قال: وإن رأى الحاكم أن يستحلف الشهود احتياطاً جاز ذلك أن عرض له في أحوالهم عارض شك، وكذلك أن رأي تفريقهم وسماع الشهادة من كل واحد منهم منفرداً أحوط كان ذلك له فإن اختلفت أقاويلهم أبطل شهادتهم أما تفريق الشهود فلا أعرف فيه خلافاً في أنَّه يجوز إذا رأى الحاكم ذلك احتياطاًً وقد روي ذلك عن علي عليه السلام؛ ولأن الحاكم منصوب لأن يحتاط للمسلمين بما يمكنه ما لم يؤد ذلك إلى الإضرار بأحد الخصمين فله أن يأتي في ذلك ما يغلب في ظنه أنَّه هو الاحتياط فإنه لا مضارة فيه لأحد الخصمين وإذا ثبت ذلك كان التحليف محمولاً عليه في أن الحاكم يأتي ما يراه من ذلك احتياطاً.
مسألة
قال: وتجوز شهادة الصبيان بعضهم على بعض فيما بينهم من الشهاد ما لم يتفرقوا فإذا تفرقوا لم يجز وبه قال مالك: وحكي عن ابن أبي ليلى، أيضاً قبول شهادة بعضهم على بعض من غير ذكر التفصيل ومنع أبو حنيفة وأصحابه والشافعي قبولها وهو مروي عن علي عليه السلام وقوله عندنا متبع.(131/43)


قبول الشهادات مبني على حسب الضرورات، ألا ترى أن الحدود لما لم تكن في إقامتها ضرورة لم تقبل فيها إلاَّ شهادة الرجال فقط والأموال والحقوق لما كثرة فيها الضرورات قبل فيها شهادة النساء مع الرجال وقبل فيها الشاهد واليمين عندنا وعند الشافعي والشهادة على الشهادة، وأما الاستهلال وأمراض الفروج لما ادعت الضرورة فيها إلى قبول شهادة النساء وحدهن قبلت شهادتهن منفردات عن الرجال؛ لأن العادة الغالبة أنهن لا يحضرن الرجال في هذه الحالة وكذلك عندنا وعند أبي حنيفة يقبل شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض وكان ذلك كذلك حلن العادة الغالبة أنهم في معاملاتهم ومناكحاتهم وأكثر عقودهم ولا يحضرهم المسلمون، فكذلك شهادة الصبيان بعضهم على بعض في الشجاح وما يجري مجراها يجب أن تكون مقبولة للضرورة إلى ذلك قياساً على ما ذكرنا من شهادة النساء وشهادة أهل الذمة، والعلة أنهم فرقة والعادة الغالبة أنهم لا يحضرهم غيرهم في ملاعنتهم ومخاصمتهم، وحكي عن كثير من العلماء جواز شهادة أهل الذمة على وصية المسلم في السفر للضرورة وإنما قلنا أن شهادتهم بعد التفرق لا تقبح لأنهم غير متهمين قبل التفرق على مجرى العادة ويتهمون بعد التفرق؛ لأنَّه لا يؤمن أن يلقوا غير ما جرى فيتلقنوا.
فإن قيل: أن من حكم الشهادة أن لا تقبل إلاَّ من العدول والصبيان لا يصح أن يقال فيهم أنهم عدول؟(131/44)


قيل له: معنى العدل هو المستقيم ومن ظن به أنَّه لم يمل عن الاستقامة فيما يقول يكون قد حصل له معنى العدل في ذلك الشيء وإن كان لا يطلق عليه اسم العدالة، وكذلك من حكم الأخبار أن لا نقبلها إلاَّ ن العدول ثُمَّ نقبل أخبار المعاملات والهدايا وما أشبهها للضرورة ممن لا تطلق فيهم اسم العدالة؛ لأن لإطلاق اسم العدالة شروطاً أو جبتها الشريعة، ألا ترى أنا نقبل شهادة اليهود بعضهم على بعض إذا كانوا على الاستقامة في الأفعال بل من الصبيان ونحوهم إذا ظننا بهم الاستقامة والصدق فيما يخبرون، فلا يمتنع أن يكون ذلك حال شهادة الصبيان فيما يجري بينهم.
مسألة
قال: ولو أن رجلاً قال: لإنسان لا تشهد عليّ بما تسمع مني ثُمَّ جرى في كلام إقرار بحق لإنسان جاز له أن يشهد عليه، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه؛ لأنهم يجيزون شهادة المختبئ، وهذا في معناه، وعن مالك أنَّه أجاز ذلك في القذف والطلاق، وحكي عنه منع ذلك في المعاملات ونحوها، وعن ابن شبرمة أنَّه لم يجوز ذلك، والأصل في ذلك قول الله عز وجل: {إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}، وقوله: {وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا}، وما فكل من علم شيئاً جاز له أن يشهد به ما لم يمنع منه مانع، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: <إن علمت مثل هذه الشمس فاشهد وإلا فلا>، فأمر بإشهاده متى علم ومن سمع الإقرار علمه فله أن يشهد به ولا يؤثر فيه الاشهاد، وقول المقر: لا تشهد.
فإن قيل: روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم: <يجيء قوم يشهدون ولا يستشهدون وينذرون ولا يوفون>.
قيل له: يحتمل أن يكون المراد أنهم ليشهدون من غير أن يعلمون ويحتمل أنهم لا يستشهدون لظهور جرحهم وفسقهم فيكون الذم حاصل بقوله: <ولا يستشهدون دون قوله يشهدون كما أن الذم حاصل في قوله ولا يوفون دون قوله: <ينذرون>.
فإن قيل: فقد روي ثُمَّ يجيء قوم فنسبوا شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهدته.(131/45)


