قال: وإذا لفظ الرجل هازلاً بما يجري مجرى الإقرار على نفسه وعلم ذلك من قصده لم يكن ذلك إقراراً ولم يلزمه به حكم، والوجه في ذلك أن الإقرار إنَّما تلزم؛ لأنَّه خبر منه عن لزوم الحق إياه والمقصود إنَّما يعلم ضرورة فإذا علم من قصده أنَّه لم يرد الآبار عن لزوم الحق لم يكن له حكم دليله سائر العبارات التي لا تتضمن الأخبار عن لزوم الحق، وأيضاً قد ثبت فيما صيغته صيغة الأمر أنَّه لا يجب أن يحمل على الأمر إذا علم أنَّه تهديد أو إباحة سوى صدر عن الله عز وجل أو عن رسوله صلى اللَّه عليه وآله وسلم، أو عن بعض من تلزمه طاعته كسيد العبد ونحوه، والعلة أنَّه علم من قصد فاعل الصيغة أنَّه لم يقصد أن يكون ذلك أمراً فوجب صرفه عن ظاهرهن كذلك ما ظاهر الإقرار إذا علم من قصد فاعله أنَّه لم يرد به الإقرار لا يجب أن يحمل على أن إقرار، والعلة أنَّه لفظ علم من قصد فعله خلاف ظاهره، يؤكد ذلك شهادة الهازل أنها لا توجب حكماً، كذلك إقرار الهازل، والمعنى أنَّه هزل بما ينبئ عن استقرار حق متقدم واحترزنا بهذا من إيقاع الطلاق والعتاق والنكاح، وأيضاً قد ثبت أن من أقر بحق يعلم أنَّه فيه كاذب لا يكون لإقراره حكم كذلك الهازل، ولا معنى أنَّه لا يجوز أن يكون فيه صادقاً والهازل ليس يكون مخبراً فلا يكون قوله: لا صدقاً ولا كذباً، فيجب أن لا يكون له حكم؛ لأنا لا نجوز ما علمنا بقصده أنَّ يكون ذلك صدقاً ويجيء على هذا أن الوكيل لو ادعى لموكله شيئاً له لم يكن ذلك إقراراً لموكله وأنه لو ملكه بعد ذلك لم يحكم به عليه لموكله؛ لأنَّه قد علم من حاله أنَّه غير قاصد إلى الإقرار به.
مسألة
قال: وإذا وجد شيء في يد المفلس الذي حجر عليه لإفلاسه فأقر به لغيره لم يجز إقراره، ومن حجر عليه للتبذير والإسراف جاز إقراره إذا كان صحيح العقل؛ لأن الحجر على هذا الوجه لا يصح.(130/8)


هاتان المسألتان مبينتان على أن حجر الدين صحيح وإن حجر التبذير غير صحيح وقد مضى الكلام فيهما بما يغني عن إعادته.
مسألة
قال: وإقرار الوكيل على الموكل جائز فيما هو وكيل فيه وبه قال أبو حنيفة وأصحابه غير زفر فإنه لم يجوز في الخصومة، ووجهه أن الموكل قد أقامه مقام نفسه في نفسه في الخصومة وفي البيع والشراء فيجب أن يجوز إقراره في الموضع الذي تصرفه فيه جائز كما جاز إقرار الموكل ولأن الخصومة وسائر ما ذكرنا يشتمل على الإقرار والإنكار وينتظم الأمرين جميعاً فوجب أن يكون ذلك أعني الإقرار داخلاً تحت التوكيل وإذا كان داخلاً فيه وجب جوازه، وأيضاً يصح من الوكيل إقراره بالقبض، فيجب أن يصح منه إقراؤه بالإقرار، دليله الموكل، ألا ترى أن الأجنبي لما لم يجز إقراره ابراؤه بالإقرار لم يجز إقراؤه بالقبض.
مسألة
قال: وإذا أقر الرجل أن لفلان عليه دراهم كثيرة حمل على مائتي درهم تخريجاً خرجه أبو العباس الحسني رضي الله عنه م قوله في الأحكام في تزكية ما لا يكال: أنَّه لا شيء فيه إن كان يسيراً لا يبلغ في السنة مائتي درهم إلاَّ أن تكثر غلاَّته وتعظم حتى تبلغ مائتي درهم ففيه العشر، ووجهه أنَّه يثبت في الشرع أن مائتي درهم كثير؛ لأن الكثير هو ما يكون الإنسان به غنياً مكثراً وما لا يكون به الإنسان غنياً مكثراً لا يكون كثيراً فإذا كان كذلك وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمعاذ: <خذ من أغنيائهم ورد في فقرائهم>، ثبت أن من تكون معه مائتا درهم يكون غنياًن وذلك يوجب أن مائتي درهم كثير بالشرع، فإذا ثبت ذلك وجب أن يكون الإقرار بالشرع محمولاً على ما يفيده الشرع، ألا ترى أن من أقر بالنكاح كان ذلك محمولاً على ما هو نكاح من جهة الشرع، وكذلك الإقرار بالبيع محمول على ما يكون بيعاً من جهة الشرع، وكذلك الوقف والنسب والولاء، فكذلك الكثير يجب أن يكون الإقرار به محمولاً على ما يوجب الشرع أن يكون كثيراً.
مسألة(130/9)


