فإن قيل: ألستم تعتبرون في الشفعة أن يكون الذاهب ذهب بجناية المشتري، ولا بجنايته فيقولون إن المشتري إن كان قطع الأشجار وكذلك الثمار فإن الثمن يقسط على الأرض وعلى الأشجار والثمار وإن كانت الأشجار والثمار تلفت بالرياح والأمطار لم يكن للشفيع إلاَّ أخذها على ما بها بجميع الثمن أو تركها فلا قلتم مثل ذلك في بائع المفلس.
قيل له: الفرق بينهما إن المشتري يصير للشفيع في حكم الوكيل، لأن عقد البيع يصير إلى الشفيع عن المشتري كما يصير إلى الموكل عن الوكيل والوكيل إذا اشترى ثمر تلف بعضه بغير جناية منه لم يضمن، وإن تلف منه شيء بجناية ضمن فكذلك حكم المشتري مع الشفيع وبائع المفلس جعل الحق بما يجده بعينه من المتاع فما وجده أخذه على أي صفةٍ كان من زيادة أو نقصان ما لم يجده بأن يكون قد ذهبت عينه فلا يمكنه أخذه فلا بد أن يكون فيما يخصه من الثمن أسوة الغرماء وما ذهبنا إليه في بائع المفلس به قال الشافعي.
مسألة(135/15)


قال: وإذا ادعى الرجل الإفلاس، وادعى غرماؤه أنَّه مؤسر حبسه الحاكم إلى أن يقيم البينة على إفلاسه، فإذا ابن إعساره خلى عنه فإذا ادعى الغرماء إيساره بعد أن فلسه الحاكم فعليهم البينة وعليه اليمين، وهذا كله منصوص عليه في المنتخب غير تحقيق لزوم البينة في المسألتين، فإن كلامه دل عليه، لأنَّه لما نص على وجوب حبسه بأنه رأى أن الضارة مع الغرماء، لأن الحق قد ثبت لهم وهو يدعي أمراً يسقط مطالبتهم، وفي المسألة الثانية نص على أنَّ على المفلس اليمين فحقق أن الظاهر معه بعد تفلس الحاكم فقلنا البينة على من يدعي له اليسار، وقال في الأحكام: يحبس المليء المماطل لغريمه بعد الحج، فأما المعسر الفقير فلا يحبس، فدل أنَّه لما قال في المنتخب أن الحاكم يحبسه إن رأى أن الظاهر مع الغرماء فيما ادعوا من يساره، وقال في الفنون: إذا أقر بالحق وذكر أنَّه معدم لا مال له فالبينة على من يدعي أنَّه واجد، واليمين على من ذكر أنَّه مُعْدم.(135/16)


اعلم أن وجه ما ذكر من أن الحاكم يحبسه ما ذكرناه من أن من لزمه حق لإ...يلزمه الخروج منه، فإذا ادعى أمراً يسقط عنه الخروج لم يصدق إلاَّ بالبينة ولهذا قلنا فيمن أقر لآخر أن عليه مالاً فادعى أن مؤجل ثبت عليه المال ولم يثبت الأجل إلاَّ بالبينة على الإعدام سمعت منه، وقال في الأحكام والمنتخب يستكشف الحاكم أمره فإن ابن له أنَّه على حبسه وإن ابن له الإعسار خلي عنه واعلم أن الحبس يكون على وجهين: إما أن يحبسه الحاكم لالتباس حاله في اليسار والإعسار إلى أن يكشف حاله بالبينة أو بأن يقف الحاكم على أنَّه مليء مماطل لغريمه، والأصل في الحبس ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حبس ناساً من أهل الحجاز اقتتلوا فقتلوا بينهم قتيلاً، وروي أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حبس رجلاً في تهمةٍ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: <مطل الغني ظلمٌ>، فإذا جاز حبسه بالتهمة، جاز حبسه للظلم أولى، وروي أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حبس رجلاً أعتق شقصاً له في مملوك حتى باع غنيمة له، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ..زلي الواح يخل عرضه وعقوبته ومعلوم أنَّه لم يرد بالعقوبة الضرب، فثبت أنها الحبس، وروى زيد بن علين عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، أنَّه كان في النفقة وفي الدين وفي القصاص وفي الحدود وفي جميع الحق والحبس في الحقوق أمر يتعارفه المسلمون من الصحابة إلى يومنا هذا قد أطبقوا عليه قولاً وفعلاً لا يتناكره منهم أحد فجرى مجرى سائر الاجتماعات.(135/17)


