قال: وإذا شهد أحد الشاهدين بألف درهم والآخر بخمسمائة درهم بطلت شهادتهما، وكذلك لو شهد أحدهما أنَّه طلق ثلاثاً، والآخر أنَّه طلق اثنتين بطلت شهادتهما، وبه قال أبو حنيفة، قال أبو يوسف ومحمد: يثبت الأقل الذي اتفقا عليه، ووجه قولنا أن الشهادة يعتبر فيها اللفظ لا خلاف فيه، ألا ترى أنَّه لو قال: اعلم أن له علي هذا كذا من الحق، أو قال: أخبر لم يكن ذلك شهادة حتَّى يقول: اشهد، فإذا ثبت أن اللفظ فيها معتبر واثبت أنهما اختلفا في اللفظ؛ لأنَّ لفظ الألف لا يوافق لفظ خمسمائة، وجب أن تبطل شهادتهما كما أن أحدهما لو شهد بألف قرض والآخر بألف غضب لم تثبت شادتهما لاختلاف اللفظ، وكذلك لو شهد أحدهما بألف من ثمن سلعة والآخر بإقراره بألف، وهذا هو الوجه الذي شهد أحدهما بتطليقه، والآخر بثلاث تطليقات، قال: والأصح عندي ما ذهب إليه أبو يوسف من ثبوت الأقل؛ لأن اختلاف اللفظ إذا لم يؤثر في المعنى لم تبطل شهادتهما، ألا ترى أن أحدهما لو شهد بالعربية والآخر بالفارسية لم تبطل شهادتهما، وهما إذا شهد أحدهما أحدهما بالغصب والآخر بالقض فذلك لم يبطل لاختلاف اللفظ، وإنما بطل الإختلاف المعنى؛ لأن القرض غير الغصب، وأحدهما يشهد بغير ما شهد به الآخر على انه يمكن لأصحابنا أن يقولوا أنهما قد اتفقا على ثبوت الألف عليه فلم تبطل الشهادة إلاَّ لاختلاف اللفظ، وأما الفارسية والعربية فيمكن أن يقال أنهما ليسا باختلاف لفظ في الحقيقة؛ لأن اللفظ إنَّما يقال أنَّه مخالف للفظ إذا أدَّى إلى اختلاف المعنى ولفظ العربية إذا أدَّى معنى الفارسية لم يعد ذلك اختلافاً في اللفظ ولا يمتنع أهل اللسان أن يقولوا أنهما متفقان في اللفظ، وليس كذلك الألف وخمسمائة؛ لأن أحدهما مخالف للآخر وإن حصل فيه الإتفاق على خمسمائة كما يحصل فيما بيناه الاتفاق على حصول الألف وإن شهد أحدهما بالغصب والآخر بالقض فأما إن شهد أحدهما بألف والآخر بألف وخمسمائة فلا إشكال(131/28)
في أن الشهادة بألف صحيحة ولا أحف فيه خلافاً؛ لأنهما اتفقا على لفظ الألف وزاد أحدهما فوجب أن يثبت الألف وهكذا يجب أن يقال إن شهد أحدهما بألف والآخر بألفين إن الألف ثابت؛ لاتفاقهما على اللفظ بالألف.
مسألة
قال: وإذا شهد رجلان أن لفلان على فلان مالاً ثُمَّ شهد أحدهما منفرداً أنَّه قد قضاه ذلك المال ثبت ذلك، وحكم به ولم يثبت أنَّه قضاه حتَّى يشهد معه آخر، وبه قال أبو حنيفة ومحمد، وروي عن أبي يوسف أنَّه قال: لا تقبل شهادة من شهد بالقضاء؛ لأنَّه شهد أنَّه لا شيء للمدعي على المعنى عليه، ووجه قولنا أن شهادتهما بالمال على المدعى عليه شهادة صحيحة، وشهادة أحدهما بالقضاء شهادة مستأنفة عليه، وليس يتضمن ذلك أكذابه نفسه وليس إكذاب المشهود له بالحق في القضاء اكذاباً له في الحق فلم يجب أن يبطل شهادته الأولى؛ لأن هذا الشاهد شهد بشهاتين أحدهما له والآخر عليه، فقبلت الَّتِي له؛ لأن معه آخر ولم يقبل الَّتِي عليه؛ لأنَّه شاهد واحد، ألا ترى أن شاهدين لو شهدا له بألف وشهد أحدهما للمشهود عليه بمائة دينار، ثبت الألف بشهادتهما ولم تثبت المائة بشهادة الواحد، فكذلك مسألتنا، ولم يجب لإكذاب المشهود له شهادة فيما شهد عليه سقوط شهادته؛ لأنَّه أكذبه في غير ما شهد له به.
فإن قيل: إذا أكذبه وجب أن يبطل شهادته على أي وجه كان إلا كذاب كما أنَّه لو أقر بأن شهادة فاسق وجب بطلان شهادته؟(131/29)
قيل له: ليس ذلك حكم جميع الاكذاب؛ لأن قد يكذبه بأن يدعي عليه السهو والنسيان وذلك لا يقدح في شهادته والذي يجب أن يقال في هذه المسألة أن شاهدين لو شهدا بقرض أو دين أو إقرار ثُمَّ شهد أحدهما بقضاء ذلك الأمر على ما بيناه؛ لأن ذلك لا يقتضي إكذاب الشهاد نفسه فإن أطلا الشهادة فشهدا أن عليه ألفاً ثُمَّ شهد أحدهما أن قد قضاه، وجب أن تسقط شهادته؛ لأن قوله عليه كذا ينافي قوله قد قضا فهو إذن مكذباً نفسه؛ لأنه إن كان قد قضاه فليس هو عليه، وليس كذلك إذا شهد بما ذكرناه أولاً؛ لأن شيئاً من ذلك لا ينافي القضاء.