قال: ومن أقر لغيره بشيء فكذبه المقر له بطل إقراره، وهذا مما لا أحفظ فيه خلافاً، وذلك أن المقر يثبت لغير حقاً فإذا أنكره المقر له لم يثبت إذا كان ذلك حقاً له محضاً؛ لأنَّه بمنزلة من أقر أنَّه ليس له ذلك الحق عليه، فوجب سقوط الإقرار له، والله أعلم.
مسألة
قال: وإذا ادّعى رجل على رجل مالاً فقال المدعى عليه: قد قبضته كان ذلك إقراراً من المدعى عليه بالمال وعليه البينة بالقضاء، وعلى صاحبه اليمين، وهذا أيضاً مما لا أحفظ فيه خلافاً وذلك أن قول المدعى عليه: قد قبضته يتضمن أمرين:
أحدهما: الإقرار بثبوت المال عليه؛ لأن القضاء لا يكون إلاَّ بعد الثبوت.
والثاني: ادّعاء أدائه فإقراره محكوم عليه به، وادعاؤه لا يثبت إلاَّ بالبينة لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: <البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه>، ومتى أنكر المدعي أن يكون قبض فعليه اليمين؛ لأنَّه منكر، قال: وإن قال: إن كان له علىَّّ شيء فقد قبضته لم يثبت به شيء ولم يكن ذلك إقراراً يلزمه شيئاً، وذلك أنَّه علقه بشرط مجهول فلم يثبت الإقرار الذي يكون في مضمون قوله قبضته فلم يكن له حكم.(130/10)


باب القول في الشهادات
لا تجوز شهادة الفاسق ولا الصبي ولا الشريك لشريكه ولا الجار إلى نفسه، أما شهادة المجاهد بفسقه فلا خلاف أنها لا تقبل؛ لأن الفسق مناف للعدالة والماهر بالفسق لا يكون عدلاً، وقد قال الله عز وجل: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}، وقال: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ}، ومن يرضاه المسلمون لا يكون فاسقاً، وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام: (لا يجوز شهادة منهم ولا ظنين ولا محدود في قذف ولا مجرب في كذب ولا جاز إلى نفسه ولا دافع عنها)، والصبي أيضاً لا خلاف في أن شهادته لا تقبل في الحقوق، وعلى البالغين وإنما الكلام في جواز شهادته على مثله في الشجاج وما جرى مجراها، وسيأتي الكلام فيه في موضعه، ووجه منع شهادته ما قدمناه من أن العدالة معتبرة فيها، والصبي لا يكون عدلاً لئن العدالة ترجع إلى أفعاله واعتقاداته، ولا حكم لأفعاله وأقواله؛ إذ لا تكليف عليه فهو بمنزلة المجنون، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <رفع القلم عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم>، والشريك لا تقبل شهادته لشريكه فيما هو شريك له فيه؛ لأنَّه يكون شاهداً لنفس وشهادة الإنسان لنفسه يكن دعوى إذن مدع في شهادة يحتاج فيها إلى البينة لقوله: <البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه>، وقوله: <لو أعطي الناس بدعاويهم؛ لادعى قوم دماء قوم وأموالهم>، فأما إن شهد لشريكه في أمر لا تعلق له به فشهادته مقبولة؛ لأنَّه لا يكون في ذلك مدعياً لنفسه وشهادة الجار إلى نفسه، أيضاً لا خلاف في أنها مردودة للوجه الذي بيناه في الشريك، ويكون جاراًّ إلى نفسه متى تضمنت شهادته إثبات ملك لنفسه أو حقاً على أي وجه كان.
مسألة(131/1)


قال: ولا تجوز شهادة الذمي على المسلم، وشهادة المسلمين على أهل الذمة جائزة، وهذا مما لا خلاف فيه، والأصل فيه ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: <لا تجوز شهادة ملة على ملة إلاَّ ملة الإسلام فإنها تجوز على الملل المختلفة كلها>، فبين أن شهادة المسلمين جائزة على أهل الملل كلها، وأيضاً المسلم العفيف عدل على الإطلاق فوجب أن تقبل شهادته على أهل الذمة، دليله شهادته على أهل الإسلام، والذمي وإن كانت تجوز شهادته عندنا على مثله فإنه لا يكون عدلاً على الإطلاق؛ لأن الإطلاق يقتضي أن يكون عدلاً في اعتقاده وأفعاله، والذمي وإن كان عدلاً في أفعاله فلا يطلق فيه أنَّه عدل لفساد اعتقاده.
مسألة
قال: ولا تجوز شهادة اليهود على النصارى ولا شهادة اليهود النصارى على اليهود لاختلاف مللهم وشهادة اليهود والنصارى على النصارى جائزين تخريجاً اختلفوا في هذه المسألة فذهب الشافعي إلى أن شهادة أهل الذمة غير مقبولة غير جائزة على وجه من الوجوه، وذهب أبو حنيفة إلى أن شهادة أهل الذمة جائزة بعضهم على بعض وأجاز شهادة اليهود والنصارى بعضهم على بعض، وقال ابن أبي ليلى مثل قولنا، وكذلك الأوزاعي والحسن بن صالح بن حيّ والليث ذكره الطحاوي في اختلاف الفقهاء، وحكي ذلك عن كثير من المتقدمين، والأصل في قبول شهادة أهل الذمة قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا شَهَادَةَ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ}، إلى قوله: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ}، والظاهر أنَّه أراد بقوله: {مِنْ غَيْرِكُمْ}، من غيركم المؤمنين، فوجب أن يكون المراد من غير المؤمنين، فاقتضى ذلك جواز شهادتهم على المسلمين وغيرهم فلما نسخ الحكم بشهادتهم على المسلمين بقيت شهادتهم على أهل لكفر على موجب حكم الآية.
فإن قيل: روي عن بعض المفسرين أن المراد به من غير قبيلتكم.(131/2)

62 / 122
ع
En
A+
A-