فإن قيل: روي عن علي عليه السلام في امرأة ادّعى زوجها رجل فترافعا إليه فشهد للرجل شهود، فقالت المرأة لعلي: إني لم أتزوجه وسألته إيقاع العقد بينهما، فقال علي عليه السلام: (شاهداك زوجاك)، فدل ذلك على أن حكم الحاكم في الظاهر حكم في الباطن؟ قيل له: لا يمكن حمل قوله عليه السلام شاهداك زوجاك على الظاهر إذ لا خلاف أن مجرد الشهادة لا يوقع العقد وإنما الخلاف إذا حكم بها الحاكم هل يوقع حكم العقد أو لا فلا بد من تأويل الحديث وإلا فلا ظاهر لهن فنقول: يحتمل أن يكون عليه السلام أراد أن الشهود لما شهدوا كانوا سبباً لكون الزوجية في الظاهر فليس علينا سماع ما تقولينه وتدعينه في الباطن، وهذا لا يوجب ما تذهبون إليه، ويمكن أن يستدل في المسألة بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <لا نكاح إلاَّ بولي وشهود>، فلا يكون نكاح بلا ولي يزوج بحضرة شهود فإذا ثبت ذلك في النكاح ثبت في سائر الحقوق إذا حكم بها من غير أن يكون هناك من يقصد إلى إيقاعه، والحاكم في مسألتنا لا يقصد إلى إيقاع العقد ولا إيقاع الفسخ وهم ربما قالوا: أن الحاكم لا يحكم بالملك، وإنما يحكم بالتسليم، فيقال لهم: لا بدل على هذا أيضاً من أن يكون حكم بوجوب التسليم ولا يصير التسليم واجباً لحكمه في الظاهر إذا كان الباطن بخلافه، وهذا يسقط لكما يشعبون من هذا الباب.
فصل
قال في الأحكام: إذا رجع من شهود الزنا واحد بعد الرجم وادعى الخكأ ضمن ربع الدية، فدل ذلك على أنَّه يضمن الشهود على قدر عددهم فلو شهد رجلان على مال ثُمَّ رجعا ضمن كل واحد منهما نصف المال، وكذلك لو شهد ثلاثة ثُمَّ رجعوا ضمن كل واحد منهم ثلاث المال، ولو شهد ثلاثة ورجع واحد منم لم يضمن الراجع عند أبي حنيفة وأصحابه، وبه قال: أكثر العلماء وذلك أنَّه قد بقي من الشهود من يثبت الحق بشهادتهم وهو الصَّحيح عندي، والله أعلم.(131/38)
فإن قيل: ما أنكرتم أن يضمن قسط الحق بشهادته من المال؛ لأنَّه مقر أنَّه أتلف جزءاً من المال؟
قيل له: إذا بقي من الشهود من يستحق شهادتهم المال المشهود به وكان الحكم قد نفذ بذلك فكان الحاكم قد حكم ببطلان إقراره، فلذلك لا يضمن والإقرار قد يبطل بأمور كثيرة فلا يمنع أن يبطل بحكم الحاكم بإبطاله فلا يضمن، فإن رجع معه آخر فيجب أن يضمنا ثلثي المال، كذلك كل واحد ثلثاً.
مسألة
قال: وإذا ادعى رجل على رجل عشرين ديناراً وأتى بشاهدين يشهدان على إقراره بعشرة دنانير في غير المكان الذي أقر فيه أو لأوجب للمدعي عشرون ديناراً، هذه رواية المنتخب، وقال في الفنون: يكون ذلك عشرة واحدة إلاَّ أن يقيم المدعي البينة أن كل واحدة منهما غير صاحبتها فيكون عشرين ديناراً، ووجه ما ذكره في المنتخب: أنَّه إذا قال له علي عشرة دنانير كان ذلك نكرة.(131/39)
وعند أهل اللغة: إن ذكر الشيء بلفظ النكرة مرتين يقتضي أنها شيئآن، وليس كذلك إذا ذكر بلفظ المعرف، يدل على ذلك ما روي عن قتادة في قوله عز وجل: {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً}، أنَّه قد بلغنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشر أصحابه بهذه الآية وقال: <لن يغلب عسر يسرين>، وإنما قال ذلك؛ لأن العسر الأول بلفظ المعرفة واليسر بلفظ النكرة، وعن الحسن قال: بلغنا أن هذه الآية لما نزلت قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <إياكم اليسر>، قال وكانوا يقولون لا يغلب عسر واحد يسرين اثنين، فإذا ثبت ذلك فيجب أن يكون قول الرجل له على عشرة دنانير إذا كرره عشرين ديناراً على ما بيناه، وأيضاً الظاهر من كل لفظ يطلقه الإنسان له معنى برأسه إذا لم يقترن بالدلالة على أن اللفظ الثاني يراد به ما أريد باللفظ الأول ولا يجب أن يحمل ذلك على التكرار إلاَّ بدلالة، فوجب ما قلناه. ووجه ما في الفنون أنَّه إذا احتمل أن يكون المراد باللفظ الثاني هو المارد باللفظ الأول واحتمل أن يكون المراد به غير المراد باللفظ الثاني، لم يكن للحاكم أن يمضي الحكم إلاَّ باليقين ولا يتيقن مع هذين القولين إلاَّ عشرة واحدة فيجب أن يكون هي الواجبة فأما إذا ذكر وجهين مختلفين للوجوب فلا إشكال في أنَّه عشرون ديناراً، كان يقول: على عشرة من قرض، ويقول له: على عشرة من ثمن سلعة، وقال أيضاً في الفنون: إذا قال له: علي عشرة، وقال بعد ذلك له: عليّ خمسة عشر، أنَّه يكون خمسة وعشرين، ووجهه أن اللفظين مختلفتان فلا يجب حملهما على معنى واحد.
