قيل له: ذلك الإتلاف في الحكم كأنهم قد تولوه؛ لنهم كانوا ألجأوا الحاكم إلى تسليمه إلى ن أتلفه فصار الحاكم لهم كالآلة في ذلك؛ فيجب أن يضمنوه لأنهم في الحكم كالملجئين للتهمة إلى ما فعل، فكذلك مسألتنا، وأيضاً ليس يختلف قول الشافعي في شهود القصاص إذا رجعوا وقالوا تعمدنا أنهم يقتلون وإن قالوا: أخطأنا يلزمون الدية ، فيحمل ما فعل الحاكم كأنهم فعلوه، فكذلك حكم المال وروينا ذلك عن علي عليه السلام، ولا مخالف له في الصحابة، وأيضاً هو معترف أن ملك المشهود عليه ملك غيره فوجب أن يقمن حين اعترف في شيء كان في يده أنَّه كان لغيره ثُمَّ باعه، وأيضاً قد تعدوا في سبب تلف المال، فوجب أن يضمنوا كحافر الطريق يضمن ما تلف فيها؛ لأنهم إذا وقفوا في الحدود والقصاص فالأولى في المال، لأن ضمان المال أخف ن ضمان النفس والعضو، ولأن الحدود والقصاص يسقطان للشبهة، والمال لا يسقط للشبهة فأما من أراد نصرة ما حكيناه عنه في المنتخب من نقض الحكم فإنه روى أن أبا حنيفة كان يذهب إليه في أول الأمر ثُمَّ رجع عنه وكان يقول أنقض الحكم إذا كان الشهود في حال الرجوع أتم عدالة نهم في حال الشهادة ونبه يحيى في المنتخب على هذا المعنى؛ لأنَّه قال: كيف ألزمهم شيئاً وقد شهدوا شهادة أعدل من الشهادة الأولى؟! فوجه هذا القول عني نقض الحكم أن يقال: قد علمنا أن الحكم مستند إلى الشهادة؛ لأنَّه استقر باستقرارها، فوجب أن يزول بزوالها، دليله سائر الأصول والفروع؛ لأن كل فرع يبنى على أصل يزول الفرع بزوال الأصل كالإرث يبنى على النسب أو الزوجية متى زالا زال الفرع وكالشهادة المبنية على العدالة متى زالت العدالة بطلت الشهادة، وكالنكاح المبني على الإسلام متى زال الإسلام بطل النكاح، فكذلك ما قلناه.
فإن قيل: فالحكم يبنى على الإقرار ويمضى ثُمَّ لو رجع المقر عن الإقرار لم ينقض الحكم؟(131/33)


قيل له: لأن الإقرار لا يزول بالرجوع كما تزول الشهادة، ألا ترى أن المقر لو رجع قبل الحكم لم يحكم يسمع رجوعه وحكم بما أقر به، وليس كذلك الشهود؛ لأنهم لو رجعوا قبل الحكم لم يحكم بشهادتهم إلاَّ أنَّه يمكن أن يقال: الحكم وإن كان مبنياً على الشهادة فليس يجريان مجرى الفروع والأصول ولا يجريان مجرى أن يكون أحدهما شرطاً في استمرار الآخر بل تجري الشهادة مجرى إجتهاد الحاكم في أن الحكم يمضي به ثُمَّ زاله لا يؤثر في الحكم الواقع على أنا لسنا نسلم أن الشهادة الأولى قد زالت بالجوع بعد الحكم.
مسألة
قال: ولا ينقض الحكم ما بقي من جملة الشهود شاهدان فإن رجعا أو رجع أحدهما نقض الحكم، وهذا على ما ذكره في المنتخب؛ لأن الحكم ثابت ما بقي شاهدان، ألا ترى أنَّه لو كانت هذه الحال قبل الحكم وجب أن يحكم بها فأولى أن لا ينقض ما قد مضى فأما إذا رجعا أو رجع أحدهما فالكلام فيه ما مضى على الروايتين جميعاً.
مسألة(131/34)


