قلنا: وبائع العبد طامع في أن يظفر بالثمن، بأن يؤسر المفلس إن كان حياً، وأن يظهر له مال إن كان ميتاً، وحكى عن مالك أنَّه فرق بين الموت في الحياة، فقال: هو أسوة الغرماء إذا مات المشتري وأحق بعينه إذا أفلس وهو حي فتعلق بما روي: <أيما رجل هلك وعند متاع أمر بعينه فهو أسوة الغرماء>، وهذا عند محمول على أنَّه أراد أن ترك الميت وفاءا وأن رضي البائع وحكي عند أنَّه قال: <إذا مات فقد بطلت ذمته>، فقد وجب أن يشترك الجميع فيه، وهذا أبعد، لأن بطلان الذمة يقتضي فساد الثمن وحدود العيب فيه، فالأولى أن يكون للبائع الخيار في فسخ البيع، ألا ترى أن المرتهن أولى بالرهن من سائر الغرماء إذا أفلس الراهن أو مات مفلساً فكذلك البائع لا يجب أن ينفصل حاله بين أن يفلس غريمه وبين أن يكون مفلساً، وحكي عن مالك أنَّه قال: إن وجده زائداً قال لهم الخيار بين أن يعطوه ثمن المتاع وتباع السلعة لهم وبين أن يتركوه، وما ذهبنا إليه من أنَّه أولى به إن وجد زائداً. وبه قال الشافعي ووجهه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، جعله أحق به إذا وجده بعينه ولم يستثن حال الزيادة كما لم يستثن حال النقصان إلاَّ حال البقاء على ما كان عليه فوجب أن يوجب أن يستوفي حاله في ذلك ولأن المرتهن يكون أولى بالرهن زائداً أو ناقصاً لاستحقاق سبب حقه فلذلك مال المفلس، ولأن الخيار لما كان للبائع دون الورثة والغرماء في حال نقصان السلعة أو بقائها على حالتها وجب أن يكون له الخيار مع زيادتها، لأنَّه بائع وجد عين ماله عند المفلس.
فإن قيل: إذا أعطاه الغرماء الثمن فقد زال الضرر فلا وجه لعودة إليه.
قيل له: هذا يلزمكم مع نقصان الحال أو البقاء على ما كان عليه وأيضاً من باع سلعة فوجد في إحداهما عيباً في المبيع وردع الآخر في سلعته وإن كان زائدة فكذلك مسألتنا.
مسألة(135/5)
قال: وإذا اشترى رجلٌ من رجل أرضاً مع زرعها ثُمَّ أفلس المشتري فبائع الأرض أوى بالأرض وما فيها من الزرع ووجهه أن الزرع عين ماله كما أن الأرض عين ماله فوجب أن يكون هو أحق به لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: <من وجد متاعه بعينه عند من أفلس فهو أحق به>، ولأن الأرض ليست أولى بذلك من الزرع فصارا سواء، فإن كان المشتري قد استهلك الزرع فالبائع أولى بالأرض ويقم الثمن على الأرض، والثمر، فمن خص الثمر كان فيه أسوة الغرماء وذلك أنَّه لما وجد الأرض بعينها فجرى مجرى البائع إذا أفلس بعدما استهلك السلعة فإنه يكون في ثمنها أسوة الغرماء ما لا خلاف فيه، وإنما قال أن الثمن بقسط على الأرض والثمر، لأن كل من اشترى شيئين بثمنٍ واحدٍ ثُمَّ احتيج إلى فسخ البيع في أحدهما لم يكن بد من تقسيط الثمن عليهما على مقدار قيمتهما والأقرب عندي والله أعلم أن قيمته قيمته يوم عقدا البيع، وقد نص عليه في الأحكام، لأنَّه الوقت الذي استحق الثمن عوضاً عنهما واستحقا عوضاً من الثمن لا كما حكي عن الشافعي أنَّه يعتبر قيمتهما يوم القبض، لأن القبض لا تأثير له في أن يصير الثمن عوضاً للمشتري والمشتري عوضاً، وإنما تأثير في استحقاق التسليم له في أن يصير الثمن عوضاً للمشتري والمشتري عوضاً للثمن وإنما تأثيره في استحقاق التسليم.
مسألة
قال: وإن اشتراها ولا زرع فيها فزرعها ثُمَّ أفلس فصاحب الأرض أولى بأرضه، وجيب عليه أن يصبر للغرماء حتى يحصدوا زرعها، وقلنا أنَّه أولى بأرضه، لأنَّه عين ماله وقلنا أن الزرع للغرماء، لأنَّه مال المفلس لم يملكه من جهة البائع وكان هو وسائر أمواله سواء وقلنا يصبر لأن الزرع لم يكن متعدياً فلم يكلف قلعه المؤدي إلى تلف الزرع وفساده كما أنَّه لو أعاره أرضاً لم يكن متعدياً في زرعه.
