فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {وَلا يَأْبَى الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}، والعبد ممنوع من الإجابة بحق المولى فلم يدخل في الآية؟
قيل له: المراد بالآية: {وَلا يَأْبَى الشُّهَدَاءَ}، مع ارتفاع الموانع، ألا ترى أن الحر قد يأباها لمرض أو خوف أو كونه محبوساً لحق الغير أو لكونه ملازماً، وإذا كان كذلك صح أن يكون العب داخلاً في الآية على أن العبد إذا ألزمته إقامة الشهادة فلا يمتنع أن نقول يقيمها لوجوبها كالصلاة المفروضة والصيام المفروض وإن أخل ذلك بحق المولى.
مسألة
قال: وشهادة الابن لأبيه والأب لابنه والأخ لأخته جائزة إذا كانوا عدولاً، أما شهادة الأخ لأخيه فلا خلاف في جوازها بين العلماء، إلاَّ ما يحكى عن الأوزاعي من منعها والإجماع يقضي عليه وعامة ما يستدل به على جواز شهادة الابن لأبيه أو الأب لابنه، يدل على ذلك وأما شهادة الابن لأبيه والأب لابنه فقد حكي عن عمان البتي أنَّه أجازها بشرط أن يكون الشاهد عدلاً مهدياً فاضلاً كأنه اشترط في هذا الموضع في باب العدالة أزيد مما يشترط في غيره، وهو رأي كثير من أهل البيت، وذهب أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما وعامة العلماء إلى أنها لا تجوز، وما ذكرناه من الظواهر من قوله عز وجل: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}، وقوله عز وجل: {فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَونَ مِنَ الشُّهَدَاءِ}، وقوله تعالى: {حِيْنَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ}، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <شاهداك أو يمينه>، ولم يستثن ولداً ولا والداً، فاقتضى ذلك كله جواز شهادة الولد لولده والوالد لولده.(131/8)


فإن قيل: فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <أنت ومالك لأبيك>، فوجب أن لا تصح شهادته له؛ لأنَّه يجري مجرى الشهادة للنفس، وكذلك روي أنَّه قال: <إنما أموالكم وأولادكم من كسبكم فكلوا من كسب أولادكم>، وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: <فاطمة بضعة مني>، فأثبت البضعية؟
قيل له: قوله: <أنت ومالك لأبيك>، لا خلاف أنَّه لم يوجب كون مال الابن لأبيه على التحقيق؛ لأن له أن يطالب الأب بماله عليه، ولا يجوز للأب أن يبيع مال الابن عليه إذا كان بالغاً، وكذلك لا ينفذ في عبيده عتقه فإن أن المارد به أن له حق التبس فيه لقوته أو ما جرى مجراه، وهذا القدر أو ما هو فوقه بإضعاف مضاعفة عند أبي حنيفة، والشافعي لا يوجب سقوط الشهادة؛ لأن للغريم أن يتناول عندهما من مال غريمه إذا امتنع من إيفائه حقه ومع ذلك لا خلاف أن شهادة الغريم لغريمه جائزة، كذلك قوله: <أولادكم من كسبكم>، مجازي يفيدان ابتدأه منكم وإلا فلا خلاف أنهم ليسوا كسب آبائهم وكذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: <فاطمة بضعة مني إنَّما أراد تسريفها وتعظيمها وتعريف الناس عظم محلها عنده لا أنَّها في الحقيقة بضعة إذ هي منفصلة عنده مستبدة بأحكامها ومن حكم بعض الشيء أن تكون الجملة مستملة عليه وعلى غيره فليس في شيء من ذلك، دليله على سقوط شهادة الآباء للأولاد وإنما ذلك كما، مثل وقال:
وإنما أولادنا بيننا ... أكبادنا تمشي على الأرض
لم يرد أنهم أكباد في الحقيقة وإنما وصف كرامتهم عليهم وما قدمناه يوجب قبول شهادتهم للأولاد، وشهادة الأولاد لهم، وأيضاً هو مسلم عدل فوجب أن تجوز شهادته له وإن كان سبباً له، دليله الأخ إلاَّ على قول الأوزاعي والعم والخال على قول الجميع.
فإن قيل: لما عرف م وجد الآباء بالأولاد ومحبتهم لهم توجب التهمة في شهاداتهم؟(131/9)


قيل له: معاذ الله أن يتهم العدل النقي بذلك فقد عرفنا من أحوال المسلمين من لدن الصحابة إلى يومنا هذا أنهم بانيوا الأولاد وقاتلوهم ابتغاء رضوان الله ولئن جاز أن يتهم في الشهادة لنفع يصل إلى ولده جاز أن يتهم إذا شهد للأجنبي، وأن يكون ارتشى وشهد له ثُمَّ قد علمنا أن الإنسان قد يحب أخاه كما يحب ولده، لهذا قال بعض العرب لما بلغه أن أخاه قتل ولده:
أقول للنفس تأسِّياً وتغرية ... إحدى يدي أصابتني ولم تزد
كلاهما خلف من فقد صاحبه ... هذا أخي حين ادعوه وذا ولدي
فكيف عن أخيه ولم يقتص نه فبان أن شيئاً مما ذكروه لا يثبت ولا يصير طعناً فيما تعلقنا به، قال أيده الله: وجه المسألة ما بيناه، وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنَّه قال: (لا تجوز شهادة الولد لوالده إلاَّ الحسن والحسين؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شهد لهما بالجنة)، فإن صح أن الخبر لم أحق قبول شهادة بعضهم لبعض لوجهين:
أحدهما: أن قوله عندنا منبع.
والثاني: أنَّه لم يعرف له في الصحابة مخالف، والله أعلم.
وفي الجملة إن لم يكن إجماع على ذلك فما ذهب إليه أصحابنا من إجازة شهادتهم قوي.
مسألة
قال: وتجوز شهادة الزوج لزوجته، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجوز، والوجوه الَّتِي ذكرناها فيما تقدم أكثرها يدل على ذلك، ويدل على ذلك ما روي أن علياً شهد لفاطمة عليهما السلام ... أبي بكر، فقال أبو بكر: رجل مع رجل أو امرأة وذك أن أم أيمن كانت شهدت مع علي ولم يقلان شهادة الزوج لزوجته لا تقبل، ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة فكان ذلك إجماعاً منهم؛ لأن الأمر إذا ظهر وانتشر فيهم، وقال به بعضهم ولم يظهر عن أحد خلافه، كان إجماعاً.
فإن قيل: لا تجوز شهادة أحدهما لصاحبه؛ لأن كل واحد منهم ينتفع بماله غالباً فلم يجز أن تقبل شهادة واحد منهم لصاحبه.(131/10)