قيل له: يحتمل أن يكون المراد أنهم يستهينون بالشهادات والأيمان من غير ثبت وتورع، وقد قال الله تعالى: {وَأَقِيْمُوا الشَّهَادَةَ للهِ}، وقال: {وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ}، وقال: {وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللهِ إِنَّا إِذاً لَمِنْ الآثِمِيْنَ}، فكل ذلك يوجب أن من علم شيئاً وكان في كتمانه ضرر وظلم يلحق أحداً من الناس فلا يحل له كتمانه، وأيضاً قد ثبت أن العقود والإقرارات حكمها ثابت غير مغتفر إلى تثبيت الحكام فأشبه الغصب والقتل في أنَّه يسمع ما شهد ذلك وعلمه أن يشهد به وإن لم يشهدوه الغاصب والقائل، وليس كذلك الشهادة على الشهادة؛ لأن الشهادة لا حكم لها بنفسها حتَّى يحكم بها الحاكم فلا يجوز أن يشهد على شهادة شاهد حتَّى يشهد ويعلمه الشهادة.
فصل
كان أبو العباس الحسني يقول في معنى قوله أن القاضي لا يقضي لأحد الخصمين حتَّى يسمع كلام الآخر ويثبت في حججهما أن التثبيت في الحجج يقيد البحث عن عدالة الشهود وهو قريب كما قال؛ لأن العلماء مجمعون على ذلك ولا يحكى الخلاف فيه إلاَّ عن أبي حنيفة، فإنه كان يقول المسلمون كلهم عدول، قال أبو بكر، قال أبو حنيفة: هذا القول في أهل عصره؛ لأن الغالب على أحوالهم كانت السلامة والعدال، فأما الآن فلا بد ن التعديل للشهود، والأصل فيه قول الله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}، وقال عز وجل: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ}، فلا بد من أن يعلم حصول هذه الصفة في الشهود في ظاهر الحال.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون ذلك حال كل مسلم في الظاهر؟(131/46)


قيل له: إن أردت بقولك حال كل مسلم في الظاهر ممن عرفنا تحققه بالدين وتجنبه للمعاصي خوفاً من الله عز وجل فتلك هي العدالة المطلوبة وإن أردت كل من ظهر منه الإقرار بالشهادتين فلسنا نسلم ذلك بل السير والإمتحان يكشفان عن خلاف ذلك؛ لأنا نعلم أن الأقل من القليل ممن يظهر الشهادتين توجد له صفات العدالة والأكثر منهم مصرون على الفسق والفجور.
فأما في هذا الزمان فقد كثرت الملحدة من الباطنية والمتفلسفية، وهم منكرون للشرائع والثواب والعقاب على حد ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإن أظهر الشهادتين فكيف يقال أن إظهار المرء الإسلام يوجب عدالته، وما أرى أحداً من المسلمين يستجيز القول بهذا في هذا العصر، فأما تلك الأعصار فليس يبعد ذلك.
روي عن ابن مسعود أنَّه قال: ما علمت أن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من يريد الدنيا حتَّى نزلت هذه الآية: {مِنْكُمْ مَنْ يُرُيْدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرُيْدُ الآخِرَةَ}، فكان الأصل فيه الدين والورع والعدالة، ولا يبعد ذلك أيضاً أنَّه كان في أوائل عصر أبي حنيفة إذ لا إشكال أنَّه كان في القرآن الثالث، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: <خير أمتي الذين بعثت فيهم ثُمَّ الذين يلونهم ثُمَّ الذين يلونهم>، وإن كانت الأحوال قد تقررت في آخر أيامه.
ويقال أيضاً في صحة ما قلناه: أن العدالة حق الله عز وجل فلا بد من البحث عنها بدلالة أن الخصم لو رضي بشهادة الفاسق عليه لم يلتفت الحاكم إلى رضاه ولم يحكم بشهادته.
وأيضاً لا خلاف في الحدود والقصاص أن الشهود فيها لا بد من تعديلهم، فكذلك سائر الحقوق، والعلة أن الحكم يمضي بشهادة فلا بد من أن يعرف الحاكم عدالته في الظاهر.(131/47)

71 / 122
ع
En
A+
A-