قيل له: ليس كذلك فإن المرأة لو ماتت قبل الدخول ثبت المهر واستقر، وكذلك لو صالح عن دم العمد وكان المصالح معدماً لم يرجع إلى القود وإنَّما يجب ذلك في مواضع بشرط بقاء المعاملة، فأما زوال المعاملة لحدوث ما يحدث لا يوجب فسخ ما تقدم على أنا قد اتفقنا أن الحق قد انتقل ع المحيل فلا يجوز رجوعه إليه إلاَّ بدلالة ولا دلالة.
فإن قيل: فالذمة الثابتة بدل عن الذمة الأولى بشرط قبض ما فيها؟
قيل له: عندنا في حكم المقبوض لذلك جاز لحاله ألف بألف.
فإن قيل: فأنتم تقولون أن المشتري إذا أفلس قبل توفير الثمن رجع البائع إلى عين ماله؟
قيل له: هذا لا يشبه ذلك؛ لأن المعاملة بين البائع والمشتري الذي أفلس لم تنقطع، ألا ترى أنَّه يطالبه بثمن السلعة، وإذا كانت المعاملة قاضمة فلا يمتنع من ورود الفسخ على العقد كتلف العبد قبل القبض أو حدوث عيب به قبل القبض على أنا لو قلنا أن القياس يوجب خلاف قولنا في المشتري إذا أفلس لكنا استحسنا فيه اتباع الأثر لم يكن ذلك بعيداً.
فإن قيل: أليس قد روى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أنَّه قال: (لا ترى على مسلم إذا أفلس المحال عليه رجع طالب الحق على الذي أحاله؟
قيل له: معناه إذا كان مفلساً في حال الحوالة وقربة المحتال للأدلة الَّتِي قدمناها وعلى هذا أيضاً يحمل ما روي عن عثمان من قوله لا ترى على مسلم بين صحة هذا التأويل أن الحق عندنا لم يبق على المحتال؛ لأنَّه بقول الحوالة في حكم المستوفي حقه، وإنَّما عرض التوابع استيفاء الحق حكماً وذلك لا يعتبر به يكشف ذلك أيضاً أنَّه لا خرف أن المحيل إذا مات قبل استيفاء المحال حقه يقسم ما له على ورثتهن فدل ذلك على انقطاع حقه عنه، ألا ترى أن المضمون عنه لو مات قبل استيفاء المحال حقه يقسم ما له على ورثته، فدل ذلك على انقطاع حقه عنه، ألا ترى أن المضمون عنه لو مات لم يقسم ما له ما لم يبض صاحب المال.
مسألة(133/15)
قال: ولا يجوز الضمان في الحدود، ووجهه أن الضمان وضع للاستيثاق كي يتوصل به إلى استيفاء الحقوق وأمر الحدود موضوع على خلاف ذلك؛ لأنها تدرأ الحد عنه على ما ورد به الأثر، فإذا كان ذلك كذلك فلا معنى فيها للضمان؛ ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: <الزعيم غارم وضامن الحد لا يجوز أن يغرمه>، فثبت أنَّه ليس بزعيم فيه.
مسألة
قال: وضمان العبد المأذون له في التجارة جائزة، قال في الأحكام: ضمان العبد المأذون له في التجارة جائز ولهم لازم، فكان تحصيل ذلك أنهم إذا ضمنوا جاز ضمانهم إلاَّ أنهم لا يطالبون به حتى يعتقوا؛ لأنَّه كما قال هو لهم لازم بعد قوله: ضمانهم جائز، دل على أن المراد به أن اللزوم لا يتعداهم؛ لأنهم لو طولبوا به في حال الرق كان ذلك لازماً مواليهم؛ ولأن ذلك ليس من التجارة في شيء بل هو تبرع أو استهلاك المال مولاه، فيجب أن لا يطالب به، ألا ترى أن الضمان ليس بأؤكد من الاستقراض ولو استقرض عبد مالاً لم يلزمه الأداء حتَّى يعتق، فأما لزومه إذا عتق فلأنه ألزم نفسه، ألا ترى أنَّه كالحر وإنَّما يجب تأخير مالبته؛ لأنَّه لا يملك شيئاً ولم يأذن له مولاه في استهلاك ماله.(133/16)
باب القول في الصلح
الصلح جائز في الحقوق والأموال من الرجال والنساء إذا كانوا بالغين، والأصل في جواز الصلح قول الله تعالى: {وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهِا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَصَّالَحَا}، بينهما صلحاً ثُمَّ استأنف، فقال عز وجل: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}، وهذا عام في جميع الصلح، وقال عز وجل: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوْيْكُمْ}، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رواه أبو بكر الجصاص أنَّه قال لبلال بن الحارث: <اعلم أن الصلح جائز بين المسلمين إلاَّ صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً والمسلمون على شروطهم إلاَّ شرطاً حرم حلالاً>، فدل ذلك على جواز الصلح والشرط وقعا على موافقة الأصول ومقتضى الشريعة، وروي عن أبي بكر الجصاص، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: <الصلح جائز بين المسلمين>، فدلت هذه الآيات وهذه الأخبار على جواز الصلح فيما ذكرنا من الأموال والحقوق بين الرجال والنساء ما لم يقع على وجه يمنع منه الأصول ودلائل الأصول.