مسألة(131/40)
قال: ولو أن رجلاً قال: كل شهادة أشهد بها على فلان فهي باطلة، أو قال: ليست عندي شهادة عليه، ثُمَّ شهد عليه بعد ذلك جازت شهادته، ووجهه أن أحوال المسلمين محمولة على الصحة والشهادة مبنية على التذكر لقول الله تعالى: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرُ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى}، وإذا كان ذلك كذلك فغير ممنوع أن يقول ما قال من ذلك؛ لأنَّه كان ناسياً للشهادة ثُمَّ يذكرها فليس في تذكر الشهادة بعد نسيانها ما يوجب سقوطها، وقوله: كل شهادة أشهد بها عليه فهي باطلة، معناه فهي باطلة عندي، وفيما أعتقد متى حملنا حاله على السلام، وقوله ليست عندي شهادة أوضح في هذا الباب؛ لأنَّه أبين في أن المراد به أني لا أعرفها ولا أتذكرها.
فإن قيل: يكون مكذباً لنفسه فيجب أن تبطل شهادته؟
قيل له: إذا حمل على ما قلناه لم يكن فيه إكذاب.
فإن قيل: لو جاز ذلك جاز أن يقر الإنسان لغيره ثُمَّ يدعيه؟
قيل له: ليس يشبه هذا ما قلناه، وذلك أنَّه بالإقرار موجب للغير حقاً فلا يصح منه أن يدعيه؛ لأنَّه ناف لما أثبت من حق الغير، وقوله لا شهادة لفلان عندي ليس يوجب حقاً لأحد، فصح حمله على ما قلناه.
مسألة
قال: وكل شهادة يحق لإنسان يذكرها المشهود له فهي باطلة وذلك أن الشهادة إنَّما تستمع على الدعوى، فإذا كان المشهود له لا يدعي ما يوجبه الشهادة بل ينكر لم تثبت الشهادة فهذا في الشهادة الَّتِي لا تتعلق بالحسبة، وكانت شهادة الحقوق محضة، ألا ترى أنَّه لا خلاف في شهادة من شهد بأن مملوكة أعتقها سيدها أنها تكون مسموعة وإن أنكرتها المملوكة؛ لأنها شهادة الحسبة وأما الشهادة الَّتِي تتعلق بالحقوق فقط كالبيع والشراء والهبة والدين فلا تستقر إلاَّ مع دعوى المدعي فكيف تستقر مع إنكاره.
مسألة(131/41)
قال: ولو أن رجلاً شهد أن رجلاً اشترى من رجل أرضاً ثُمَّ ادعى في تلك الدار شيئاً كانت الشهادة والدعوى جميعاً ثابتتين ولم تبطل أحداهما الأخرى، ووجهه أن الشراء يوجب الملك للمشتري؛ لأنَّه قد يشتري من الغاصب وقد يشتري بالشراء الفاسد ولا يحصل القبض فلا يملك، فإذا كان ذلك كذلك فلا يمتنع أن يكون الدار ملكاً له فيدعيها ويشهد بشراء من اشتراها ويكون فإذا كان ذلك كذلك لم يجب أن يحصل بين الدعوى والشهادة تناف على ما بيناه فلم يمتنع أن يجتمعا، وأيضاً لو كانت الشهادة بالشراء شهادة بالملك لكان الإقرار بالشراء إقراراً بالملك ولو كان كذلك لكان من أقر بالشراء لا يرجع على البائع بالثمن إذا استحق المبيع؛ لأنَّه لو أقر بالملك للبائع كان مبطلاً في دعوى عليه اليمين.
مسألة
قال: فإذا قال الشاهد: كنت عرفت هذا لبني فلان لم يكن ذلك شهادة وإنما يكون شهادة إذا قال أشهد أنَّه كان له ولم يخرج عن ملكه بوجه ن الوجوه لم يجعل الأول شهادة لوجهين:
أحدهما: أن الشاهد لا بدله من أيراد لفظ الشهادة، وقوله عرفت أو أعرف وما جرى مجراه لا يجري في الشهادة ولا بد من أن يقول أشهد.
والثاني: أنَّه قال كنت عرفت ولم يكن في كلامه شهادة بأن الشيء في الحال له فلم تكن مسموعة؛ لأن الشيء قد يكون للإنسان ثُمَّ ينتقل عنه فلا بد من أن يتضمن شهادته أنَّه له في الحال فأما إذا أتى باللفظ الذي ذكرناه ثانياً فلا إشكال فيه في أنَّه شهادة تامة.
مسألة(131/42)