قيل له: قد روي ذلك عن بعضهم وعن بعضهم بل الأكثر من المفسرين، أن المارد به من غير أهل دينكم، وهذا هو الظاهر؛ لأن الخطاب للمؤمنين ليس لقبيلة بعينها على أنا لو قبلنا ذلك حملنا الآية على الوجهين جميعاً، فقلنا: يجوز أن يكن المراد من غير أهل دينكم من غير قبيلتكم، فيصح استدلالنا على ما بيناه.
فإن قيل: يلزمكم بهذا أن تجيزوا شهادة الوثنية والملحدة وإن تجيزوا شهادة اليهود على النصارى وشهادة النصارى على اليهود.
قيل له: كل ذلك يقتضيه الظاهر إلاَّ أنا نخص الوثنية والملحدة بالإجماع ونخص شهادة اليهود على النصارى، وشهادة النصارى على اليهود بما نذكره من بعد.
فإن قيل: شهادتهم منسوخة على كل وجه بقوله عز وجل: {مِمَّنْ تَرْضَونَ مِنَ الشُّهَدَاءِ}، وقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}.(131/3)
قيل له: هذا نسخ بشهادتهم على المسلمين ولم تنس شهادة بعضهم على بعض؛ لأن قوله: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ}، وارد في المسلمين؛ لأن صدر الآية قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ}، إلى قوله: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ}، وكذلك: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}، ورد بعد قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}، وذلك من أحكام المسلمين وليس في الآيتين ما يدل على نسخ شهادة الذميين بعضهم من بعض، ويدل على ذلك ما روي عن الشعبي عن جابر أن اليهود جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم برجل وامرأة منهم زنيا، فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <ائتوني بأربعة منكم يشهدون>، فشهد أربعة فرجمهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وروي عن عامر عن جابر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أجاز شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض، وروى لنا أبو العباس الحسني بإسناده يرفعه فيما أظن إلى ابن الزبير، عن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أجاز شهادة اليهود بعضهم على بعض، وأيضاً عند الشافعي أن شهادة أهل الأهوى جائزة، وبه قال أكثر العلماء إلاَّ الخابية فإن بعضهم يشهد لبعض إذا أقسم له وإن بلغ ذلك حداً يوجب الفسق، وكذلك الباغي فيجب أن تجوز شهادة أهل الكتاب؛ لأن ضلالهم من طريق اليدين كضلاله، وإن كانت الوصية من شرطها الأمانة، والمعنى أن المبتغي في كل واحد عدالة الأفعال.
فإن قيل: فكيف تقولون أنَّه عدل في فعله مع كفره؟
قيل له: لا يمتنع ذلك؛ لأن معنى العدل هو الوسط الذي لا يميل ومن كان مأموناً في فعله لا يمتنع أن يقال أنَّه عدل في فعله.
فإن قيل: كيف يكون الكافر مأموناً؟(131/4)
قيل له: الشرع منع من ذلك ولا يمتنع أن يكن الإنسان من أهل الشهادة ممن تقبل شهادته ثُمَّ لا تقبل في موضع دون موضع كالمرأة وإن كانت من أهل العدالة ولعفاف لا تقبل شهادتها في القصاص والحدود وعند الشافعي في النكاح فلا يمتنع أن تقبل شهادة الذمي في موضع دون موضع.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٌ فَتَبَيَّنُوا}، الكافر فاسق؟
قيل له: المارد به من فسق من جهة الفحل لا على وجه اليدين للأدلة التي ذكرناها، ويكشف ذلك شهادة أهل الأهواء وإن فسقوا يكشف ذلك أن البغاة الذين حاربوا علياً عليه السلام فسقوا ولم يمتنع أحد من العلماء من قبول أخبارهم وإن كان لا يقبل إلاَّ خبر العمل؛ لأن فسقهم كان من جهة اليدين لا من جهة التهتك فإن قاسوهم على من فسق من المسلمين ناقضناهم بالخوارج والبغاة.
فإن قيل: فإنهم يرتكبون أموراً لو ارتكبها المسلم سقطت عدالته كشرب الخمر وأكل لحم الخنزير وما أبه ذلك فأولى أن تسقط عدالتهم.
قيل له: إنَّما سقطت عدالة المسلمين بهذه الأفعال؛ لأنهم لا يفعلونها تديناً بل تهتكاً والذمي يفعلها تديناً لا تهتكاً فلم يجب أن تسقط عدالته يكشف ذلك، أو من شرب النبيذ المحلل عند أبي حنيفة، وكان خفياً لم تسقط عدالته؛ لأنَّه شربه متديناً، ومتى شربه من كان من أصحابنا أو أصحاب الشافعي سقطت عدالته؛ لأنَّه شربه تهتكاً لا تديناً.
فإن ناقضونا بالمرتد.
قيل لهم: أنَّه ليس من أهل الملل وكلامنا في أهل الملل، فإن شئت زدت في العلة فقلت أنَّه محقون الدم على التأبيد فسق تديناً احتراز من المرتد، فأما المنع من شهادة اليهود على النصارى أو النصارى على اليهود، فالأصل فه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: <لا تجوز شهادة ملة على ملة إلاَّ ملة المسلمين فإنها تجوز على الملل كلها>.
