قيل له: القياس يوجب أن يسلم شفعته إن امتنع من ذلك إلاَّ على رواية الفنون فإنه يقول أنَّه يلزم المشتري قلعه بغير عوض، وإن كان الأصح ما قلنا من أنَّه يسلم الشفعة متى لكم يضمن قيمة البناء، لأن الباني لم يكن متعدياً فيه، وقلنا: أنَّه أن امتنع من إعطاء القيمة سلم الأرض وما عليها وكان أسوة الغرماء، لنه لما امتنع من توفير قيمة البناء والغرس لكم يمكنه استيفاء حقه الذي أبيح له الآباء دخال الضرر على الغرماء وهو محظور فقلنا أنَّه لا سبيل لك إلى استيفاء هذا الحق فأعدل عنه إلى الوجه الثاني، وهو أن يكون أسوة الغرماء لتكون استوفيت حقك من غير مضارة أحد كما قلنا في الشفيع على أنَّه في هذه المسألة أبين، لأنَّه يعدل عن استيفاء حقه إلى استيفاء حق كان له بالخيار فيهما فصار استيفاء الحق الذي لا مضارة فيه لأحد أولى والشفيع متى سلم الشفعة فقد أبطل حقه، لأنَّه عدل عن استيفاء أحق إلى استيفاء حقٍ، وأما قلع البناء والغرس جميعاً وما يكون إضراراً فقلنا أنَّه لا يكون إلاَّ بتراضي الجميع، لأن فيه إضراراً بالأرض والبناء والغرس جميعاً، وما يكون إضراراً بالجميع لا يصح إلاَّ بتراضي الجميع، ألا ترى أن الثوب الواحد لا يقسم بين الشريكين إلاَّ بتراضيهما جميعاً، لأن فيه ادخاله الضرر على كل واحدٍ منهما فلذلك القلع.
مسألة(135/10)
قال: وإذا اشترى رجلٌ من رجلٍ جاريةً فولدت الجارية عند المشتري أولاداً من غيره ثمر أفلس فالبائع أولى بالجارية دون الأولاد ويقضهم للغرماء وذلك أن الجارية هي عين ماله وليس كذلك الأولاد، لأن منى قولنا عين ماله أنَّه هو الذي تناوله عقد البيع من جملة ماله والأولاد إذا أحدثوا بعد ذلك لم يكونوا مال البائع قط، ولم يتناولهم عقد البيع، وإنما كانوا ابتدءوا في ملك المشتري فكانوا كسائر أمواله. قال: وإن كانت الجارية ولدت من المشتري كانت أم ولد وكان البائع أسوة الغرماء، لأنَّه لا يجد عين ماله قائماً، لأن أم الولد لا نكون ما لا يصح التصرف فيه بالبيع والهبة فصارت مستهلكة حكماً فلا يكون للبائع عليها سبيل، ولأنها لا يصح فيها الانتقال من مالكٍ فلم يصح أن تنتقل من ملك المشتري إلى البائع أولى بها وبولدها وذلك أن الولد كان مالاً للبائع كالأم لا ترى أن أفراده بالحكم كان يصح، لأنَّه لو أوصى به صحت الوصية وكذلك لو أعتق صح عتقه، وعندنا أنَّه لو باع الأم واستثنى الولد الذي في بطنها صح البيع والاستثناء جميعاً، فبان أنَّه كان ملكه وماله وإن عقد البيع تناولهما ولم يحصل للولد لا الزيادة فقط وحصول الزيادة على ما بيناه فيما مضى لا يمنع استحقاق البائع له فوجب أن يستحقه مع الأم ويحتمل في المسألة كان الأولاد صغاراً أن للبائع إما أن يأخذ الأم ويعطي قيمة الأولاد ويأخذهم لئلا يؤدي إلى التفرقة بين الأم والأولاد، وإما أن يسلم بجميع ويكون أسوة الغرماء كما قلنا في البناء والغرس، لأنَّه لا يصل إلى المباح له من أخذ الأم متى لم يأخذ الأولاد بقيمتهم إلاَّ بفعلٍ محظورٍ من التفرقة بينهم فقلنا له إما أن يأخذ الجميع ويعطي قيمة الأولاد ويسلم الجميع ويكون أسوة الغرماء.
مسألة(135/11)
قال: وإن اشترى مملوكاً ثمر وهب له مالاً تمرأفلس كان البائع أولى بالعبد دون المال ويقضي بالمال للغرماء والعلة أنَّه مال المشتري كسائر أمواله، لأنَّه العبد لا يملك مالاً وإن اشترى مع المال، كان البائع أولى به وبماله وذلك أنَّه مع المال جميعاً عين مال البائع الذي كان باعه وكان العقد تناولهما فلم يكن أحدهما أولى أن يأخذه البائع من الأمر فوجب أن يكون له أخذهما جميعاً، لأنهما عين ماله وجدهما عند المفلس، قال: وإن كان المشتري قد استهلك ماله كان البائع أولى بالعبد وهو في ثمن المال أسوة الغرماء وذلك أن العبد عين ماله وجد فله أخذ والمال صار مستهلكاً فكان ما يصخه من الثمن ديناً لسائر أولئك التي على المفلس، فوجب أن يكون أسوة الغرماء، ولأنه لا يصخ فسخ البيع فيما استهلك كما بيناه في الأرض إذا اشتراها مع الزرع ثمر أفلس بعد استهلاك الزرع. قال: وكذلك إذا اشترى إبلاً وغنماً فتلف بعضها فالبائع أولى بما بقي وهو فيما تلف أسوة الغرماء بأخذ ما بقي، لأنَّه عين ماله ويكون في الباقي أسوة الغرماء على ما بيناه من أن المستهلك لا يصح فسخ البيع فيه، وبإن قسه من الثمن تكون كسائر الغرماء، ولأنه بمنزلة أن يجد السلعة كلها مستهلكه في أنَّه يكون في جميع الثمن أسوة الغرماء كذلك البعض إذا وجده مستهلكاً .
