الآخر في حق واحد، دليله إذا كان في حقين، وأيضاً قد حصل على شهادة كل واحد من شاهدي الأصل شهادة رجلين، فوجب أن يصح، دليله إذا شهد على شهادتهما أربعة.
فإن قيل: هما قاصدان إلى تصحيح شهادتهما فلم يجب أن تقبل شهادتهما على شهادة الشاهد الثاني؟
قيل له: وما في ذلك ما يمنع من قبول شهادتهما بل على كل شاهد أن يقصد إلى تصحيح شهادته، وعند الشافعي أن شهادة الابن لأبيه والأب لابنه لا تقبل للبعضية الَّتِي بينهما، وقد ثبت أن الابن والأب لو شهد الإنسان بحق صحت شهادتهما، وإن كان كل واحد منهما على ما ذكروا قاصداً التصحيح شهادة صاحبه ع البعضية الَّتِي بينها على أنَّه لا خلاف بيننا وبين الشافعي في الحكم بالشاهد واليمين، ولا شك أن المدعي يقصد باليمين إلى تصحيح دعواه ومع هذا قيمته ثابتة كذلك ما اختلفنا فيه.
فإن قيل: لو شهد رجل على إقرار آخر وشهد مع شاهد على شهادة شاهد على \ذلك الإقرار لم يصح ذلك؛ لأنَّه بمنزلة من شهد بحق واحد على وجهين، فكذلك إذا شهدا على شهادة أحد الشاهدين لم يجز أن يشهدا على شهادة آخر إذا كان الحق واحداً؟
قيل له: هذا ينتقض بشهادة رجلين على إقرار رجلين بحق واحد، وقد فرق بينهما بأن قيل أنا لو جوزنا ذلك لكنا جعلناه شاهداً واحداً أصلاً بدلاً؛ لنه إذا شهد على الإقرار كان أصلاً، وإذا شهد على شهادة شاهد على الإقرار صار بدلاً، ولا يجوز في شيء واحد أن يكون أصلاً بدلاً كما لا يجوز ذلك في التيمم، وصوم الظهار وصوم الكفارة ، وهذا فيه بعض النظر؛ لنه صار أصلاً في أمر وبدلاً في آخر، وهذه المسألة غير محفوظة عن أصحابنا وليس يبعد المرور على جواز ذلك إن لم يكن خلاف الإجماع، وإن صح أنَّه إجماع فلا ضمير أن تسليمه للإجماع ونقول أنَّه خلاف القياس.
مسألة(131/23)


قال: وتجوز الشهادة على الشهادة إذا مات المشهود على شهادته، أو كان عليلاً أو خائفاً لا يقدر أن يأتي الحاكم أو كان غائباً عن البلد، فإن لم يكن كذلك لم تجز الشهادة على شهادته، قال أبو حنيفة: لا تقبل إلاَّ إذا كان عليلاً أو خائفاً إلى مسيرة ثلاثة أيام، وقال أبو يوسف ومحمد: تقبل، وأظن قول الشافعي مثل قولنا، وقول أبي حنيفة، ووجهه أن الشهادة على الشهادة بدل من شهادة الأصل، بدلالة أنَّه لا حكم له مع حصول المبدل، فوجب أن لا تجرى إلاَّ مع تعذر المبدل كالتيمم وصوم الظهار وصوم كفارة اليمين، ومما يكشف أنها بدل أنَّه لا يجوز استماعها مع حضور شهود الأصل مجلس الحكم فإن مروا على ذلك فلا إشكال أنَّه لا يجوز استماعها، والحكم بها مع قول شهود الأصل إنا نريد أن نشهد أو بعد وقوع شهادتهم ذكر أصحابنا الخوف؛ لأنَّه كالمرض في العذر، ألا ترى أن الخوف سائر المعاذير يقوم مقام، ولا نص لأصحابنا في مقدار الغيبة، ويمكن على أصل يحيى عليه السلام أن يقال بريد؛ لأنَّه عنده مدة يقصر فيه الصلاة، ويكون الإنسان به مسافراً ويقرب عندي، والله أعلم أنَّه إذا كان بحيث لا يمكنه في يوم واحد أن يحضر مجلس الحاكم، ونعود نجوز الشهادة على الشهادة؛ لأن ذلك إذا تعذر عليه لزمته مؤنه وليس عليه إلاَّ إقامة الشهادة دون التزام المؤن يكشف ذلك أن المريض وإن أمكن حمله في المجفه إلى الحاكم لا يجب ذلك؛ لأنَّه يؤدي إلى أن يحمل المؤن، والله أعلم.
وقال في آخر: هذه المسألة في المنتخب ولا أحب للحاكم أن يقبل إذا لم يكن كذلك، ومعناه لا أرى؛ لأنَّه قد جعل في المسألة هذه الأحوال شرطاً في جواز ذلك، فوجب أن يكون المراد ما قلناه.
مسألة
قال: وإذا عرف الرجل خط نفسه ونسي الشهادة لم يكن له أن يشهد حتَّى يتذكر الشهادة بخطه ويتيقنها.(131/24)


