قال: وشهادتهن جائزة مع الرجل في الأموال والنكاح وسائر الحقوق غير الحدود والقصاص وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، قال الشافعي: لا تجوز إلاَّ في الأموال ولا يجزي في الوصية إلى إنسان، وتجوز في الوصية بالمال قول عثمان البتي مثل قولنا، وقال مالك: أنها لا تجوز في النكاح والطلاق والأنساب والولاء والإحصان، وتجوز في الوكالة والوصية، وقد مضى الكلام في جواز شهادة النساء في النكاح في كتاب النكاح وسنذكر طرفاً من هاهنا فنقول: قال الله عز وجل: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيْدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ}، فاقتضى جوازها في جميع الحقوق إذا لم يخصها في شيء دون شيء وكن صدر الآية في الدين لا يوجب قصر ذلك على الدين ؛ لأنا لا نوجب قصر العموم على السبب الوارد فيه بل نجعل الحكم للفظ وقد قال الله تعالى: {وَلا يَأْبَى الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}، وذلك قائم في الرجال والنساء، فوجب بما ذكرناه جواز شهادتهن في جميع الحقوق من الأموال وغيرها إلاَّ حيث منع منه الدليل، وأيضاً لا خلاف أن شهادتهن مع الرجال مقبولة في الأموال، فكذلك في سائر ما اختلفنا فيه، والعلة أنَّه مما لا يجب سقوطه للشبهة فيجب أن تكون شهادة النساء فيه مع الرجال مقبولة.
مسألة
قال: ولا تجوز شهادتهن وحدهن إلاَّ مع الرجال في الحدود والقصاص، أما الحدود فلا خلاف أن شهادة النساء فيها غير مقبولة على وجه من الوجوه، والقصاص أيضاً لم يختلف فيه العلماء في أن شهادتهن فيه غير مقبولة إلا ما حكي عن الأوزاعي والثوري أنها تجوز، وقد روي عنه أيضاً خلاف ذلك، والوجه فيه ما روي عن الزهري قال: مضت السنة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والخليفتين من بعده ألا يجوز شهادة النساء في الحدود والقصاص، وأيضاً لا خلاف أنها لا تجوز في الحدود، فكذلك في القصاص والمعنى أنَّه مما يسقط بالشبهة.(131/18)
فإن قيل: هو حق الآدمي فوجب أن تقبل فيه شهادة النساء؟
قيل له: حد القذف هو أيضاً حق يتعلق بالآدمي، فوجب أن تقبل فيه شهادة النساء ولكن لما كانت الشبهة تسقطه لم تقبل فيه شهادة النساء كذلك القصاص.
مسألة
قال: وإذا شهد الصبي بعد البلوغ ومن كان كافر بعد الإسلام بشيء عرفاه قبل جواز شهادتهما جاز، وهذا مما لا أحفظ فيه خلافاً؛ لأن الاعتبار بالشهود إنَّما هو في حال الأداء دون حال التحمل، فإذا كان الشاهد في حال الأداء ممن تجوز شهادته وجب أن تقبل شهادته ولا يراعى فيه حال التحمل.
مسألة(131/19)
قال: والشهادة على الشهادة جائزة في الحقوق والأموال وتكره في الحدود ولا تجوز في الرجم، قوله: تكره في الحدود ولا تجوز في الرجم ليس يجب أن يكون محمولاً على أنها جائزة في الحدود مع الكراهة بل يجب أن يكون المراد به تغليظ في تغليظ الأمر في الرجم لاشتماله على إفاتة النفس فأما الحدود فلا يجوز فيها أيضاً؛ لأن الكراهة تقتضي المنع إذا كان المكروه يتعلق بالعين سيما وظاهر قول القائل: هو مكروه يقتضي قبحه، ويجب على تشديده الأمر في الرجم أن يكون ذلك حكم القصاص فيكون تحصيل المذهب أن الشهادة على الشهادة لا تجوز في الحدود والقصاص، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وقال مالك: أنها تجوز في الحدود والقصاص، وقال الشافعي: تجوز في كل حق لآدمي من مال واحد أو قصاص في حقوق الله على قولين، فأما جوازها فيما عدى ما ذكرنا من الحقوق والأموال فلا خلاف فيه، والأصل فيه أن قبول الشهادة شرع؛ لأن العقل لا يوجب إمضاء حكم على الغير بقول من لا يمكن أن يعلم صدقه ولا دلالة في جواز الشهادة على الشهادة إلاَّ الإجماع والإجماع حصل في جوازها في الحقوق والأموال دون الحدود والقصاص فقلنا بما أجمع عليه وتركناها في الحدود والقصاص على الأصل، وأيضاً قد ثبت أن شهادة النساء غير مقبولة في الحدود والقصاص؛ لأنها بدل من شهادة الرجال، فوجب أن لا تجوز فيها الشهادة على الشهادة؛ لأنها بدل من شهادة الرجال، فوجب أن لا تجوز فيها الأصل، ألا ترى أنَّه لا حكم لها مع حصول شهادة الأصل فهي أضعف من شهادة النساء، وأيضاً كان القياس أن لا تقبل الشهادة على الشهادة بدلالة أن الشاهد معترف أنَّه لا علم له بالمشهودية والشاهد إذا اعترف بذلك فالأصول كلها توجب بطلان شهادته، فلما كان القياس يوجب رد شهادته، وأجمع المسلمون على جوازها فيما عدى الحدود والقصاص، قلنا به وبقينا حكمها في الحدود والقصاص على موجب القياس.(131/20)
فإن قيل: أن الشهادة على الشهادة يشهد على الشهادة دون الحق فلم يجب ردها قياساً؟
قيل له: ليس كذلك، ألا ترى أنَّه لو رجع عن الشهادة في مال بعد الحكم به ضمن فبان أنها شهادة بالحق.