قيل له: أما الزوج فلا حق له في مال المرأة ولا يحل أن يبسط فيه إلاَّ بإذنها كالأجنبي فلا يجب أن يكون هذا مانعاً من قبول شهادته وأما المرأة فانتفاعها إنَّما هو بالمعاوضة؛ لأن المهر عوض البضع والنفقة في مقابلة بذلها نفسها، وهذا يجري مجرى ما يكون بين المتبايعين أو بين المستأجِر والمستأجَر، إما يكون بين الغرماء وشيء من ذلك لا يمنع قبول شهادته.
فإن قيل: ما تستحق المرأة من النفقة يزداد بحسب كثرة مال الزوج، وكذلك مهر المثل يزداد بحسب زيادة مال المرأة، فشهادة الرجل تسقط؛ لأنها تزيد في قيمة ما يملكه وهو البضع وشهادة المرأة تسقط؛ لأنها تزيد في استحقاقها.
قيل له: هذا فاسد فإن الغريم إذا شهد لغريمه المقر ثبت شهادته، وإن كان ما يحصل له يستحقه الشاهد والرجل يشهد على جاره السخيف المؤذي في داره للكريم الفاضل فتقبل وإن كانت مجاورته تزيد في قيمته دار الشاهد على أن ما قالوه لا فائدة فيه لأن زيادة مهر المثل لا تنفع الزوج على وجه من الوجوه؛ لأنها ولو وطئت بشبهة كان المهر لها دون الزوج، فأي فائدة للزوج فيه.
فإن قيل: العادة أن مال الزوج يكون في يد المرأة وما المرأة يكون في يد الزوج، فإذا شهد أحدهما لصاحبه فكأنه شهد بما يستحقه باليد؟
قيل له: مال لكل واحد مما في يد صاحبه يكون على سبيل التراضي لا على سبيل الاستحقاق، فلا معنى لقولكم أنها شهادة بما تستحقه يد.
مسألة
قال: وتجوز شهادة كل ذي رحم لرحمه إذا كان عدلاً، وهذا مما لا خلاف فيه إلاَّ ما تقدم بيانه وبما أجمع عليه من ذلك يستدل على ما أختلف فيه، والله أعلم.
مسألة(131/11)


قال: ولا تجوز شهادة الأعمى وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وابن أبي ليلى والشافعي، وقال مالك والليث: تجوز، وحكي عن بعضهم أنَّه جازها إن كان تحملها قبل العمى ولم تجز ما تحمله بعد في العمى والدليل على ذلك قول الله عز وجل: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٍ}، فنهى عن اتباع القول بغير علم، الأعمى يقول بالظن والحسبان دون العلم، وقال الله تعالى: {إِلاَّ مِنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}، فبين عز وجل أن الممدوح من شهد بالحق وهو عالم به، وروي عن ابن عباس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الشهادة، قال: <ترى هذه الشمس على مثلها فاشهد وإلاّ فدع>، وروي أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال: <لا تشهد إلاَّ على ما تيقنه>، والأعمى إنَّما يشهد على الصوت والصوت قد يشبه الصوت، وقد يتعمد التشبه بصوت غيره حتَّى لا يكاد يغادر منه شيئاً في النعمة وغيرها، وأيضاً قد ثبت أن البصير إذا لم يتحقق ما يشهد به لا يجوز أن يشهد فيجب أن لا تجوز شهادة الأعمى قياساً عليه؛ لأنَّه لا يتحقق ما يشهد به إنَّما يظن ذلك.
فإن قيل: يجوز أن يعلم الأعمى من يشهد عليه على التحقيق بأن يتعلق به فيقر بشيء فيظن ويأخذ بعض أعضائه ثُمَّ يسمع منه إقراراً ثُمَّ يشهد به قبل أن يفارقه ويخليه عن يده.
قيل له: هذا أيضاً يجوز أن يقع فيه التلبيس بأن يقرب رجل من الرجل المتعلق به فيقر بشيء فيظن الأعمى أن المقر هو من تعلق به على أن مثل هذا لا حكم له؛ لأنها شهادة لا بقع مثلها على ما بلغنا قط وينعد أن يتفق وقوع مثلها فيما بعد على أنَّه إذا ثبت أن شهادة الأعمى في سائر المواضع غير مقبولة جاز أ، نمنع من هذه الشهادة؛ لأن أحداً من المسلمين لم يفرق بينهما وبين سائر الشهادات.
فإن قيل: ففي الشهادات ما تجوز إقامتها بالاستفاضة من دون المعاينة فأجيزوا فيا شهادة الأعمى؟(131/12)

64 / 122
ع
En
A+
A-