قيل له: هذا وإن كان كذلك فلا بد من إقامة هذه الشهادة على الخصم ومع ادعاء المدعي والأعمى لا يحصل له العلم بهما، ويمكن أن يقال أن شهادته لما لم تجز في المبصرات لم تجز في المسموعات بدلالة شهادة الفاسق والصبي والمجنون فلا ينتقض بالأصم وذلك أن الأصم يتحقق بالمبصرات؛ لأنَّه عكس ما قلنا، وليس هو ينقض له على أن بينهما فرق، وذلك أن الأصم يتحقق المبصرات وليس كذلك الأعمى؛ لأنَّه لا يتحقق المسموعات؛ لأنَّه لا يدري ممن يسمع وإنما يظن.
فإن قيل: أن خبر الأعمى يقبل وقد قبل الناس أحاديث أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من غير روايتهن، فكذلك تجوز شهادة الأعمى؟
قيل له: الشهادة ليست كالخبر؛ لأن الخبر يثبت به الحكم إذا قال فلان عن فلان، ومثله لا يصح في الشهادة ويجوز عندنا في الأخبار الإرسال ولا يجوز في الشهادة، والأصل فيه أنَّه تسومح في الأخبار ما لم يتسامح في الشهادة، ألا ترى أن الأخبار الواردة في القصاص والحدود وإن كانت من جهة النساء تقبل شهادتهن في ذلك لا تقبل، ويصح أن يقال في جواب ما سألوا أن الأحكم ثبت من جهة الاستدلال فلا يمتنع أن يكون ذلك حال الخبر المثبت وليس كذلك ما يقضي به القاضي؛ لأنَّه لايثبت بالاستدلال، فكذلك ما يثبت به القضاء من الشهادة فإن سألوا عمن ذهب بصره من الأنبياء عليهم السلام، قيل لهم: لا يمتنع أن حال الشادة في شرائع من كان قبلنا لم يكن كحالها الآن بالتسدد فيها على أن الأنبياء لا يمتنع أن يزيدهم الله عز وجل بزيد المعرفة وإن كان ذلك ناقضاً للعادة؛ لأن أكثر ما فيه أن يكون ذلك معجزاً فليس يلزم سؤالهم.
فإن قيل: إذا جاز أن يزوج الأعمى ابنته الصغيرة فهلا جاز أن يشهد؛ لنه لا يجوز أن يزوج حتَّى يعلم حظها، وذلك متعذر مع العمى.(131/13)
قيل له: الفرق بينهما أن الحظ المبتغي يجوز أن يعلم من جهة الأخبار، ألا ترى أنَّه يجوز أن يزوج ابنته الصغيرة من غائب لم يره قط إذا غلب عليه من جهة الأخبار أن لها فيه حظاً، وليس ذلك الشهادة؛ لأنَّه لا يجوز إقامتها على الغائب الذي لم يره على أن الإنكاح لم يراعى فيه ما روعي في الشهادة من الإحتياط والتشدد.
مسألة
وشهادة النساء وحدهن جائزة فيما لا يطلع عليه الرجال إلاَّ النساء، وتجري شهادة امرأة واحدة أما قبول شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال فلا خلاف في جملته وإن اختلف في أعيان المسائل إلاَّ ما يروى عن زفر أنَّه لم يجوز قبول شهادة النساء وحدهن في الولادة وغيره، والإجماع يحجه، وما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغيره في هذا الباب على ما نبينه من بعد هذا يحجه وقوله تعالى: {وَأَقِيْمُوا الشَّهَادَةَ للهِ}، وقوله: {وَلا يَأْبَى الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}، يشتمل على النساء كما يشتمل على الرجال؛ لأن أحكام الشرع كلها وردت بلفظ التذكير وإن كانت مشتملة على النساء اشتمالها على الرجال، كقوله: {أَقِيْمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}، وما جرى مجراه، ويمكن أن يقال قد ثبت أن لقبول قول النساء على الانفراد مدخلاً في الشرع، وذلك في أخبارهن المتعلقة في الدين، فكذلك في الشهادات والعلة أنها محكوم لها بالعدالة ولا يلزم عليه قبول قولهن في المعاملات نحو حمل الهدايا وغير ذلك، وإن لم تثبت لهن العدالة؛ لأن ذلك إثبات الحكم ولا علة.(131/14)