فإن قيل: فقد قلتم أن شهود الإحصان يضمنون إذا رجعوا فإن م تكن شهادة بالزنا فما أنكرتم أن يضمن الشاهد على الشهادة وإن لم تكن شهادته بالحق؟
قيل له: شهادة الإحصان تتضمن وجوب الرجم كشهادة الزنا، فهي في الحكم بشهادة توجب الحد، كذلك الشاهد على الشهادة في الحكم كالشاهد على الحق على أن تضمين شهود الإحصان إذا رجعوا فيه نظر، وأيضاً يمكن أن يقاس على شهادة النساء بعلة أنها شهادة الضرورة، فوجب أن لا تجرى في الحدود والقصاص بل هي أضعف من شهادة النساء؛ لأنها لا تسمع من شهادة الأصل.
مسألة(131/21)
قال: وإذا شهد رجلان على شهادة رجلين بأن يشهد كل واحد منهما على شهادة واحد لم تجز شهادتهما، وإن شهد على شهاتهما بان شهدا جميعاً على شهادة كل واحد منهما جازت شهادتهما على شاهدي الأصل، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، والخلاف في هذه الجملة من وجهين، ذهب ابن أبي ليلى وابن شبرمة إلى أن شهادة رجلين على شهادة رجلين جائزة بأن يشهد كل واحد منهما على شهادة واحد، وهذا لا يجوز عندنا، وقال الشافعي: لا يقبل أقل من شهادة أربعة بأن يشهد كل رجلين منهم على شهادة رجل، أما ما ذهب إليه ابن أبي ليلى من أن شهادة رجلين يصح على شهادة رجلين بأن يشهد كل واحد منهما على واحد من شاهدي الأصل فهو ظاهر الفساد؛ لأن الشاهد على الشهادة يحتاج أن يقرر شهادة الأصل عند الحكم كما يحتاج شاهد الأصل أن يقر الحق عند الحاكم فكما أنَّه لا يصح تقدير الحق بشهادة الواحد، كذلك لا يصح تقدير الشهادة بشهادة الواحد، وأيضاً لو جازت شهادة الواحد على الواحد على شهادة الواحد لجازت شهادة الواحد على شهادة الاثنين، ألا ترى أن شهادة اثنين لما جازت على شهادة الواحد جاز على شهادة الاثنين، ويحرر هذا بأن يقال من لم تجز شهادته على اثنين لم تجز شهادته على واحد، دليله المرأة أو من ليس بعدل، ويدل على ذلك ما رواه زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أنَّه قال: لا تجوز شهادة رجل على شهادة رجل واحد حتَّى يكونا شاهدين على شهادة شاهدين، وأما ما ذهبنا إلهي من أن شهادة اثنين تجوز على شهادة اثنين، فوجهه أن شهادة الاثنين حق للمدعي، يجب إثبات عند الحاكم فيجب أن يصح إثبات بشهادة شاهدين، دليله إقرار رجلين وإن كان في حق واحد أنَّه يصح إثباته بشهادة شاهدين يوضح ذلك أن الشهادة على الشهادة ليس بأقوى من الشهادة على الإقرار بل هو أضعف منه فإذا جاز ثبوت الأقوى بالشاهدين كان الأضعف أولاً بذلك، وأيضاً تحملها شهادة أحد اشهادين لا يمنع تحمل شهادة الشاهدين(131/22)