قيل له: نحن إنَّما قلنا ذلك في محض الضامن، وهذا الضمان بمعنى الحوالة، وقد بينا أن الحوالة من حماها أن تسقط الحق عن الأصل بتحويله إلى المحال عليه وبينا أن الحوالة هي انتقال الحق عن ذمته إلى ذمته، وإن الضمان الخالص هو توكيد ذمته بأخرى فلا يلزم ما سألت، وهذا يوجب صحته البراءة المعلقة على الشرط مثل صحته بالضمان المعلق على الشرط؛ لأنَّه يصحح براءة من له الحق ممن عليه بشرط ضمان الضامن، ألا ترى أنَّه لو قد أبرأت من عليه الحق على أن يضمنه فلم يضمنه لم تقع البراءة، وهذا يدل على أن الحوالة تصح بغير إذن المحيل إذا رضي بها المحتال، والقابل للحوالة وبه قال أبو حنيفة وأصحابه؛ ولأنه لا يرجع القابل على صاحب الحق على ما تقدم بيانه، والله أعلم.
مسألة
قال: ولو أن رجلاً قال لآخر إن لم يوفد عليك غير يمك هذا حقك يوم كذا فهو عليّ ككان ذلك ضماناً صحيحاً على ما شرط، ووجهه أن الضمان يصح مع الخطر وعليه يدل إجازة يحيى عليه السلام شركة المفاوضة؛ لأنها تتضمن ضمانات مجهولة في أوقات مجهولة على أخطار مجهولة، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، والأصل فيه ما أجمعوا عليه من جواز ضمان الدرك؛ لأنَّه خطر ربما استحق المبيع وربما لم يستحق ولا يغرف أيضاً وقت الاستحقاق، فإذا ثبت ذلك مع الأخطار ثبت مع المجهول وإلى أوقات مجهولة كالطلاق والعتاق، وذهب أصحاب أبي حنيفة إلى أن الآجال المجهولة يجب أن يكون لها أسباب تتعلق بالمال والأداء حتَّى تصح، فإذا لم تتعلق لم يصح ذلك، كأن يقول: إلى أن يجيء المطراف تغيم السماء أو يطير الطائر أو ما أشبه ذلك، وليس ذلك ببعيد، والله أعلم، وإنَّما أجازوا ذلك إذا قال إلى وقت الدياس أو ورود القافلة وما أشبه ذلك؛ لأن ذلك مما يجوز أن يتعلق به إمكان أداء المال.
مسألة(133/10)


قال: ولو أن رجلاً كان لرجل عليه مال فأحاله على آخر فرضي به صاحب المال كان ذلك حوالة صحيحة وظاهر هذا الكلام يدل على أن الحوالة تصح بالمحيل والمال من غير اعتبار رضى المحال عليه، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا بد ن رضى المحال عليه واختلف أصحاب الشافعي على ما حكاه ابن أبي هريرة فمنهم من قال: لا بد من رضى المحال عليه، ومنهم من قال: تصح بغير رضى المحال عليه، قال: وهذا هو الصَّحيح، ووجه ما قلناه أن صاحب الحق ملك حقه الذي في ذمة من عليه الحق فليس له منعه من التصرف فيه كما أن العبد لما ملكه مالكه لم يكن له أن يمنعه من التصرف فيه ببيعه ممن شاء أو أجارته فيما شاء وكما أن من استأجر داراً ليسكنها أو دابة ليكبها لم يكن لصاحب الدار منعه من إسكان غيرهن وكذلك صاحب الدابة ليس له منع من إرتكاب غيره، ولأنه لو وكل وكيلاً يقبضه منه إن شاء أو يصالحه أو يبريه، فلا خلاف أنَّه ليس له أن يمتنع من توفيره عليه، فكذلك المحتال؛ لأنَّه في هذه الأمور جار مجرى الوكيل على أنَّه لا خلاف بيننا وبين أبي حنيفة في صاحب الحق لو وهب ما له للضامن وقبله أنَّه يصح وأنه يصير حقاً للضامن يطالب به المضمون عنه، فكذلك المحتال يجب أن يثبت حقه في ذمته بغير رضاه؛ لأنَّه ليس أكثر من تحويله حقه الذي في ذمة غريمه إلى غيره على أن الأصل في الحوالة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <مطل الغني ظلم، وإذا احتيل أحدكم على مليء فليحتل>، وفي بعض الأخبار <فليتبع>، فذكر صلى الله عليه وآله وسلم المحيل والمحتال ولم يشترط رضى المحال عليهن فدل ذلك على أن الحوالة تصح بغير رضى المحال عليه.
فإن قيل: لا تصح الحوالة إلاَّ بقبول المحال عليه؛ لأنَّه لا يجوز المحيل إثبات دين في ذمة المحال عليه إلاَّ برضاه؟(133/11)


