوا في الوديعة أمانة غير مضمونة يدل عليه قول الله تعالى: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي أُؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ}، ويدل على ذلك قول الله تعالى: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِيْنَ مِنْ سَبِيْلِ}، ومن حفظ مال أخيه بإذنه فقد أحسن، وقد روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: <من استودع وديعة فلا ضمان>، وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، قال: لا ضمان مستعير ولا مستودع، إلاَّ أن يخالف.
فإن قيل: فأنتم توجبون ضمان العارية، وروي عن جابر أن رجلاً استودع إذا اشترط ضمانها.
قيل له: الخبر وارد في العارية المطلقة وقد بينا الكلام فيه، في باب العارية، وروي عن جابر أن رجلاً استودع متاعه فذهب متاعه فلم يضمنه أبو بكر، وما روي أن عمر ضمن أنساً فيحمل أن يكون خالف وفي جملة المسألة وفاق فلا حاجة إلاَّ الإطالة فأما إذا كان تلفها بتعدٍ من المستودع فلا خلاف أنَّه يضمن، لأنَّه إذا تعدى فيها صار بمنزلة الغاصب لإمساكها على وجهٍ خالف به الأمر وليس الغصب أكثر من ذلك.
مسألة
قال: ومن التعدي أن يعيرها أو يرهنها أو يستودعها غيره بغير إذن صاحبها، وهذا أيضاً لا خلاف فيه، لأنَّه إذا أعارها أو رهنها أو استودعها غيره فقد خالف أمر صاحبها، لنه تصرف فيها تصرفاً لم يأمره به صاحبها فصارت بمنزلة الغاصب وخرجت يده أن يكون قائمة مقام يد صاحبها فوجب أن يصير ضامناً لها كالغاصب.
مسألة(136/1)


اختلف أصحاب أبي حنيفة والشافعي في من تعدى في وديعةٍ ثُمَّ ردها إلى موضعها ثُمَّ تلفت، قال أبو حنيفة: يسقط الضمان عنه بالرد لها إلى موضعها، وقال الشافعي: لا يسقط عنه الضمان، وظاهر قول يحيى عليه السلام يدل على أن الضمان لا يسقط، لأنَّه ألزم الضمان بالتعدي ولم يشترط سقوطها بإعادتها إلى حالها وهو الصَّحيح والله أعلم، لأنَّه بالتعدي يصير في حكم الغاصب والغاصب لا يبرأ من الضمان ما لم يرجع المغصوب إلى صاحبه فلذلك المتعدي في الوديعة يجب أن لا يسقط ضمانه حتى يرجع الوديعة إلى صاحبها.
مسألة
قال: فإذا استدعى المستودع أنها ضاعت فالقول قوله مع يمينه، وهنا مما لا خلاف فيه لأنَّه أمين ويده فيها يد المانة، ولا نضمن إلاَّ بالتعدي والتعدي لا يثبت إلاَّ بالبينة والقول قوله إذا أنكر التعدي، فكذلك كان القول قوله حين ادعى الضياع وهكذا يجب أن يكون القول قوله إذا ادعى أنَّه قدر ردها على صاحبها للوجه الذي بيناه وما ذكره في الفنون من أنَّه إذا ادعى الرد على صاحبها كانت البينة عليه يحتمل أن يكون المراد به إذا جحدها لم ادعى ردها، لأنَّه بالجحود يكون ضامناً ويصير غاصباً فإذا ادعى ردها يكون عليه البينة كالغاصب إذا ادعى رد المغصوب على المغصوب منه ويمكن أن يحمل ذلك على ظاهر ما أطلق فيفصل بين أن يدعي الضياع وبين أن يدعي ردها بأن يقال أنَّه إذا ادعى ردها فقد ادعى فعلاً معيناً به جرح من حفظ الوديعة وليس في الظاهر أنَّه فعل ذلك الفعل ويقوي ذلك بقوله عز وجل: {إِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَاشْهِدُوا عَلَيْهِمْ}، ولو كان القول في الرد قوله لم يأمر الله بالاشهاد والأصح عندي ما قلته أولاً من الأولى أن يكون راداً دعاء الوديعة الجحود.
مسألة(136/2)


قال: وإذا أودع رجل صرة فيها دراهم ففتح الصرة وأخذ من شيئاً ثُمَّ تلفت الصرة ضمن ما أخذه ولم يضمن ما تلف، إنَّما ضمن ما ضمن لأنَّه تعدى في أخذه فهو بمنزلة الغاصب والثاني لم يتعد فيه فلا يضمنه، لأن المودع قد بينا أنَّه إنَّما يضمن بالتعدي.
فإن قيل: لم لا تقولون أنَّه متعدٍ بتحريك الصرة ونقلها للفتح.
قيل له: لن النقل والتحريك مأذون له فيهما، لأن الحافظ للشيء لا بد له من ذلك فلم يكن ذلك تعدياً في الظاهر وإن كان هو يعلم أنَّه نقلها وحركها ليأخذها لنفسه ثُمَّ اقتصر على أخذ بعضها، فإنه يكون ضماناً للجميع والظاهر ما ذكرناه في الكتاب ومعنى قوله في المنتخب: لا ضمان عليه، لأنَّه فتحها لسلف لا لتلفٍ أنَّه لم يفتحها لأخذ ما تلف فلم يكن تعدي فيه وإنما فتحها ليأخذ ما أخذه فكان تعديه مقصوراً عليه فلذلك ضمنه دون ما تلف والله أعلم وأصحاب الشافعي خرجوا فتح الصرة على وجهين أحدهما: أنَّه بالفتح يضمن الجميع.
والثاني: أنَّه لا يضمن إلاَّ المأخوذ وهو على قوله على تبناه وبيناه.
مسألة(136/3)

84 / 122
ع
En
A+
A-