قال: وكذلك إن صالح عن الأجنبي بغير إذنه وأعطى ما صالح به أو ضمن لم يرجع به أو ضمن لم يرجع على من صالح عنه بشيء والكلام في هذا هو الكلام فيما مضى في صحة الصلح وفي كونه موقوفاً في الضمان عنه بإذنه أو بغير إذنه فلا وجه لإعادته.
مسألة
قال: وإذا صالح المحال عليه صاحب المال صح الصلح ولم يرجع صاحب المال على المحيل بما حط للمحال عليه، وذلك أن حقه قد انتقل عن المحيل ولم يبق بينهما علقه ولا معاملة، ألا ترى أنا لا نجوز مجموع المحتال عليه أن تفلس المحال عليه أو ينكر، فأولى أن لا يرجع عليه إذا حط بعض المال ويخالف ذلك الضمان؛ لأن بالضمان لا يسقط الحق عن المضمون عنه ولا يمتنع أن يترك الضامن بعض الحق أو يرجع به عن المضمون عنه على ما قدمنا بيانه، والله أعلم وأحكم بالصواب.(134/9)
باب القول في التفليس
إذا اشترى رجل من رجلٍ سلعة ثُمَّ أفلس المشتري قبل توفير ثمنها والسلعة قائمة بعينها كان أولى بسلعته، يأخذها بزيادتها إن كانت زادت وبنقصانها إن كانت نقصت إن أحب ذلك، وإن أحب سلمها وكان أسوة الغرماء، وبه قال الشافعي ومالك، وروي عن الحسن، قال أبو حنيفة: هو أسوة الغرماء. والأصل فيه حديث قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <من وجد متاعه بعينه عن مفلسٍ فهو أحق به من سائر الغرماء>، وروى ذلك عن أمير المؤمنين علي عليه السلام، وفي حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <إذا أفلس الرجل وعند سعلة قائمة بعينها لرجلٍ وعليه دينٌ فهو أحق بها من سائر الغرماء>، وروي عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <أن من متاعه عند رجلٍ قد أفلس فهو أحق به من سائر الغرماء>، وروي ذلك عن أمير المؤمنين علي عليه السلام، وعن عثمان وحكي عن ابن المنذر، أنَّه قال: لا مخالف لها في الصحابة في ذلك.
فإن قيل: روي عن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنَّه قال: <من وجد متاعه عند رجلٍ اشتراه فهو أحق به، ويرجع المشتري على البائع بالثمن>، وهذا اللفظ مخالف للفظ الذي رويتموه.
قيل له: هذان الخبران صحيحان كلٌ منهما يفيد معنىً صحيحاً غير معنى صاحبه فلا وجه لقولكم هذا لفظ مخالفٌ لفظ حديثكم إذا لكم يرد في معنىً واحدٍ، ألا ترى أن الحديث الثاني يستوي فيه المفلس وغير المفلس.
فإن قيل: روي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <إذا أفلس الرجل فوجد متاعه فهو فيه أسوة الغرماء>، وروي: <من باع بيعاً فوجده بعينه وقد أفلس المشتري فهو بين الغرماء>، وروي ذلك أيضاً عن عليٍ عليه السلام.(135/1)
قيل له: يحتمل أن يكون معنى ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، من قوله فهو بين غرمائه إذا رضي صاحب المتاع، وكذلك ما روي عن علي عليه السلام من قوله: فهو أسوة الغرماء، إن رضي به صاحبه، وما قلناه أولى لنكون قد استعملنا الخبرين على فائدتين صحيحتين، ولا نكون أسقطنا أحدهما أو نتأوله تأويلاً بعيداً منعسفاً.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون المراد به إذا وجده عند على سبيل الوديعة والمضاربة.
قيل له: هذا من التعسف في التأويل، لأنَّه يبطل فائدة قوله: أيما رجل أفلس، لأن المفلس وغير المفلس في ذلك سواء على أنَّه ذكر في بعض ما روي عن أبي هريرة البيع، وما روي: <إذا أفلس الرجل فوجد البائع سلعته بعينها فهو أحق بها دون الغرماء>، وهذا يبطل قول التأويل، وقد روي عن أبي هريرة ما يُبطل هذا التأويل وهو ما روي أنَّه قال في الرجل الذي أفلس هذا الرجل الذي قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أيما رجلٍ مات أو أفلس فصحب المباع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه وتأويل الراوي للحديث إذا بينه يكون أولى من تأويل غيره.
فإن قيل: فإنه صلى الله عليه وآله وسلم، قال: <إذا وجد ماله بعينه>، فأضاف المال إليه، وهذا يدل على صحة تأويلنا أن المراد به الوديعة ومال المضاربة، لأن البائع إذا باع لا يكون المال له وعندكم أيضاً أنَّه لا يملكه إلاَّ إذا اختار ذلك.