فأما: عددهن فقد اختلف فيه فذهب أبو حنيفة وأصحابه أن شهادة الواحد مقبولة مثل ما ذهب إليه أصحابنا، وروي ذلك عن الثوري، وقال أبو شبرمة والشافعي: لا يقبل أقل من أربع نسوة، وعن البتي لا يقبل أقل من ثلاث في الولادة واستهلال الصبي، عن مالك لا يقبل أقل من امرأتين، وروى ذلك عن ابن أبي ليلى، وروي عنه أيضاً مثل قولنا وحكي عن مثل قولنا عن الشعبي وإبراهيم وروي ذلك عن علي عليه السلام وذكر عن هشام أنَّه روى ذلك عن علي عليه السلام في القابلة، ووجهه أنَّه روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قبل شهادة القابلة والظاهر أنَّه قبلها وحدها؛ ولأنه لا فائدة في رواية ذلك إن كان قبلها مع غيرها وأيضاً قد علمنا أن الذي يجوز قبول شهادة النساء وحدهن فيما لا يطلع عليه الرجال إنَّما هو الضرورة، ولا ضرورة إلاَّ إلى واحد، فيجب أن لا يكون بأكر منها اعتبار على أنَّه قد تكون الشهادة على أمر لا يحل النظر إلهي إلاَّ لعذر فإذا نظرت إليه الواحد فلا ضرورة بعد ذلك فلا وجه لجواز ظهر أخرى إليه فجرى مجرى الرجل، وليس يلزم عليه الرجلان فيما لا يحل النظر إليه للرجال إلاَّ لعذر؛ لأن الدلالة قد دلت على أن الرجل الثاني في حكم الأول، وليس كذلك النساء، وأيضاً قد ثبت أنَّه لا حكم لعددهن إذا انفردن وذلك أن خمساً منهن أو أكثر لو شهدن بمال كانت الواحدة والعدة الكثيرة منهن سواء في أن شهادتهن لا تقبل فوجب أن لا يكون لعدهن معتبر في مسألتنا والمعنى انفرادهن عن الرجال، فكل موضع ينفردن عن الرجال فيجب أن تكون الواحدة والعدة الكثيرة فيه سواء، وأيضاً قول المرأة الواحدة مقبولة في نقل أخبار الأحكام فكذلك فيما اختلفنا فيه والعلة أنَّه قول ليس من شرط صحته انضمام قول رجل إليه.
فإن قيل: فخال الرجل سواء في هذا من خال المرأة؛ لأن شهادة الرجل الواحد لا تقبل بحال؟(131/15)
قيل له: هذا مما لا نص فيه عن أصحابنا، وقد حكي عن ابن سماعه أنَّه ذكر في نوادره، عن محمد أن الرجل الواحد لو فاجأها وهي تلد ولم يتعمد النظر وشه بذلك أن شهادته وحده مقبولة، وليس هذا ببعيد لو قلناه، وحكي عن الطحاوي أنَّه استدل على ذلك بأن قال قد ثبت وجوب قبول شهادة النساء في الولادة فنظرنا هل هو لأه لا يصلح للرجال النظر في تلك الحال فأقيم النساء مقام الرجال أو لأنها أصل في نفسها لا يعتبر بالرجال فلما وجدنا الشهادة على النساء لا تجوز إلاَّ لأربعة رجال وإن كان محرماً على الرجال النظر إلى ذلك الموضع لغير ذلك ولم يجب أن يقمن النساء مقام الرجال علمنا أن ذلك جاز؛ لأنَّه أصل بنفسه فإنهن لا يقمن فيه مقام الرجال، فوجب أن يسقط اعتبار العدد.
فصل(131/16)
قال يحيى بن الحسين عليه السلام وإذا قالت امرأة واحدة أني أرضعت رجلاً وزوجته رأينا أن يكف عنها ويخلي سبيلها مخافة أن يكون الأمر كما ذكرت والاحتياط فيه أصلح فخرج ذلك أبو العباس الحسني في النصوص على الاحتياط والاستحباب؛ لأن ظاهر قوله: لا يتضمن وجوب الفسخ وإنما أشار إلى الاحتياط؛ لأن الرضاع مما يجوز أن يطلع عليه الرجال لغير عذر ولأنه قال في الأحكام في باب الشهادات: ولا تقبل شهادة النساء وحدهن إلاَّ فيما لا يشهد عليه غيرهن من الاستدلال وأمراض الفروج، قال أيده الله: وهذا التخريج عندي لما ذكره بما نبه عليه يحيى عليه السلام فيجب على هذا أن لا تقبل شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وقال الشافعي: تقبل شهادة أربع نسوة وحكي عن الأوزاعي أنها وحدها إذا شهدت بعد النكاح لم تقبل شهادتها وأشهدت قبل النكاح جازت شهادتها، والأصل في ذلك أنَّه مما لا يجوز أن يطلع عليه الرجال؛ لأن ذوي المحارم منهم أن يجوز لهم أن ينظروا إلى تدينهن والإجارة والقرض ونحوه في أنَّه لا يقبل فيه شهادة النساء وحدهن، والعلة أنَّه مما يطلع عليه الرجال، وأيضاً هو مما ثبت به الحرمة فلا تجوز فيه شهادة النساء نفردات كالنكاح.
فإن قيل: فالولادة أيضاً تجوز أن يحضرها الرجل؟
قيل له: المراد هو المعتاد وليس في المعتاد أن الرجال يحضرون الولادة، وليس كذلك الرضاع؛ لأنَّه قد يرى النساء يرضعن مع الاتفاق في الطرق وغير ذلك.
مسألة(131/17)