مسألة
قال: والقول في تأثير النخل كالقول في الزرع.(135/6)
قال يحيى بن الحسين عليه السلام: من اشترى نخلاً فيه تمر طلع قد أبره واستثناه المشتري فاستهلكه المشتري ثُمَّ أفلس، كان صاحب النخل أولى بنخله وكان أسوة الغرماء فيما استهلكه من التمر، وذلك أن الطلع إذا أبر وخرج كان ذلك عين ماله، فكن ثمناً للنخل والطلع فكان حكمه ما ذكرنا في الزرع، فإن باعه غير مؤبر فسبيله سبيل من باع أيضاً لا زرع فيها فزرعها المشتري على ما بيناه، فكذلك يلزمه أن يصبر للغرماء إلى وقت الحصاد، لئلا يفسد أموالهم، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: < لا ضرر ولا ضرار في الإسلام>، قال وعلى هذا يجب أن يكون من اشترى أرضاً وشجراً من شجر الفواكه مع ثمرها إلى قبل خروج الثمر ثُمَّ خرج التمر ثُمَّ أفلس المشتري على التفصيل الذي بيناه، قال وكذلك من اشترى أشجاراً فتلف بعضها وبقي بعض، ثُمَّ أفلس المشتري أنَّه يأخذ من ما وجد بعينه، ويكون أسوة الغرماء في ثمن ما تلف على التفصيل الذي بينا، فكذلك حكم سائر الأموال إذا استهلك بعضها وبقي بعض والوجه في جميع ما قلنا هو الذي مضى، فلا معنى لإعادته وسيجئ بعض هذه المسائل بعد هذا.
مسألة(135/7)
قال: وإن اشتراها ثُمَّ بنى فيها وغرس ثُمَّ أفلس فلصاحب الأرض أن يأخذ أرضه بما فيها من البناء والغرس، ويعطي الغرماء قيمة البناء والغرس إن أحب، وإن أبى ذلك فللغرماء الخيار إن شاءوا قلعوا البناء والغرس، وسلموا الأمر إلى صاحب الأرض، وإن شاءوا أعطوه ثمن الأرض وأخذوها ما فيها من البناء والغرس وإن أبوا ذلك حكم عليهم بثمن الأرض المبيعة في الأصل للبائع وأخذوا الأرض وما فيها. قال في الأحكام: البائع بالخيار إن أحب أخذ أرضه وأعطاه قيمة البناء والغرس وأن أحب سلم للغرماء وأعطوه ما كان باعها به وإن أبى ذلك وأحب أن يقلعوا ما فيها من الغرس ويدفعوا إليه أرضه فعلوا، ولم يحكم بذلك عليهم فإن أبوا حُكِم للبائع بما باع به الأرض وسلمت الأرض والغرس والبناء إلى الغرماء فحكم بتسليم الأرض وما عليها إلى الغرماء بالثمن محتملاً للأمرين ثُمَّ قال بعد ذلك في مسألة من اشترى داراً وهدمها وأعادها ثُمَّ أفلس أن البائع يأخذ الدار ويعطي قيمة ما زاد في العمارة للغرماء أو يسلم الدار ويكون أسوة الغرماء فبين أن المراد في المسألة الأولى أنَّه أن سلم الأرض وما عليها أخذ الثمن على أن يكون أسوة الغرماء فصا تحصيل مذهبه في المسألتين جميعاً الأولى وما بعدها أن البائع أولى بالأرض والبناء والغرس إن اختار ذلك وأعطى الغرماء قيمة البناء والغرس قائمين فإن لم يختر ذلك سلم الأرض وما عليها للغرماء وكان هو في الثمن أسوتهم بأخذ منه بالحصة وأما هدم البناء وقلع الغرس فإنه يجوز إذا تراضى الجميع به البائع والغرماء على سبيل أن يختار الجميع ذلك. ووجه ما قلناه من أن البائع مخير بين أن يأخذ الأرض وما عليها من البناء والغرس ويدفع إلى الغرماء قيمة البناء والغرس إن أحب ذلك، لن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعله أولى بأرضه، لأنها عين ماله بقوله: <من وجد متاعه بعينه عند رجلٍ، ثُمَّ أفلس فهو أحق به>، ومنع صلى الله عليه وآله وسلم الضرر بقوله: <لا(135/8)
ضرر ولا ضرار في الإسلام>، فكأنه قيل له: أنت أحق بعين مالك على أن لا يضار أحداً فقلنا أنَّه يأخذ أرضه بدفع قيمة البناء والغرس قائمين لئلا يكون أضر بالغرماء في استيفاء حقه، يكشف ذلك أن الإباحة والحضر إذا اجتمعا غلب الحضر وهاهنا أخذ البائع للأرض مباح، وإدخال الضرر على الغرماء محظور فقلنا له ادفع الضرر عنهم ليصل إلى المباح، ألا ترى أن أحد الشريكين إذا أعتق نصيبه ضمن نصيب شريكه ليدفع عنه الضرر الذي لحقه من جهته باستيفائه نصيبه حقه وكذلك ما إذا عفي عن القاتل لم يكن للوارث الآخر قتله لأنَّه يضر بالقاتل باستيفاء حقه فكذلك ما قلناه.
فإن قيل: فما تقولون في الشفيع إذا امتنع من دفع قيمة ما بناه المشتري.(135/9)