قيل له: إنهما وإن افترقا من هذا الوجه فقد اشتبها من حيث جمعنا بينهما، وليس يجب في الأصل أن يوافق الفرع من كل وجه؛ لأنَّ ذلك لو كان كذلك لكانا كالشيء الواحد.
فإن قيل: كل متعاقدين دخلا في عقد فقد اعتفا بجوازه.
قيل له: ليس كذلك؛ لأن المكره على عقد لا يكون معترفاً بجوازه.
فإن قيل: ليس على من صالح على الإنكار إكراه؟
قيل له: هناك بعض الاكراه؛ لأنَّه يتفادى به من الأذى، وهذا القدر من الإكراه لا خلاف أنَّه يفسد عقود البيع وما أشبه ذلك.
فإن قيل: تقدم الإنكار لا يمنع صحة الصلح بعده كما لا يمنع صحة الإقرار بعده؟
قيل له: الإقرار لا يجامع الإنكار بل ينفيه فيخلص الإقرار لا يجامع الإنكار بل ينفيه فيخلص الإقرار من الإنكار، وليس كذلك الصلح فإنه يجامع الإنكار ويقع مع الإنكار فلم يجب أن يكون حكمه حكم الإقرار، وأيضاً لا يجوز أخذ المال على دعوى زوجية وقذف فكذلك على دعوى مال؛ لأنَّه يأخذ على بدل لم يثبت له.
فإن قيل: فداء الأشير بالمال جائز فما أنكرتم من جواز ما اختلفنا فيه.
قيل له المفاداة إذا وقعت في دار الإسلام فللمسلم أن يرجع فيما أعطى إن كان الأسير قد تخلص وإن كان في دار الكفر فإن الكفار يملكون علينا في دار الكفر بالغلبة فسبيله سبيل سائر أملاكهم الَّتِي تغلبوا عليها.
مسألة(134/4)


قال: ولا يجوز الصلح عن نقد بدين المراد به إذا كان الصلح على سبيل الصرف؛ لأن الصلح يكون على سبيل البيع أو على سبيل الإبراء فإذا كان على سبيل الصرف كان كالبيع نحو أن يصالح على الدراهم بالدنانير أو عن الدنانير بالدراهم، فإنه يكون كالصرف لا يصح الصلح ما لم يتقابضا قبل التفرق، فإن لم يتقابضا في المجلس أو تصالحا على أن يكون المصالح عليه ديناً يبطل الصلح، وهذا مما لا خلاف فيه، فإن تصالحا عن ألف بخمسمائة درهم صح الصلح وإن لم يتقابضا الخمسمائة؛ لأنَّه لا يجري مجرى البيع بل هو إبراء من خمسمائة على أن يعطيه خمسمائة فلا فصل بين أن يعجلها وبين أن يؤحدها.
مسألة
قال: ولا الصلح عن المجهول، ووجهه إما أن يكون كالبيع فيجوز فيه ما يجوز في البيع أو يكون إبراء من البعض، ولا يجوز بيع المجهول، فيجب أن لا يجوز الصلح الجاري مجرى البيع عن المجهول، ألا ترى أنَّه لا يجوز الصلح الذي هو كالصرف إلاَّ كما يجوز الصرف؛ لأنَّه لا بد فيه من التقابض في المجلس وإذا ثبت ذلك في الصلح الذي هو كالبيع فلم يفصل أحد بينه وبين الصلح الذي هو إبراء من البعض في جوازه عن المجهول فيجب أن لا يجوز الصلح الذي هو إبراء عن المجهول على أن الإبراء عن المجهول إنَّما لا يصح بدلالة ما أجمع عليه من أن لاجً لو كانت له حقوق مختلفة على رجل، فقال له: أبرأتك من حق الحقوق لم يجز ذلك، والعلة أنَّه لإبراء من المجهول، ألا ترى أنَّه لو عين الحق صحت البراءة منه، فكذلك سائر الحقوق المجهولة لا يصح البراءة منها ، فإذا لم تصح البراءة من المجهول ولا بيع المجهول وكان الصلح يرجع إلى واحد منهما لم يجز الصلح عن المجهول، وأيضاً لا خلاف أن الصلح عن المجهول لا يصح، فكذلك عن المجهول؛ والعلة أنَّه أحد عوض الصلح ويكشف ذلك أن الثمن لما لم يجز أن يكون مجهولاً لم يجز أن تكون السلعة أيضاً مجهولة.(134/5)


فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دفع إلى علي مالاً وبعثه إلى بني جذيمة حين قتل خالد بن الوليد من قتل منهم وأمره أن يدي لهم قتلاهم وما استهلك من أموالهم قال فوادهم ورد إليهم كل ما أخذ عنهم حتَّى مبلغه الكلب وبقيت في يده بقية من مال، فقال: أعطيكم هذا عما لا تعلمونه ولا يعلمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثُمَّ جاءوا فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: <ما يسرني بها حمر النعم>، فدل ذلك على جواز الصلح عن المجهول.
قيل له: لك كان منه تبرعاً ونطوعا فلهذا أجاز؛ لأنَّه لا يلزم ضمان ما لم يعلم استهلاكه ولا يد عليه مدع وكلاً منا في الحول المعلوم ثبوته إذا كان مجهولاً على أنَّه لا يمتنع أن يكون علي عليه السلام قدر فيه تقديراً ثُمَّ أعطى ما أعطى عنه وأبراؤه على ذلك هذا مما لا يصح عندنا إذا علم أن الحق المجهول داخل في التقدير؛ لأنَّه يصير معلوماً.
فإن قيل: هو اسقاط الحق فيجب أن يصح في المجاهيل كالطلاق والعتاق؟
قيل له: الصلح عقد يجري بينهما فليس بإسقاط محض.
مسألة
قال: ومن ادعى شيئاً فصولح على ما دونه جاز الصلح وإن صولح على أكثر منه لم يجز الصلح، أما الصلح على ما دونه فلا إشكال في صحته؛ لأنَّه يكون إبراء من البعض وذلك صحيح وإما إذا صالحه على أكثر منه فإنه لا يجوز؛ لأنَّه يكون ربواً؛ لأن الصلح إذا لم يتضمن محنى الإبراء فإنه يتضمن معنى البيع فكأنه باع الألف الذي هو له بألف وخمسمائة، وهذا لا يجوز؛ لأنَّه عين الربا.
فإن قيل: ألستم تجيزون أن يكون المستقرض يرد أكثر مما عليه فلم لا تجوزون الصلح على هذا الوجه.
قيل له: لأن الذي نجوزه نجوزه إذا لم يكن مشروطاً فأما إن شرط الريادة فهو حرام لا يجوز وهما إذا عقدا بينهما عقد الصلح فقد تشارطا الزيادة، وذلك يوجب كون العقد ربواً.
مسألة(134/6)


قال: وإن وقع الصلح بين الغريمين على شيء مبهم أو جزاف لا يعرف أنَّه بكيل ولا وزن جاز ذلك بينهما، وذلك أن بيع الجزاف من المكيل والموزون وغيرهما صحيح وما صح في البيع فلا إشكال في صحته في الصلح؛ لأن أقصى ما يكون م حال الصلح أن يكون مشبهاً بالبيع، ويجب أن يشترط فيه أن يكون الصلح عن المكيل والموزون عن مكيل وموزون من جنسه، يجب أن يعلم ما يصالح عليه مثل ما يصالح عنه؛ لأنَّه إن كان أكثر منه لم يصح؛ لأنَّه يكون بمعنى الربا فأما إن كان المصالح عنه غير مكيل ولا موزون أو كان المصالح عليه من جنسه صح ذلك، زاد أو نقص ويجب أن يراعى ما يصح في البيع أو يتضمن في إبراء البعض فعلى هذا يجري الباب فيه.
مسألة(134/7)


قال: ولو أن رجلاً مات وعليه دين فصالح بعض الورثة صاحب الدين عن نفسه وعن باقي الورثة بغير إذنهم صح في حصته ولم يصح في حصة باقي الورثة إما في نصيبه فهو ما لا إشكال فيه، ألا ترى أنَّه عندنا لو باع ما فيه نصيبه ونصيب غيره صح البيع في نصيبه، فكذلك الصلح وقوله ولم يصح في حصص الباقين معناه أنَّه لا يثبت ولا يقر ويجب أن يكون موقوفاً عندهم على إجازتهم، فإن أجازوه صح وإن أبطلوه بطل في حصصهم كالبيع إذا باع نصيب غيره أنَّه يكون موقوفاً على إجازة مالكه فإن أجاز صح البيع وإن أبطل بطل، قال: فإن ضمن لصاحب الدين ما صالحه عليه عن باقي الورثة غرم م ضمنه ولم يرجع على الورثة بما ضمن بغير أمرهم، وهذا إن كانوا قد أذنوا له في الصلح أو أجازوه بعد عقده ثُمَّ ضمن بغير آمرهم؛ لأن الضمان يصح بعد وجوب الحق هذا إذا أن الصلح بمعنى البيع، وقلنا: أن الضامن لا يرجع بما ضمن إذا كان ضمن بغير أمر المصالح عنه لما بيناه في باب الضمان وإن كان الصلح وقع على معنى الإبراء من البعض وضن المصالح الباقي بغير إجازتهم صح الضمان لذلك القدر، وإن بطل الصلح؛ لأن ذلك واجب عليهم، وهذا يدل على أن مذهبه أن الإبراء يصح إبطاله بالرد كما ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه؛ لأنَّه أطلق أن الصلح لا يصح إلاَّ بإذن المصالح عنه ومن حملة الصلح الإبراء، وهذا هو الإبراء الذي يقتضي التمليك، ووجهه أنَّه يتضمن معنى الهبة فيجب أن يصح فيه الرد كما يصح رد الهبة، فأما الإبراء الذي لا يتضمن التمليك كالطلاق والعتاق وإبراء الضامن وإبراء الشفيع وإبراء البائع من عيب يجده المشتري في السلعة فإن رده لا يصح؛ لأنَّه ليقتضي عمل كي شيء ولا يحصل له معنى الهبة، فيجب أن يكون واقعاً من غير اعتبار قبول الإبراء لم يبطل؛ لأن إبراء المضمون عنه يقتضي معنى التمليك وإبراء الضامن لا يقتضي إلاَّ إسقاط المطالبة.
مسألة(134/8)

78 / 122
ع
En
A+
A-