باب القول في الوكالة
إذا وكل الرجل وكيلاً في أمر م أموره أو خصومة من خصوماته فكل ما لزم وكيله في ذلك من حق لزمه، ووجب عليه بوجوبه على وكيله، والوكالة مما لا خلاف فيها بين المسلمين منذ عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى يومنا هذا وهي ما أقر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأمة على ذلك كما أقر على الشركة والمضاربة.
وقد دل القرآن على ذلك قال الله عز وجل حاكياً عن يوسف عليه السلام: {اجْعَلْنِيْ عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضَ إِنِّي حَفِيْظٌ عَلِيْمٌ}، وذلك ضرب من الوكالة، قال أيضاً لِفتيانه : {اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِيْ رِحَالِهِمْ} مثله أيضاً، وقال: عز وجل في قصة أصحاب الكهف: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِيْنَةِ}..إلى آخر الآية، وهو من التوكيل وفي حديث عروة البار في وحكيم بن خزام أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دفع إلى كل واحد منهما ديناراً يشتري له به شاة، حديث أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمرني أن أقضي رجلاً يكره ولك ذلك من التوكيل، وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أنَّه وكل الخصومة إلى عبد الله بن جعفر وقال: ما قضى له علي وما قضى عليه فعلي وقد كان قبل ذلك وكل الخصومة إلى قعيل بن أبي طالب حتَّى توفي وما قلناه أن ما لزم الوكيل لزم الموكل، مما لا خلاف فيه من نحو الشراء والبيع وغير ذلك، فكذلك الخصومات وقد دل عليه قول علي حين وكل عبد الله بن جعفر ما قضى له فلي وما قضى عليه فعلي قال وليس للوكيل أن يوكل إلاَّ أن يكون الموكل إذن له في ذلك هذا أيضاً مما لا خلاف فيه؛ لأن الوكيل يتصرف بأمر الموكل وينوب عنه منابة بحسب ما أمره وليس يجب أن يكون التوكل بالبيع والشراء والقبض وغير ذلك أمراً له بتوكيل غيره كما أن التوكيل بالبيع ليس هو توكيلاً بالشراء والتوكيل بالشراء والقبض وغير ذلك أمراً له بتوكيل غيره كما أن التوكيل بالبيع ليس هو(132/1)


توكيلاً بالشراء، والتوكيل بالشراء ليس هو توكيلاً بالبيع في الخصومة، فكذلك بالشيء الواحد ليس توكيلاً بغيره إلاَّ أن يأذن في ذلك فيكون له التوكيل؛ لأن إذنه له في ذلك توكيل له بالتوكيل متى رأى، قال: والوكالة جائزة في البيع والشراء والقبض والنكاح والطلاق وغير ذلك وكل ذلك لا خلاف فيه، وقد مضى بيانه.
فصل
قال في الفنون في من ادّعى امرأة أنها زوجته والمرأة منكرة أنها توكل إن شاءت أو تحضر الحاكم وتناظر إن شاءت فجعل الخيار لها دون الخصومة، فدل ذلك من مذهبه أنَّه لا يراعى رضى الخصم إذا أراد خصمه إن يوكل عليه وبه قال أبو يوسف ومحمد والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يوكل إلاَّ برضى الخصم إلاَّ أن يكون الموكل مريضاً أو غائباً والأصل في هذا ما رويناه عن علي أنَّه وكل عبد الله بن جعفر خصوماته وكان قد وكل قبل ذلك عقيلاً من غير اعتبار رضى الخصم ولم يكره أحد فيذلك العصر فجرى ذلك مجرى الإجماع على أن للخصم أن يوكل في الخصومة من غير اعتبار رمى الخصم.
فإن قيل: لعله وكل برضاء الخصم.
قيل له: لم يرو ذلك عن أحد بل هو ممتنع؛ لأنَّه عليه السلام وكلهم جملة في خصوماته لا في خصومة معينة ولا يجوز أن يراعى رضى من لم يصر بعد خصماً وأيضاً قد ثبت أن الوكيل ينوب مناب الموكل ويقوم مقامه فليس لخصمه أن يمتنع منه؛ لنه يكون موفياً له حق الخصومة؛ دليله لو خاصم بنفسه لم يكن له لخصمه أن يطالب بالتوكيل.
فإن قيل: الخصومة حق توجه للخصم على خصمه بدلالة أن الحاكم يحضره لها ويحول بينه وبين أشغاله بسببها، وإذا توجه الحق عليه لم يكن له أن يجعله إلى غيره.
قيل له: ولم قلتم ذلك وما الدليل عليه بل الأمر بخلافه؛ لأن حقه استيفاء الخصومة عليه، فإذا استوفاها عليه لم يبق حق، ألا ترى أن من كان له على زيد مال فوكل غيره بتوفيت المال لم يكن له أن يمتنع من استيفائه منه، كذلك حق الخصومة وهذا مما ليجوز أن يجعل ابتداء الدليل.(132/2)


