قيل له: ظاهر ما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، باع عليه يقتضي أنَّه هو الذي باع عليه وحمله على الأمر مجاز بعيد، لأن ذلك لا يكاد يستعمل في معنى أمر صاحب المال ببيعه ولا يجوز حمل ما روي على مجاز بعيد بغير دلالة، وما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أمر بعتقها في بعض الأخبار وفي بعضها أنَّه أعتقها يجوز أن يكون أمر بعتقها ثُمَّ أعتقها بنفسه، ليصح الخبرانب، وقصه فرعون فبخلاف ما قلناه لأنه مشهور في التعارف أن ينسب إلى الملوك هذا الحبس إذا أمروا به على أن كل مجاز لا يثبت إلاَّ بدلالة، فكذلك ما روينا في قصة معاذ على أنَّه أبعد من غيره على أنا بينا أن الحاكم يقوم مقام الرجل في إيقائه ما يلزمه من حق الغير إذا امتنع منه، كتزويجه إذا عضل الولي، وكاستيفاء الإمام العشور، والصدقات إذا امتنع أربابها من الإيفاء، فكذلك الأموال تقوم مقام المماطل في إيفاء الغرماء، ولا يتم ذلك إلاَّ ببيع أموالهم وتجعل الدراهم والدنانير أصلاً للعقار والعروض.
فإن قيل: في حديث معاذ لا جائز أن يكون معاذ ممتنعاً من قضاء الدين وبيع ماله عن أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فعلم أن المراد أنَّه أمره ببيع ماله وأنه هو الذي تولى بيعه.
قيل له: لم يثبت أن معاذاً كان ممن لا يجوز أن يتفوق منه مقارفة معصية، يجوز أن تكون صغيرة ويجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم سبق إلى بيعها قبل أن يلزم بيعها؛ إذ رأى ذلك احتياطاً ويجوز أن يكون الدين ثبت عليه في الظاهر وعلم معاذ أنَّه لم يجب عليه وأنه لا يلزمه بيع ماله فامتنع من بيعه.
فإن قيل: تصرف الإنسان يجوز على غيره إذا كان ذلك الغير استفاد التصرف من جهة الحاكم، لم يجز التصرف من الحاكم عليه.(135/20)


قيل له: ما أنكرتم أن يجوز تصرفه عليه في حق الغير، وإن لم يكن استفاد التصرف من جهته، وكما يتصرف عليه بأخذ العشور والصدقات من ماله، وكما يتصرف عليه بأخذ ماله إذا كان من جنس ماله إذا كان من جنس ما عليه وإعطائه الغريم، وكذلك بيع الدراهم بالدنانير، وبيع الدنانير بالدراهم.
فإن قيل: فقد روي: <لا يحل مال امرء مسلم إلاَّ بطيبةٍ من نفسه>.
قيل له: معناه إذا لم يستحق عليه، ألا ترى أنَّه يأخذ ماله إذا كان من جنس ما عليه وتؤخذ منه الصدقات والعشور.
فإن قيل: لما لم يبع عليه منافعه، ولم يبع عليه ماله.
قيل له: قد فصلتم بين بيع منافع، وبين بيع الدراهم بالدنانير، أو الدنانير بالدراهم، فكذلك نفصل بين بيع المنافع وبين بيع العروض، ولا خلاف أيضاً أن الميت يباع عليه ماله للغرماء، فكذلك الحي، لأن كل واحد منهما استيفاء الحق عليه إلاَّ بالبيع؛ إذ كان كل واحد منهما قد اشتركا أن يباع الناض من أموالهما للدين، فكذلك غير الناض.
فإن قيل: جاز ذلك في مال الميت، لأن ولا يته زالت بالموت وجاز عليه ولاية الحاكم.
قيل له: وكذلك جازت عليه ولاية الحاكم في غير الحق وإن كان حياً كما جازت عليه ولايته في الحبس وبيع الناض من ماله، وأخذ الصدقات والعشور على أنا لو لم نفعل ذلك لأدى إلى أن يأكل بعض الناس أموال بعضٍ، وقد نهى الله عز وجل عن ذلك بقوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ}.
فصل
قال في المنتخب: يباع من مال المفلس ما استغني عنه، و لا خلاف أنَّه لا يباع من ماله مالا بد له منه، ولا يستغني عنه لنفسه وعياله من كسوةٍ أو مطعمٍ أو سلف، وقال فيه: فإن كان عليه ثوبان يسويات عشرة دنانير بيعا واشترى من ثمنهما ما يستره ويدفع باقي الثمن إلى غريمه.(135/21)