قيل له: هذا الإضافة قد تستعمل على وجوهٍ، وإن لم يرد به تحقيق الملك، قال الله عز وجل: {هَذَهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا}، وفي الحال كان الشيء قد خرج من ملكهم، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: <من باع عبداً فماله للبائع>، فأضاف المال إلى العبد ولم يرد إضافة الملك.
فإن قيل: ما أنكرتم من تأويلنا أن جاز ما قلتم.(135/2)
قيل له: لأن الخبر ورد في بيان حكم التفليس، وجعل الحكم متغيراً بالإفلاس، وتأويلنا يفيد ذلك وتأويلكم يجعله .... فصار تأويلنا أولى على أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم، ذكر الحكم وذكر السبب فوجب أن يكون السبب سبّب الحكم، كما روي أنَّه سهى فسجد كان السهو سبب السجود ولما روي أن ماعزاً أقر بالزنى فرجم كان الإقرار بالزنى سبب الرجم، وإذا صح ذلك لم يبق إلاَّ تأويلنا، ولأن تأويلهم يجعل الحكم غير متعلق بالسبب الذي هو الإفلاس ويجعل وجوده وعدمه سواء على أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم، قال: <فهو أحق به>، فهذه اللفظة تستعمل للتقديم دون تقرير الملك، لأنَّه لا يقال أن المغضوب منه أحق بالمال من الغاصب، وإنما يقال أن المرتهن أولى بالرهن من الراهن، وإذا كان كذلك فتأويلهم أن المالك للمال أحق ممن لا ملك ولا حق له فيه، وذلك لا يستعمل فيصح بهذا إسقاط تأويلهم وثبوت تأويلنا ولا خلاف أن البائع أحق بالسلعة قبل التسليم إذا أفلس المشتري فكذلك التسليم، لأنَّه وجد ماله بعينه يعني في حال إفلاس المشتري قبل استيفاء به الثمن وأيضاً هو مشارك للغرماء في الدين ومنفرد بوجود ماله فوجب أن يكون أحق به لتلك المزية كالمرتهن لما شارك الغرماء في الدين وانفرد بالرهن، كان مقدماً على غيره وأحق به لتلك المزية ويجمع بينهما بأن يقال المعنى وجود العين المتعلقة بما في ذمته كان له الخيار في الرجوع في عين ماله، لأنَّها عارضة على أن يسلم له بذلك بدله، فلذلك ما اختلفنا فيه، وأيضاً لو باعه فوجد به عيباً أو حدث فيه عيب قبل التسليم كان له الخيار في فسخ البيع وكذلك من وجد متاعه بعينه عند مفلسٍ، لأن الثمن صار معيباً بكونه في ذمة مفلس فوجب أن يكون له الخيار، لأن أحد عوضي المتابعين صار معيباً قبل قبضه.
فإن قيل: تعلقوا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: <لا يحل مال امرء مسلم إلاَّ بطيبة من نفسه>.(135/3)
قيل لهم: عندنا إذا اختار البائع فسخ البيع ملكه، فقد صار ماله، ولا يحل للمشتري على أن ذلك لو لم يكن على ما قلنا، كان مخصوصاً بخبر الإفلاس، لأنَّه خاص وما ذكرتم عام ومن مذهبنا بناء العام على الخاص.
فإن قاسوه على الرهن بعد رده ... لم يصح ذلك، لأن لا تعلق للحق به إلاَّ ما أمر هنا فإذا رده لم بق بين الدين وبينه تعلق، وأما الحق له فإن المخار لا يرجع إلى المحيل فليس يقدح فيما قلناه، لأنَّه لم يبق بين المحيل والمحتال تعلق، فلا مطالبة لأن حق المحتال قد تحول عنه إلى المحتال عليه فصار كالأجنبي، على أنَّه قد يمكن أن يغلب عليهم فيقال لهم هلا كان له الرجوع كما كان للمحتال على أن سؤال الحق له لا يصح من أحد من الفريقين إذا تكلموا في مسألة التفليس، لأنَّه ينقلب عليه على أنا تبعنا فيهما الأثر، قال صلى الله عليه وآله وسلم: <إذا أحيل أحدكم على ملئ فليتبع} ولم يشترط الملأة في حال الإتباع، وإنما اشترط في حال الإحالة، وقال: <من وجد ماله بعينه عند مفلسٍ فهو أحق به>.
فإن قيل: لو كان سبيله سبيل أن هلك المبيع لوجب أن يبطل البيع وليس ذلك مذهبكم، وإنما مذهبكم أن له الخيار في الفسخ.
قيل له: ليس سبيله سبيل أن يهلك العبد، وإنما سبيله سبيل أن يأبق العبد قبل التسليم في أن له الخيار بين أن يصبر إلى أن نظفر به وبين أن يفسخ البيع.
فإن قيل: صاحب الآبق طامع في أن يظفر به.(135/4)