فإن قيل: على الحاكم أن يسوي بين الخصمين وليس من التسوية بين الخصوم حضور أحدهما وابتداله للخصومة وقعود الآخر في منزله.
قيل له: الذي يجب على الحاكم أن يسوي بينهما بأن يمكنهما من التساوي، فإن اختار أحدهما ترك المساواة لم يلزم الحاكم شيء، ألا ترى أن على الحاكم أن يسوي بين مجلسيهما فإن اختار أحدهما أن يجلس دون خصمه، وإن يرفع خصمه على نفسه لم يمنع الحاكم من ذلك كذلك مسألتنا؛ لأن الحاكم قد مكنهما من التوكيل فإن اختار أحدهما أن يتبدل ويخاصم بنفسه لم يلزم الحاكم شيء ولا يكون خارجاً عن أن يكون مسوياً بينهما، ويقال لهم: ليس للحاكم أن يضر بأحد من الخصوم ولو لم يقبل الوكالة لأدى إلى أن يحتاج ألاَّ يكن المستضعف أن يخاطب الخطيب المصقع من قصوره عنه، وذلك أضرار به فيجب أن لا يمنع ن التوكيل رضي أم أبى على أنَّه ليس للحاكم أن يمنع أحداً من الاحتياط لنفسه إذا رأى ذلك احتياطاً.
مسألة
قال: وللموكل أن يعزل وكيله متى شاء، وهذا مما لا أعرف فيه خلافاً؛ لأن الوكالة لا حد، وإنما هي حقه فله أن يبطلها متى شاء كما له أن يبطل سائر حقوقه الَّتِي لا يتعلق بها حق الغير وقد قيل أنَّه يشبه الإباحة بأن للمبيح أن يرجع في الإباحة متى شاء كان يبيح غيره سكنى داره ولبس ثياب أو تناول طعامه، قال: فإذا عزله وقد مضى منه شيئاً لم يفسخ ما أمضاه وكان جائزاً وله من الأجرة بمقدار ما عمل وذلك أن ما عمل على أمره فلم يجب أن يكون مفسوخاً واستحق أجرة عملهن قال: فإذا خالف الوكيل لم يلزم الموكل ولم يستحق الوكيل أجرة ما عمل ؛ وذلك كأن يشتري عبداً بألف وقد وكله بشراه بخمسمائة أو يبيع عبداً بألف وقد أمره أن يبيعه بألفين، فهذا لا يلزم الموكل؛ لأنَّه لم يكن وكيلاً له فيما فعل ولا يستحق أجرة؛ لأنَّه لم يفعل ما هو وكيل فيه وإنما فعل ما لم يوكله فيه، وهذا يجري مجرى أن يبتدئ عملاً من غير أمر الموكل.
مسألة(132/3)