مسألة(131/30)
قال: فإن قال أحدهما: رجعت عن شهادتي لم يحكم بالمال، وهذا ما لا خلاف فيه؛ لأن الشهود إذا رجعوا قبل الحكم بشهادتهم لم يزد الحكم بها؛ لأن الحاكم إذاً يكون حاكماً بغير الشهادة، قال: فإن كان قد حكم به نقض الحكم ولم يلزم الشهود شيئاً، هذا رواية المنتخب ثُمَّ قال في باب الحدود: إن الشهود إذا رجعوا ضمنوا أرش الضرب إذا كان المشهود عليه ضرب أو الدية إن قبل فلم يحكم في الحكم أنَّه خطأ لرجوع الشهود، فدل ذلك على رجوعه عما قال في باب الشهادة من نقض الحكم لرجوع الشهود، فدل ذلك على رجوعه؛ ولأن الحكم لا ينتقض حتَّى يثبت أنه وقع خطأ، ولو كان يجعل حكم الحاكم بالحد أو القتل خطأ برجوع الشهود كان يجعل الأرش والدية في بيت مال المسلمين؛ ؟لن الحكم إذا وقع خطأ ولم يمكن نقضه يجب أن يجعل الغرم في بيت المال على مذهبه وقد ذكر ذلك أيضاً في كتاب الحدود من الأحكام، واستقر من مذهبه أن الحكم لا يجب أن ينقض لرجوع الشهود، وأن الشهود يجب أن يضمنوا، وهذا هو الصَّحيح وبه قال أكثر العلماء، وقد روى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أنَّه قال: (إذا رجع الشهادة ضمن وأصل المسألة أن يبين أن فسخ الحكم لا يجب برجوع الشهود فإذا صح ذلك صح أن الشهود يضمنون ما غرم المشهود عليه بشهادتهم، الذي يبين أن فسخ الحكم لا يجب برجوع الشهود أن الحكم قد ينفذ مع وقور أسباب الإجتهاد، فلا يجب فسخه برجوع الشهود كما لا يجب فسخ برجوع الحاكم عن الإجتهاد الموجب لتنفيذ ذلك الحكم، وأيضاً قد ثبت أن الحكم لا يجب فسخ بالإجتهاد وإنما يجب فسخه بالنص المقطوع به أو ما يجري مجراه قد ثبت أن الحاكم لا يتبين صدقهم في الرجوع فلو فسخ الحاكم برجوعهم كان فسخه بما يجري مجرى الإجتهاد دون ما يجري مجرى النص، وذلك لا يجوز، وليس رجوعهم شهادة بدلالة أنَّه لا يحتاج إلى لفظ الشهادة، فكيف يلزم الحاكم أن يعمل بموجبه؟ بل هو جار مجرى سائر الألفاظ الَّتِي ليست(131/31)
شهادة في أن الحاكم لا يلزم أن يحم به على الغير أو يعترض به على حكم ثابت، وأيضاً هو مكذب لنفسه بالرجوع؛ لأنَّه بالرجوع مكذب لشهادة وبالشهادة مكذب للرجوع، فوجب أن لا يعمل على قوله في ذلك الأمر ليلة سائر الشهادات المناقضة.
فإن قيل: فهذا يوجب انتفاء الشهادة الأولى، وهذا يوجب نقض الحكم؟
قيل له: الشهادة الأولى وقعت سليمة من الإكذاب والإنتقاض وقع الحكم بها صحيحاً سليماً وإنما الرجوع الذي وقع على الوصف الذي ذكرنا؛ لأن التناقض به حصل فوجب أن لا يكون له حكم يؤثر في الحكم.
فإن قيل: فهذا يوجب أن لا يكون له تأثير في إيجاب الضمان؟
قيل له: ليس كذلك؛ لأن الشهادة الفاسدة إذا وقعت وفي مضمونها إقرار من إشهاد على نفسه بحق لم يكن لها تأثير في الحكم على الغير، وثبت تأثيرها في الإقرار على نفسه، فكذلك مسألتنا، فبان بما بيناه أن الحكم لا يجب أن ينتقض برجوعهم فإذا ثبت ذلك فقد اختلف العلماء بعد ذلك فذهب بعض العلماء إلى أنهم لا يغرمون شيئاً ويجعل قولهم هدراً، وأظنه قول الشافعي، وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنهم يغرمون، وهو الصحيح، ووجهه أنهم اعترفوا على أنفسهم أنهم أتلفوا مال الغير أو نفسه إن كان حد أو قصاصاً أو عضوه فعليهم ضمانه، دليله لو اعترفوا لا على وجه الرجوع عن الشهادة.
فإن قيل: أنهم لم يتولوا إتلافه فهم بمنزلة من حال بين الإنسان وبين مال في أنَّه لا يضمن؟(131/32)