وقلنا: أنَّه يحبس إذا التبس أمره، لما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <حبس للتهمة>، ولم يجد يحيى بن الحسين عليهما السلام حبس إلاَّ لقياس عدة قليله ولا كثيره، وإنما قال: يحبسه حتى يكشف أمره، وذلك يحتمل قليل الزمان وكثيره، وبه قال أصحاب الشافعي، قال أبو جعفر الطحاوي: يحبسه الحاكم شهراً ثُمَّ يسأل عنه. وقال أبو بكر الجصاص، روى محمد: شهرين أو ثلاثة. قال: وقال محمد عن نفسه: ما بين أربعة أشهر إلى ستة أشهر، ثُمَّ يسأل عنه، والصحيح ما قلنا من الاعتبار بما يكشف معه حاله في ظاهر الأمر دون اعتبار مقادير الأزمنة، لأن الغرض هو الوقوف على حالة فمتى ظهر من حاله الاعتبار في يسير الأمان كان حبسه بعد ذلك ظلماً، يقول الله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٍ إِلَى مَيْسَرَةٍ}، لأن الحبس كان لاستكشاف حاله فإذا انكشف وهر الأمر زالت التهمة وكان محبوساً لا لغرضٍ فيكون ظلماً.
فإن قيل: فيجوز أن يكون له مال مخبوءٌ ولا يظهر ما لم يضجر ويضجر في هذه المدة غالب الأحوال.
قيل له: هذا القسم الذي قلتم لا معنى له، لأن من الناس من يحامي عن ماله فيصبر على الضرب المبرح والتعذيب الشديد، وإن كان فيهم من لعله يبدل طارفه وتالده تفادياً من جفوة تلحقه فآل ما ذكرنا على أن اعتبار أصحاب أبي حنيفة لا معنى له، وأن الصَّحيح ما قلناه وقوله في الفنون: أن البينة على من يدعي أنَّه مؤسر واليمين على من يدعي الاعتبار فيجوز أن يكون أراد بذلك في الحقوق التي على غرامات ولا يكون وصل إلى المدعي عليه مال كالمهر والضمان والديات فارش الجنايات وليس يبعد ذلك الأصل في هؤلاء أنهم لم يملكوا فأما فيمن أخذ مالاً فيجب أن يجري على ما قال في الأحكام والمنتخب أمره ويجوز أن يكون ما في الفنون لأمر مرجوعاً عنه والأصح عندي على الوجوه كلها ما في الأحكام والمنتخب والله أعلم.
مسألة(135/18)


قال: وإذا قصر مال الرجل عما عليه من الديون حجر عليه الحاكم وفلسه وباع عليه كل ما استغنى عنه من جميع ماله، وفي ....، أما حجر الدين فقد بيناه في كاب أبي القاضي أنَّه صحيح وذكرنا وجه فلا وجه لادعائه وأما بيع ما له عليه فقد وافق فيه أبو يوسف ومحمد والشافعي وقال أبو حنيفة: لا يباع عليه ماله إلاَّ الدراهم والدنانير فإنه يباع عليه استحساناً، وكذا أوردنا طرفاً من الكلام في هذا الباب التسليط على الرهن، إلاَّ أنا.... هنا في كشفه وإيضاحه فمما يدل على ذلك مار وي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حجر على معاذ وباع ماله للغرماء.
فإن قيل: معناه أمره بالبيع جاز أن يقال باع كما روي في حديث سويد بن المعرن أنَّه كانت له جارية فلطمها، فقيل في بعض الألفاظ لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأمره بعتقها، وفي بعضها: فأعتقها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقال الله عز وجل في قصة فرعون: {يَذْبَحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ} ولم يكن يفعل ذلك، وإنما كان يأمر به.(135/19)

82 / 122
ع
En
A+
A-