قال: وإذا وكّل رجل رجلاً ببيع مال أو شراؤه أو قبض دين ثُمَّ فسخ وكالته ولم يبلع الوكيل ذلك، فأمضى ما وكل فيه قبل أن يبلغه عزله جاز له إمضاؤه وفذ، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وهذا أحد قولي الشافعي وبه قال بعض الإمامية، ووجهه أنَّه بمنزلة أوامر الله تعالى ونواهيه في أن أحكامها تتعلق بنا بأن نعرفها دون وجودها في ذواتها، فكذلك العز؛ لأنَّه نهى عن التصرف على وجه يتعلق بنا حقوقه وأيضاً قد ثبت أن من أباح له سكنى داره ولبس ثيابه فإنه لا يأثم بسكنى الدار ولبس الثياب ما لم يعلم أنَّه محظور عليه وأن صاحبهما لو حظر ذلك لم يخرج منحكم الإباحة حتَّى يبلغ الحظر، فكذلك الوكيل؛ لن الوكيل مأمور فهو في حكم المأمور حتَّى يبلغ النَّهي وأيضاً لو لم نقل ذلك كنا أدخلنا الضرر على الوكيل؛ لأن من وكل غيره بشراء شيء لو اشتراه بعد العزل وقبل العلم به فيجب أن يلزم الشراء لو لم يلزمه الموكل وإن كان هذا ضرراً على الوكيل؛ لأنَّه يشتري مالاً يريد شراه لنفسه ولا يمكنه الاحتراز من ذلك، وكذلك يدخل الضرر على من ع÷مله؛ لأنه لو اشت ى ےنه¾دïراً هو وكيے ببيعهماےوسلمها وسےüها¯ïلمشتري كناےنےزےه كرى ےلےث ïو أےےلنا بيےهن وïذا ضرر يدخل½عليے~
مسçلة(132/4)


قال:>فإےےلےے العزل من ےهےےےجلين أو رجلîواحد ےےم يقبلهûûِ ےمضىےما وكلبه ےے ذهك مردوداً، قےے ےبو حنيفة: ےن ےےغه من جهة رج يِ أےےےجل عدل ےا÷ مكزولاً فےےترے أےےيےون للمخبر أحدے صفي الشهادة أما العدالة، قال أبو يوسف ومحمد: إذا بلغه خبر العزل من أي مخبر كان صار معزولاً بعد أن يكون الخبر صدقاًً، وقول أصحابنا إلى قول أبي يوسف ومحمد أقرب؛ لأنهم لم يشترطوا العدالة في الواحد، والأصل فيه أنَّه يجب أن يجري مجرى أخبار المعاملات والأقرب عندي، والله أعلم، أنَّه يراعى فيه غالب الظن فمتى أخبره بخبر يغلب على ظنه صدقه صار معزولاً، والخلاف في خبر الشفعة على هذا الوجه أيضاً، ولم يكن غرض يحيى عليه السلام حين قال رجل أو رجلان: تحقيق ذلك في العدد، وإنما هو تنبيه على أن الخبر إذا بلغه صار معزولاً من أي وجه بلغه، وإنما قلنا أن غالب الظن يراعى ي أخبار المعاملات؛ لأن أخبار المعاملات يثبت إلاَّ مع غالب الظن، ألا ترى أن إنساناً لو حمل شيئاً على سبيل الهدية إلى رجل عن غيره فغلب على ظنه أنَّه يكذب فيما يقول وعجن لم يحمل الانتفاع به، وكذلك المودع من أخبره أن المودع أمره أن يتصرف في الوديعة ضرباً من التصرف وغلب على ظنه كذبه لم يحل التصرف فيه، وعلى هذا خبر الإذن في دخول الدار، فكذلك ما قلناه في ذكر أصحاب أبي حنيفة أن الوكيل يثبت بقول واحد وإن لم يكن عدلاً ولا يثبت العزل؛ لأنَّه أؤكد من التوكيل؛ لنه يوجب ضماناً لم يكن؛ لأنَّه يوجب ضماناً لم يكن؛ لأن المتصرف بعد العزل يضمن، فيقال لهم: يجب أن يكن التوكيل أؤكد؛ لأنَّه يسقط ضماناً ثانياً ويبيح تصرفاً محظوراً فخبره إلى التأكيد أحوج؛ لأن من تصرف في مال غيرهن فالأصل أنَّه يضمن، ومخبر التوكيل يسقط عنه وذلك ولأن خبر الإباحة وخبر الحظر إذا اجتمعا كان خبر الإباحة محتاجاً إلى التأكيد؛ لأنهما لو تساويا كان خبر الحظر أولى فبان أن اعتبار أصحاب أبي حنيفة في هذا فاسد على(132/5)

72 / 122
ع
En
A+
A-