مسألة
قال: ولو أن المشتري وفر على البائع بعض ثمن السلفة ثُمَّ أفلس كان البائع شريك الغرماء في السلعة لهم منها مقدار ما قبض من البائع من ثمنها، وبه قال الشافعي في أحد قوليه وهو الجديد، وقال في القديم: لا يأخذ شيئاً من السلعة ويكون فيما بقي من ثمنه أسوة الغرماء.
ووجه ما قلناه: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: <من وجد متاعه بعينه عند مفلس فهو أحق به>، والمراد إذا لم يكن قبض ثمنه وهنا قد وجد بعض متاعه لك يقبض ثمنه، فوجب أن يكون أحق به.
فإن قيل: روي ما لم يقبض من ثمنه شيئاً .(135/12)
قيل: المراد عندنا أنَّه أحق بجميعه ما لم يقبض من ثمنه شيئاً، فإن كان قبض من ثمنه شيئاً لم يكن أحق بجميعه، وإنما يكون أحق بمقداره ما لم يقبض من ثمنه شيئاً.
فإن قيل: فكيف صار تأويلكم أولى من تأويلنا؟
قيل له: لأنا وفينا كل واحدٍ من الخبرين فائدته، على حياله فجعلنا الخبر المشهور عاماً، وجعلنا خبركم خاصاً ومتى جعلنا الخبر ين على تأويلكم لم يكن للخبر المشهور فائدته وهو قوله: <فصاحبه أحق به>، وأيضاً لو وجد جميع متاعه لم يأخذ ثمنه لكان أحق به فكذلك إذا وجد متاعه والعلة أنَّه وجد متاعاً له عند مفلس لم يقبض ثمنه.
فإن قيل: قولكم يؤدي إلى تفريق الصفقة على المشتري.
قيل له: وما ننكر من ذلك نحن نرى تفريق الصفقة في مواضع كثيرة إذا ذلك الدليل عليه كما يقول في الشفعة وفي من باع ملكه وملك غيره ونحو ذلك.
مسألة
قال: وإذا اشترى رجل من رجل داراً فغير بناءها فزاد فيه فللبائع أن يأخذ الدار بزيادتها، ويلتزم للغرماء قيمة الزيادة إن أحب ذلك، وإن أبى كان ذلك أسوة الغرماء وهذا قد بيناه فيما مضى فلا وجه لإعادة المسألة.(135/13)
قال: فإن كان المشتري غير بناها ونقص منه، كان البائع أولى بالدار يأخذها وكان فيما نقص أسوة الغرماء نص عليه يحيى في الأحكام، وقال فيه أيضاً: من اشترى أرضاً فيها شجر ثُمَّ أفلس وقد تلف الشجر كان للبائع أن يأخذ الأرض بما فيها ويطالبه مع الغرماء بالذي تلف، وقال فيه بعد هذا الفصل: فإن اشترى جارية حسنة الحال موصوفة بالفراهة ثُمَّ أفلس وقد ساء حالها أو أعورت أو زمنت لم يكن له غير أخذها بنقصها كما يأخذها بزيادتها، فكان تحصيل مذهبه أنَّه رأى النقص على ضربين نقص لا يمكن تقسيط الثمن عليه ابتداء ولا يمكن إفراده بعقد البيع ويقسط الثمن عليه، ألا ترى أن البائع إذا اشترى عبداً أو داراً على السلامة ثُمَّ وجد فيهما عيباً فما ذكرناه أو ما جرى مجراه لم يكن له إلاَّ الخيار بين أخذه أو رده ويمكن أن يعبر عنه بنقص الصفة مع بقاء العين فما جرى هذا المجرى من النقص إذا وجده البائع في المبيع وقد أفلس المشتري فإن شاء أخذه على ما به من النقص وإن شاء سلمه وكان أسوة الغرماء كما أن المشتري إن شاء أخذه وإن شاء رده بالعيب واسترد الثمن والنقص الثاني كان يذهب الشجر ويستهلك وكان يجد الجذع فيذهب بعض العين وهذا مما يمكن أن يفرد بعقد البيع ويمكن أن يقصد عليه الثمن، ألا ترى أن من باع أرضاً مع أشجار فأخذت الأشجار قبل التسليم فإن الثمن يقسط على الأرض، والأشجار وليس كذلك إذا انكسرت الأشجار وبقيت منكسرة، فما كان من النقص يجري هذا المجرى، فإنه يأخذ الأصل ويضرب بما يخص الضارب من الثمن م الغرماء فعلى هذا لو اشترى ناقة مع فصلها ثُمَّ أفلس ومات الفصيل، فإن البائع يأخذ الناقة ويضرب مع الغرماء فيما يخص الفصيل من الثمن، فإن اشتراها سمينة ثُمَّ أفلس وقد هزلت فليس للبائع إلاَّ أخذها مع هزالها أو تسليمها ليكون أسوة الغرماء فعلى هذا يجب أن يجري الباب في هذا المعنى وعلى هذا أيضاً يجب أن يجري حكم الزيادة على ما تقدم.(135/14)