قيل له: المحيل ليس يثبت في ذمته ابتداء الدين بل الدين ثابت فيها، وإنَّما ينقله عن نفسه إلى غيره، وليس تحقيقه إلاَّ تسليط المحتال عليه بالاستيفاء أو الصلح أو الإبراء أو التأجيل وكل ذلك بينا أنَّه يصح لصاحب الحق التوكيل فيه وليس بين التوكيل والحوالة فصل إلاَّ انقطاع حق المحيل وثبوت حق الموكل، فإذا كان المطالب واحداً كان أرفق به، فكيف يسوغ ذلك من غير اعتبار رضاه في الأغلظ ولا يسوغ في الأرفق؟ وحكي عن صاحب الظاهر أنَّه قال: إذا أحيل على ملي فليس له أن يمنع من القبول، فكأنه أثبت الحوالة من غير رضى المحتال، وذلك لا يصح؛ لأن لت أن لا يبرأ الذمة الَّتِي فيها حقه ولا ينقله إلى غيرها؛ لاختلاف أحوال الأعيان، وكذلك لا يجوز أن يكره على نقل حقه إلى بدل سواه فكذلك إلى ذكر سواها.
فإن قيل: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: <من أحيل على ملي فليحتل>، يدل على وجوب ذلك عليه، وإذا وجب أجبر عيه؟
قيل له: ليس ذلك بإيجاب، ولكنه إباحة بالأدلة الَّتِي بيناها، وبدلالة قوله صلى الله عليه وآله وسلم: <لا يحل مال امرء مسلم إلاَّ بطيبة من نفسه>، فليس للمحيل أن يستحل مال صاحب الحق إلاَّ برضاه.
فإن قيل: فما معنى الإباحة، ومن المعلوم أن للناس أن يتصرفوا في حقوقهم على التراضي؟
قيل له: لو لا الإباحة كان ذلك ممنوعاً منه لما روي من نهيه عن بيع الكالئ بالكالئ؛ لأنَّه كان يكون بيع دين بدين، وتحصيل مذهب يحيى عليه السلام في الحوالة أنَّه لا بد من رضى المحتال ورضى أحدهما من المحيل والمحتال عليه، وقد مضى الكلام عليه في جميع ذلك إلاَّ أن المحال عليه لو التزم الحوالة ورضي المحتال بغير رضى المحيل، فإنه ر يرجع على من قبل الحوالة عنه كالضامن يقبل دون المضمون عنه، وكذلك إن كان علم شيء كان بحاله.
فصل(133/12)