قال: فإن كانت له دار بيع بعضها وترك ما يستر عياله منها، وهذا يجب أن يكون إذا لم يجد موضعاً يكتريه، فأما إن وجد ذلك باع جميع الدار واكترى لنفسه وعياله، وإنما قلنا ذلك لأنَّه قال: يباع لنفسه ما يستغني عنه وإذا وجد السُكنى بالكرى استغنى عن ملك الدار.
فإن قيل: فهلا قلتم أن جميع ثيابه تباع ويكتري ثياباً يلبسها.
قيل له: لأن عادة الناس غير جارية باكتراء الملبوس، وهي جارية باكتراء المساكن والمنازل ولذلك فصلنا بينهما.
قال: ويباع عليه خاتمه، لأنَّه مما لا يحتاج إليه ويستغني عنه، لأنَّه من باب التجمل وليس من باب الاحتياج.(135/22)


قال أيضاً في المنتخب: ويبقى عليه نفقته ولعياله ولم يجد فيه حد، قال القاضي محمد بن سليمان: ورأيت يحيى بن الحسين عليه السلام قد حكم على رجلٍ عليه ديون لجماعةٍ من الناس فأمر ببيع ضيعته ودوابه وعبيده وأمره أن يساوي بين الغرماء بالثلثين ويمسك ثلث ماله لعياله، قال أيده الله تعالى: هذه عندي، والله أعلم ليس على استيفاء الثلث لكل من بيع عليه، وإنما ذلك تجنب ما يظهر للإمام من حال الغريم؛ إذ لا يمتنع أن يكون علم يحيى بن الحسين عليه السلام من حال ذلك الإنسان بقلة ماله وكثرة عياله، أنَّه لا يستغني عن مقدار ثلث ماله فلذلك أبقاه عليه ـ في الأصل هذا عندي، والله أعلم أن ننظر إلى حال الغريم وعياه وكسبه، فإن كان ممن يمكن أن يتكسب بعياله يوماً بيوم لم يبق عليه أكثر من لباسه الذي لا بد منه ولباس عياله وسناه وطعامه وشرابه ليومه، وإن كان ممن يمكنه التكسب جمعه جمعة، أو شهراً شهراً، ستبقي عليه من قوته ما يعلم أن يكفيه إلى مدةٍ يمكنه فيها اكتساب قوته وقوت عياله، وكذلك إن كانت له آلة لا يجد بداً منها في اكتسابه لم تبع عليه آلته، إلاَّ أن تباع ويشترى بدلها بنقص ثمنها، والأصل في ذلك: ما أجمعوا عليه أنَّه لا يباع من ماله إلا بد له منه، وما يؤدي إلى ضياع عياله ونفسه وانكشاف عورته وعوراتهم، وكل ما ذكرنا، لأنَّه لا يباع عليه فهو من ذلك والله أعلم.(135/23)


قال ابن أبي هريرة: فيما علق عنه أن ينظر في الثياب إلى حال الرجل فيباع الفاضل منها ويشترى له ما يلبس مثله والذي عندي أنَّه لا يعتبر بذلك وأنه يجب أن يشترى له ما يستره ويدفع عنه الحر والبرد مما يلبسه الفقراء في أعم الأحوال، وقد أطلق يحيى عليه السلام القول: بأنه يباع عليه ثوبه الذي يساوي عشرة دنانير ويشترى له بدله من ثمنه ما يستره ولم يشترط عادة مثله، لأنَّه إن كان أجرى عادته في لبس الفاخر من الثياب فليس يجب له الاستمرار على تلك العادة مع سعة الغرماء حقوقهم، وإنما يجب أن يقتصد والاقتصاد لمثله هو ما قلناه، وعلى هذا لو كان الأجل زمناً لا يمكنه أن يقوم بنفسه أو هرماً، فإنه لا يباع عليه خادمه، لأنَّه لا يستغني عنه إلاَّ أن يباع خادمه ويشترى له ببعض ثمنه خادماً آخر.
مسألة(135/24)

83 / 122
ع
En
A+
A-