مسألة(134/1)
ويجوز الصلح في الحدود والأنساب ولا في تحليل ما حرم الله ولا تحريم ما أحل الله، إنَّما قلنا أن الصلح في هذه الأشياء لا يصح؛ لأن الصلح يجري مجرى البيع أو يجري مجرى الإبدال وشيء من ذلك لا يصح في الحدود والأنساب، البيع فيها لا يصح ولا يصح الإبراء في شيء من ذلك مستحق ولا يصح بدل شيء من ذلك غير مستحق، فصح أن الصلح فيها غير جائز وعلى هذا تحريم الحلال وتحليل الحرام إذا كان الصلح لا يغر حكم الشيء؛ لأن الحلال قد يحرم بالصلح والحرام قد يحل بالصلح، كأن يصالح الرجل عن دار بجاريته؛ لأنَّ ذلك ي معنى البيع فتحل الجارية للمصالح بعد أن كانت حراماً، وتحرم على حدهما بعد أن كانت حلالاً، وإنَّما المراد بذلك هو أن يصالح على ما جرى مجرى الزنا أو على أن يمكن الخصم من وطء جارية خصمه مدة وما أشبه ذلك، وهذا ما لا خلاف فيه، وقد ورد النص فيه حيث يقول صلى الله عليه وآله وسلم: <إلا صلحاً حرم حلالاً أو أحل حراماً.
مسألة(134/2)
قال: ولا يجوز الصلح على الإنكار، وبه قال الشافعي وابن أبي ليلى، وقال أبو حنيفة وأصحابه ومالك: هو جائز، والذي يدل على ما قلنا قول الله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ}، وهذا من أكل المال بالباطل؛ لأنَّه يعطيه تفادياً من الأداء، وقوله: <إلا صلحاً حرم حلالاً أو أحل حراماً>، وأخذ المال ممن يتفارى به من الأذى حرام، وهذا الصلح يقتضيهن فوجب أن لا يكون جائزا، ولا خلاف أن بعض الظلمة لو صادت بعض الناس على مال معلوم فصالحه على بعضه أنَّه لا يحوز وأن المال لا يحل للآخذ وأن للمعطي الرجوع فيه ما أمكنهن فكذلك الصلح على الإنكار بعلة أنَّه أعطاه تفادياً من الأذى من غير سبب يوجبه، يكشف ذلك أنَّه بمعنى الرشوة الَّتِي تعطى لقطع الأذى إما لأن يكف أذاه في منعه الواجب أو إيصال الظلم إليه، وهذا سبيل الصلح عن الإنكار على أن عقد الصلح عقد معا وفيه؛ لأنَّه يبدل شيئاً عوضاً عن آخر، فإذا لم يكن هناك شيء يصح أن يعوض عنه كان باطلاً لبيع الهوى والربح وما أشبه ذلك.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون ما يبدل يبدله على قطع الخصومة؟
قيل له: ذلك لا يصح؛ لأنَّه لو كان كذلك لوجب أن يحكم بالمال على المدعى عليه إن أقر بعد ذلك لو كانت الدعوى في سلعة، فصح كونها في يد المنكر بعد الصلح، فوجب أن يؤخذ منه ولوجب أن تسمع البينة بعد ذلك، ألا ترى أن اليمين لما كانت لقطع الخصومة سمعت البينة بعدها، كذلك الصلح لو كان على قطع الدعوى لوجب أن تسمع البينة بعده ولو كان ذلك كذلك لم يجب إذا صالحا عن الدراهم بالدنانير إلاَّ يفترقا قبل القبض، فكل ذلك يبين فساد قول من قال: إنَّه مأخوذ على قطع الدعوى.
فإن قيل: دخوله في الصلح يجري مجرى الاعتراف بجوازه؟
قيل له: كيف يجري مجرى الاعتراف بجوازه وهو منكر ولو وجب ذلك لوجب لمن دخل في صلح المصادرة أن يكون ذلك منه يجري مجرى الاعتراف بجوازه.
فإن قيل: الآخذ هناك معترف بالظلم؟(134/3)