فإن قيل: الكفر كله ملة واحدة مختلفة؟(131/5)
قيل له: الخبر قد دل على خلاف ما ذهبنا إليه؛ لأنَّه صلى الله عليه وآله وسلم لما قال على الملل كلها، أثبت ثلاث ملل فبان أن بعد ملة الإسلام أكثر من ملة واحدة.
فإن قيل: ما أنكرتم على من قال أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم عبر عن الملتين بالملل؛ لأن الاثنين قد يعتبر عنهما بلفظ الجمع؟
قيل له: ذلك يكون مجازاً أو قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يحتمل على المجاز إلاَّ بالدلالة، وقد استقصيناه ف كتاب النكاح في مسألة منع الناكح بين اليهود والنصارى، فلا وجهن لإعادته، وإن ثبت أن الكفر ملل كثيرة فلك أن تقيس شهادة اليهودي على النصراني على شهادة كافر على من لا يدين بشريعته؛ لئلا يحتاج إلى ذكر اختلاف الملل.
مسألة
قال: وتجوز شهادة العبد إذا كان عدلاً، قال أصحابنا: المراد به إذا شهد لغير سيده، وقال عثمان البتي: تجوز شهادة العبد لغير سيده، وذكر أن ابن شبرمة كان يراها جائزة، ويروى ذلك عن شريح، وروي عن أنس قال: ما أعلم أحداً رد شهادة العبد والأظهر أنَّه رأي أكثر أهل البيت، وذهب أبو حنيفة وأصحابه والشافعي إلى أنها لا تجوز، ويدل على ما قلنا قول الله تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ}، وقال تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}، فلم يخص حراً من عبد فمن ثبتت عدالته جازت شهادته، وهو قياس على الحق بعلة أنَّه مسلم عدل أو يقال هو ممن يجوز قبول أخبار الدين منه، فيجب أن يكون من أهل الشهادة، دليله الحر، ألا ترى أن الفاسق لما لم يجز قبول خبره في الدين لم يكن من أهل الشهادة ولا يلزم عليه الذمي؛ لأنَّه وجود الحكم ولا عليه وذلك لا يكون نقضاً.
فإن قيل: أن الشهادة من صفتها أن يلزم الضمان بالرجوع فكما لم يكن العبد ممن لم يضمن لم يكن من أهل الشهادة؟
قيل له: في ضمان الراجع عن يحي بن الحسين عليه السلام روايتان:(131/6)
إحدى الروايتين: أن الحكم ينقض به ولا يلزم الضمان فعلى هذه الرواية السؤال ساقطاً.
والجواب على الرواية الأخرى: أن الضمان يلزم ولا يطالب به ما دام عبداً؛ لأنَّه لا يملك فهو بمنزلة الفقير المعدم يلزمه الضمان في أنَّه لا يطالب بهما دام عبداً، وإن كان الدين قد لزمه.
فإن قيل: العبد لما لم يكن من أهل الولاية لم يكن م أهل الشهادة كالصبي والمجنون.
قيل له: لم تكن العلة فيهما ما ذكرت بل العلة فيما أنَّه لا يصح وضعها بالعدالة، وليس كذلك العبد وتبين أن العدالة ليس سبيلها سبيل الشهادة أن المخالف في هذا لا يجوز شهادة الأب لولده وإن كان، ولأبيه عليه أقوى الولايات ما دام صغيراً.
فإن قيل: شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل لما كان ميراثها على النصف من ميراث الرجل، فبان أن الشهادة معتبرة بالإرث، فإذا لم يكن العبد من أهل الميراث لم يكن من أهل الشهادة؟
قيل له: لا يصح اعتبار الشهادة بالميراث من وجوه:
أحدها: أن المرأة لا يطلق أن شهادتها أبداًً على النصف من شهادة الرجل؛ لأنا لا نقبل شهادتها أصلاً فليس الحدود والقصاص وتقبل شهادة امرأة وحدها فيما لا يطلع عليه الرجال فتكون شهادتها بمنزلة شهادة رجلين، ولا يصح إطلاق القول بأن المرأة على النصف من الرجل في الميراث؛ لأن في بعض المسائل تكون المرة والرجل في الإرث سواء، وفي بعضها تسقط المرأة ولا يسقط الرجل فإذا صح ذلك بطل ما اعتقدوه.
فإن قيل: قول الله تعالى: {عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ}، يوجب سقوط الشهادة من العبد؛ لأن الظاهر أنَّه لا يقدر على شهادة لها حكم؟
قيل له: أما الشهادة فقد علمنا ضرورة أنَّه يقدر عليها فثبت أنَّها غير مراده بالآية، وقولهم: لا يقدر على شهادة لها حكم لا معنى له؛ لأن كونها مما يحكم بها أولا يحكم بها ليس مما يدخل تحت المقدور؛ لأنه أمر يرجع إلى أمر الله عز وجل من جهة النص والإجهاد فلا معنى للتعلق بالآية.(131/7)