قال: وإن شهدا على رجل بالطلاق وحكم بها ثُمَّ رجعا بطل الطلاق، فإن كانت المرأة قد تزوجت زوجاً آخر انفسخ نكاحها بالثاني ورجعت إلى زوجها الأول، وهذا على رواية المنتخب، وفيه دلالة على أن الحكم في الظاهر ليس هو حكماً في الباطن عنده؛ لأنَّه لو رأى ذلك كان لا يوجب إبطال الطلاق؛ لأن أكثر ما فيه أنهم شهود زور وعلى مذهب من يرى الحكم في الظاهر حكماً في الباطن لا يبطل الطلاق المحكوم به بشهادة الزور، وما ذهبنا إليه هو قول أبي يوسف ومحمد والشافعي، وقال أبو حنيفة حكم الحاكم في الظاهر حكم في الباطن في النكاح والطلاق والبيوع وما جرى مجرى ذلك، وعنه في الهبة روايتان، والأصل في هذا أن الحاكم يحكم في العقود على وجهين: قد يحكم بالإيقاع، وقد يحكم بالوقوع، فما حكم فيه بالإيقاع فهو الذي يجب أن يكون باطنه كظاهره؛ لأنَّه هو في الحقيقة هو الموقع وذلك كإيقاعه الفسخ بعد اللعان وكإيقاع عقد البيع على مال المفلس للغرماء في الظاهر، وإن كان الحال في الباطن بخلاف ذلك عندنا وكإيقاع البيع الشراء على مال اليتيم إذا احتاج إليه في الظاهر، ويستوي في هذا الباب ما هو إيقاع القد وفسخه، وما هو إيقاع التمليك، ألا ترى أنَّه يحكم بتمليك الشفيع وبإيجاب المال على العواقل، والوجه الثاني وهو الذي فيه الخلاف وهو أن يحكم بثبوت وقوع العقد أو بثبوت حصول الفسخ وما جرى هذا المجرى لا يجب أن يكون حكمه في الظاهر حكماً في الباطن؛ لأنَّه حكم في الظاهر بأن ذاك عقد تقدم وقوعه أو فسخ تقدم حصوله فإذا لم يكن هناك عقد متقدم أو فسخ حاصل متقدم فحكمه لا يوجب ذلك دليله الدين أنَّه إذا حكم بثبوت الدين لم يجب أن يكون حكمه في الظاهر حكماً في الباطن؛ لأنَّه حكم بثبوت دين متقدم، فإذا لم يكن هناك دين ثابت متقدم لم يكن من حكمه في الباطن شيء، ألا ترى إذا حكم بالتمليك للشفيع ووقع به ملك متجدد وجب أو يكون ظاهر وباطنه سواء، وكذلك إذا حكم بنفقة ذي الرحم؛(131/35)