قال في المنتخب: يشهد إن أيقن بخطه فكان الكلام ملتبساً؛ لأنَّه يحتمل أن يكون أراد أن يتيقن المشهود عليه بتأمل الخط على سبيل التذكر، وهو الذي حملنا عليه قوله؛ لأن إداله الباء في الخط دليل على أنَّه جعله آلة للتيقن ولم يرد تيقن الخط، ولأنه قال في آخر: هذا الباب ولا تجوز الشهادة على خط، وقد يحتمل أن يكون أراد به تيقن الخط إلاَّ أن الأولى ما ذكرناه لما بيناه، وهذا مما لا أعرف فيه خلافاً؛ لأنَّه إذا لم يتذكر المشهود عليه لم يعلمه، وقد قال الله تعالى: {وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا}، وقال تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}، وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: <إن عرفت مثل هذه الشمس فاشهد وإلا فدع>، والخط قد يشبه الخط حتَّى لا يغار منه شيئاً، ولهذا نقد كثير من التزويرات على الحكام والشهود وغيرهم؛ ولأنه الإنسان قد يكتب الشيء لغرض وإن لم يرد أن يشهد به، وهذا مما يوجب التوقف عنه.
مسألة
قال: ولا يجوز للرجل أن يشهد على المرأة حتَّى يعرفها معرفة صحيحة بوجهها أو صوتها.
قال في المنتخب: إذا عرفها بوجه أو صوت أو غير ذلك جاز تشهاته إذا أيقن، فدل حمله كلامه أنَّه يشير في باب الشهادة إلى حصول العلم واليقين، فإذا كان ذلك يحصل بالصوت جازت الشهادة على الصوت ويبعد ذلك عندي أن يحصل بالصوت على الانفراد إلاَّ أن يضامه سواه كأن يراها متجلبة أو متبقية وما جرى مجرى ذلك، ووده ما قلناه من أن المطلوب به هو العلم قوله: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}، وقوله: {وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا}، على ما بيناه في المسألة الَّتِي تقدمت.
مسألة(131/25)


قال: ومن شهد على إنسان بخط رآه له كانت شهادته باطلة، وليس للحاكم أيضاً أن يحكم بالمخط، أما الشهادة على الإنسان بالخط بخط له رآه فلا أحفظ فيه خلافاً في ـأنه لا يجوز إلاَّ ما حكي عن مالك، حكى أبو جعفر الطحاوي عنه أنَّه قال إذا شهد شاهدان في ذكر حق أنه كتابه بيده جاز كما لو شهد على إقراره، قال وخالفه جميع الفقهاء في ذلك، قال: وعدوا هذا القول شذوذاً وهو صحيح؛ لأنَّ الخط قد يشبه الخط وقد يتعمد إلى العتزوير فيه على ما بيناه فيما تقدم، وإنما إطلاق يحيى القول في أنَّه ليس للحاكم أن يحكم بالخط فكان أبو العباس الحسني رحمه الله يقول إن هذا بدل من قوله على أن كتاب القاضي إلى القاضي لا يجوز حتَّى يشهد به الشهود، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، ولا أحفظ فيه خلافاً وظاهر قوله يقتضي أنَّه لا يكفي أن يشهدوا أنَّه كتاب القاضي فقط حتَّى يشهدوا بمضمونه، ووجهه ما مر من اشتباه الخطوط وجواز وقوع التزوير فيه.
فإن قيل: روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتب كتاباً وختمه ودفعه إلى بعض أصحابه وقال: <لا تفتحه حتَّى تأتي موضع كذا، فإذا بلغته فتحته وعملت بما فيه>، فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن شهد على كتاب القاضي وإن لم يقرأ ما فيه.(131/26)


قيل له: هذا جار مجرى الأخبار دون مجرى الشهادة وقد احتيط في الشهادة ما لم يحتط في الأخبار، ألا ترى أنَّه لو كان وسأله جاز أن يعلم بها، ولا يجوز ذلك في الشهادة، فكذلك كتاب القاضي، ويدل كلامه على أنه لا يعتبر الختم في ذلك ولا انكساره؛ لنه بني الأمر فيه على الشهادة، وبه قال الشافعي، وحكي عن أبي حنيفة وزفر أن الختم إن انكسر لم بقية الحاكم وذلك لا وجه له؛ لأن الشهود لو شهدوا على تفصيل ذلك بغير كتاب لجاز، فدل على أن الكتاب جار مجرى العهود والقبالات في أن العمل على الشهادة دون ما سواها وقياس قول أصحابنا إن كتاب القاضي إلى القاضي لا يقبل في الحدود والقصاص، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه قياساً على شهادة النساء والشهادة على الشهادة.
مسألة
قال: وإذا شهد رجلا بالزنا واختلفا في الموضع الذي أقر فيه كانت الشهادة جائزة وإن شهدا على رجل بالزنا واختلفا في الموضع الذي أقر فيه كانت الشهادة باطلة، أما في الإقرار فلا خلاف في أن اختلاف المواضع لا يؤثر فيه؛ لأن ذلك لا يوجب تغاير الحق حتَّى تحمل شهادة كل واحد منهما على أنها شهادة بغير الحق الذي شهد على الإقرار على الإقرار به، وأما الزنا فلا خلاف أيضاً فيه إلاَّ ما حكي عن أبي حنيفة أن الشهود إذا اختلفوا في موضع من بيت واحد جازت الشهادة وحققه أصحابه في البيت الصغير دون البيت الواسع المساعد الأطراف وإنما وجب فساد هذه الشهادة؛ نل اختلاف مواضع الشهادة الزنا يوجب تغاير الزنا؛ لأن الزنا الواقع في موضع بعينه غير الزنا الواقع في موضع آخر فإذا اختلفوا في موضعه فكأن الشهادة لم تتم على زنا واحد، فلذلك وجب سقوطها على أن أصحاب أبي حنيفة يقولون أن القياس يوجب خلاف قولهم وإن ذلك استحسان فكان الصَّحيح ما قلناه على أن الحدود تدرأ بالشبهات وأقل ما في ذلك أن يكون ذلك شبهة فوجب أن لا يحكم بها.
مسألة(131/27)

67 / 122
ع
En
A+
A-