قال في الفنون: إن فرّ المحتال بأن المحال عليه غنيّ فوجده مفلساً فله أن يرجع، وبه قال مالك، وحكي أيضاً عن ابن شريح، ووجهه أنَّه رضي أن يتحول حقه من ذمة إلى ذمة فإذا وجد فيها عيباً كان له الخيار كما أنَّه لو رضي يحول حقه إلى سلعة فوحدها عيباً كان له الخيار، وأيضاً الحوالة عقد معاوضة؛ لأن المحتال يعتاض بما في ذمة المحال عليه عما كان له في ذمة المحيل، فيجب أن يكون له منح في الرد بالعيب.
مسألة
قال: وينتقل حق المحتال عن المحيل إلى المحال عليه ويبرأ منه المحيل، أما ثبوت الحق عن المحال عليه فلا خلاف فيهن ولا خلاف في براءة المحيل إلاَّ ما يحكى عن زفر أنَّه جعل الحوالة كالضمان في أن المحيل لا يبرأ من الحق والدليل على ما قلناه: قوله صلى الله عليه وآله وسلم، وإذا أحيل أحدكم على ملي فليحتل باشتراطه الملأة، يدل على براءة المحيل؛ لأنَّه لو لم برأ لم يكن على المحتال ضرر في كونه مفلساً كالضامن، وأيضاً اسم الحوالة مشتق من التحول، فدل على ذلك أن الحق قد تحول عنه، وروي عن علي عليه السلام أنَّه كان عليه لجد سعيد بن المسيب واسمه على ما قيل حزن حق فسأل علياً أن يحيل به على رجل كان لعلي عليه السلام حق ففعل فلم يصل إلى ما له من جهة الرجل فجاء إلى علي عليه السلام، فقال علي عليه السلام: اخترت علياً غيرنا أبعدك الله فلما قال ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم علم أنَّه كان معلوماً أن الحوالة توجب نقل الحق من المحيل إلى المحال عليه.
مسألة(133/13)


قال: فإن أفلس المحال عليه كان صاحب المال أسوة الغرماء ولم يكن له سبيل على المجيل، وكذلك إن أنكر المحال عليه فلم يكن لصاحب المال عليه على إنكاره ثُمَّ يرجع إلى المحيل بشيء وبه قال الشافعي، قال أبو حنيفة وأصحابه: رجع إذا نوى المال على المحتال بإنكار المحال عليه وحلفه عند الحاكم إذا لم يكن للمحتال بينة أو موته مفلساً زاد فيه أبو يوسف ومحمد أو فلسه الحاكم، ووجه ما ذهبنا إليه أن حقه قد انتقل من المحيل ولم يبق بينه وبين معاملة، فوجب أن لا يرجع عليه إليه لحدوث ما يحدث بعده، دليله لو اشترى صاحب الحق ممن عليه الحق عبداً بماله عليه وقبضه ثُمَّ تلف لم يكن له الرجوع على البائع.
فإن قيل: عروض هذا إن مات العبد قبل القبض؟
قيل له: ليس ذلك كذلك؛ لأن العبد إذا تلف قبل القبض يتلف والمعاملة بينهما بعد باقية؛ لأنَّه يطالبه بتسليم ما إعتاض عن حقه، وليس كذلك الحوالة؛ لنه لم يبق بينهما مطالبة بأمر يتعلق بذلك الحق فأشبه ذلك تلف العبد بعد القبض وبعد انقطاع المعاملة بينهما.
فإن قيل: قال صلى الله عليه وآله وسلم: <إذا أحيل أحدكم على ملي فليحتل أو فليتبع>، فأمر بالإتباع بشرط الملأة فإذا زالت الملأه فلا يجب أن يتبع؟
قيل له: ظاهر الخبر يوجب كونه ملياً في حال الإحالة؛ لأنَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال: <إذا أحيل أحدكم على ملّي فليتبع>، ولم تشترط الملأة في سائر، ونحن لو استدللنا بالخبر كنا أسعد، وصح الاستدلال به؛ لأنا نقول أنَّه أحيل به على ملّي فعليه اتباعه بقي على حاله وأفلس، وأيضاً لا خلاف بيننا وبينهم أن الحوالة قد أوجبت نقل الحق عن المحيل.
فإن قيل: العقود كلها مبنية على شرط سلامة الأبدال؟(133/14)

76 / 122
ع
En
A+
A-