لأنَّه قصد به تجديد الإثبات، وليس كذلك ما اختلفنا فيه لما بينه وأيضاً هو إثبات أمر مقدم فمتى لم يكن هناك أمر متقدم لم يثبت في الباطن شيء كالإقرار لما كان إثبات أمر متقدم فمتى لم يكن هناك أمر متقدم لم يثبت بالإقرار شيء فكذلك الحكم يكشف ذلك أن الحاكم لا يقصد لإيقاع عقد لم يكن أو إيقاع فسخ لم يكن بل يقصد لإثبات عقد واقع أو فسخ واقع فكيف يقع عقد لم يكن أو فسخ لم يكن وهو خلاف موجب الحكم ويمكن أن يستدل في المسألة بقوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ}، وهذا يوجب أن من ادعى بيعاً أو شراءً وهو يعلم أنهما لم يقعا لا يحل له التصرف في المبيع والمشتري وإن حكم له الحاكم بشهود الزور، ويدل على ذلك ما روي من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: <أنكم تختصمون إلىّ ولعل بعضكم ألحن بحته من بعض وإنما أقضي بما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فإنما أقطع له قطعة من النار>، ولم يفصل صلى الله عليه وآله وسلم بين أن يكون حكمه تناول عقداً أو غيره، فدل ذلك على أن الأمر في العقد وغيره سواء، وأيضاً إحدى الروايتين عن أبي حنيفة أن الموهوب لا يملك وإن حكم له الحاكم بعقد الهبة فيمكن أن يقاس عليه سائر العقود بعلة أن الحكم لم يصادف عقداً واقعاً قبل الحكم.
فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال فيشأن هلال ابن أمية حين لاعن بينه وبين امرأته وفرق بينهما: <إن أتت بولد على صفة كذا فهو لهلال ابن أمية، وإن جاءت بولد على صفة كذا فهو لشريك بن سمحا>، فجاءت به على الصفة، فقال: <لولا ما سبق من كتاب الله لكان لي ولها شأن>، فدل صلى الله عليه وآله وسلم على صدق هلال وكذب امرأته ولم يرفع الفرقة الواقعة لعدم علمه بصدق الصادق منهما، قد دل ذلك أن الفسخ الواقع لا يجب رفعه وإن كان باطنه بخلاف ظاهره؟(131/36)


قيل له: هذا سؤال بعيد وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أوقع فرقة لم تكن واقعة قبل إيقاعها؛ لأن الله تعالى أوجب إيقاعها بعد كمال اللعان فلم يجب أن يرفعها بتة، ألا ترى أنهما أيضاً لو تصادقا بعد وقوع الفرقة لم يجب رفعها وليس كذلك موضع الخلاف، فأما موضع الخلاف فهو أن يحكم بصحة فرقة واحدة قبل حكمه فلا يصادف حكمه فرقة بتة فلا تعلق لكم إذاً بما ذكرتم يكشف ذلك أنَّه كان معلوماً كذب أحدهما لا بعينه فتعيينه لا يغير الحكم.
فإن قيل: قد ثبت أن حاكماً لو رفع إليه عقد اختلف فيه بحق الشفعة فأجازه وحكم بالشفعة وصحة العقد لم يجز لحامك آخر يرى خلاف ذلك أن يعترضه بالفسخ، ولو لم تكن حكم به الحاكم الأول لجاز فسخه، فبان أن الحم له تأثير في العقود؟
قيل له: وهذا أيضاً كالأول بعيد مما اختلفنا فيه؛ لأن الحاكم حكم بصحة عقد واقع في الحقيقة، فلذلك نفذ حكمه ولم يكن لمن بعده فسخه، وهذا لو لم يكن عقد أيضاً لم يكن لحاكم آخر فسخه، ألا ترى أن حاكماً لو ترافع إليه الجد والأخ فحكم بنصف الميراث للأخ لم يكن لحاكم أن يفسخ ذلك الحكم ويجعل الميراث كله للجد فبان أن العقد وما ليس بعقد في ذلك سواء، والعلة في الجميع أن الحكم الممضي بالإجتهاد لا يعترض باجتهاد مثله والعقد وغير العقد فيه سواء.
فإن قيل: على الحاكم امضاء العقد إذا شهد به الشهود العدول في الظاهر وهو الذي أمر الله به أن عز وجل فإذا كان ذلك كذلك وجب أن يصح ذلك العقد ويقع؛ لأن سائر العقود إنَّما تستقر لإيقاعها على ما أمره الله تعالى؟
قيل له: هذا فاسد؛ لأن على الحاكم إلزام ما شهد به الشهود العدول في الظاهر من الدين وهو الذي أمر الله به ومع هذا لا يختلف أن الدين لا يلزم بالحكم إذا لم يصادف ديناً؛ لأن ما قبل الحكم فكذلك العقد والفسخ، وهذا ما لا إشكال فيه.(131/37)

69 / 122
ع
En
A+
A-