أحدهما: أن ثبوت الولد ولد الرجل يمكن أيضاً أن يعرف بالبينة بأن يعلم أنَّه لود على فراشة.
والثاني: أن هذا منتقض وذلك أن النكاح والولاء يمكن أن تعرف صحتهما من جهة المقر، ولا خلاف أن الإقرار بهما يصح لما لم يكن بين المقر والمقر له وامتطة فلا يمتنع أن يجوز إقرار المرأة بالولد وإن صح أن يعلم من غير جهتها.
مسألة
قال: والإقرار بالدين جائز في الصحة والمرض للوارث وغير الوارث، لا خلاف في جواز إقرار المريض بالدين وإنما الخلاف فيه إذا كان هناك غرماء في حال الصحة، قال أبو حنيفة: يقدمون على من أقر له في حال المرض، وقال الشافعي: يساوي بينهم، وهو الصَّحيح، ووجهه أنهم جميعاً قد استووا في ثبوت حقهم في ذمة المريض، واشتركوا في السبب الموجب، فوجب أن يستووا في الاستيفاء، ولا خلاف أنهم يستوون إذا كان وفا، فكذلك إذا كان عجز ولا خلاف أنَّه لو ثبت الحق بالبينة استوى غرماء الصحة والمرض، كذلك إذا ثبت بالإقرار، والمعنى أن كل واحد منهما يوجب الحق ويستدل على ذلك بقول الله عز وجل: {كُونُوا قَوَّامِيْنَ بِالْقِسْطِ}...الآية، فكيف يأمره بالإقرار بما عليه، ويمنع تصديقه، وقال: {فَلْيُمْلِلِ الَّذِيْ عَلَيْهِ الْحَقُّ}، فكيف يأمره بأن يمل ولا يصدق.
فإن قيل: غرماء الصحة قد تعلق لهم حق الاستيفاء في مرضه بماله، ألا ترى أنَّه لو وهب أو تصدق ثُمَّ مات فسخ ذلك؛ لحق الاستيفاء في مرضه بماله، ألا ترى أنَّه لو وهب أو تصدق ثُمَّ مات فسخ ذلك لحق الغرماء، فإذا ثبت أن حقهم تعلق بالمال في المرض لم يصدق المريض عليهم في إيجاب حق الغير مع حقهم؟(130/3)
قيل له: هذا منتقض بالورثة وذلك أن حقهم تعلق بماله في المرض فيما زاد على الثلث، ألا ترى أنَّه لو زاد على الثلث في الهبة والصدقة وجب أن يفسخ ومع هذا صدق من أقر بما زاد على الثلث مع تعلق حق الوارث به، فكذلك مع تعلق حقوق غرماء الصحة به، وأيضاً قد استووا هم وغرماء الصحة في وجوب فسخ الهبة والصدقة لحقوقهم، فوجب أن يستووا في الاستيفاء وأما الإقرار في المرض للوارث فإن أبا حنيفة يبطله إذا مات في مرضه، وحكى ذلك عن مالك، وقال الشافعي: هو ثابت صحيح مات أو عوفي، وبه نقول هذا الفصل كان الأولى أن يؤخر.
فإن قيل: حال المرض حال التهمة فوجب أن يقدم عليه إقرار حال الصحة؟
قيل له: ليس كذلك بل حال المرض أبعد من التهمة؛ لأنها حال يظن معها الورود على الله عز وجل والانقطاع عن أحوال الدنيا التي لها يقدم الإنسان على ما لا يحب على أنا لو سلمنا أنها حال التهمة لم يؤثر؛ لأن بالتهم والشبهة لا تسقط الحقوق وإنما تدرق الحدود فلا تعلق بها، ووجه قولنا في جواز إقرار المريض للوارث قوله عز وجل: {فَلْيُمْلِلِ الَّذِيْ عَلَيْهِ الْحَقِّ}، ومعلوم أنَّه أمر به لتثبيت الحق ولم يخص به الصَّحيح من المريض وإن يكون صاحب الحق وارثاً أو غير وارث، فكذلك قوله تعالى: {كُونُوا قَوَّامِيْنَ بِالْقِسْطِ}، وأيضاً هو مميز نافذ الإقرار للأجنبي فوجب أن يثبت إقراره للوارث دليله الصَّحيح والإقرار هو إخبار عن حق لزمه قبل الإقرار للأجنبي، فوجب أن يلزمه دليله الإقرار للأجنبي.
فإن قيل: المريض في حكم المحجور عليه فيما يتعلق بالوارث؛ لأن ما يملكه من الثلث في حال المرض لا يجوز له صرفه إلى الوارث وهذا صفة لا يجوز تصرف المالك فيه كالصبي والمجنون، فوجب أن لا يصح إقرار للوارث.
قيل له: هذا السؤال لا يستقيم على أصلنا؛ لأن من مذهبنا أن الوصية للوارث جائزة إلى الثلث وقد بينا ذلك في كتاب الوصايا.(130/4)
ويقال لهم: لو سلمنا لكم ما ادعيتموه لم يصح ما بينتم عليه؛ لأن الوصية لا تشبه الإقرار ولا يمتنع أن يكون في حكم المحجور عليه في الهبة والوصية، فإن لم يكن في حكم المحجور عليه في الإقرار، ألا ترى أن الإقرار لا يصح له من المريض في الوصية بأكثر من الثلث، ولا أن يهبه له وهو في الثلثين في هذا في حكم المحجور عليه، ومع هذا يصح الإقرار للأجنبي فيما زاد على الثلث ولم يكن في الإقرار في حكم المحجور عليه فكذلك ما اختلفنا فيه.
فإن قيل: فهو في حال المرض غلي مالك للثلثين فليس ذلك في حكم الحجر؛ لأن الحجر هو منع المالك من التصرف؟
قيل له: هذا باطل؛ لأن إقراره للأجنبي جائز في الثلثين وذلك يقضي منه ديونه ولو لم يكن مالكاً هل لم يصح ذلك فبان أنَّه يملكه إلاَّ أنَّه في حكم المحجور عليه فيه في باب الوصية فلا يمتنع أن يكون ذلك حكمه في الثلث في باب الوصية للوارث.
فإن قيل: روي عن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم أنَّه قال: <أن الله جعل لكم ثلث أموالكم في آخر أعماركم زيادة في أعمالكم>، فدل ذلك على أنَّه لا يملك إلاَّ الثلث؟
قيل له: النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم لم ينف كون ما زاد على الثلث ملكاً له وإنما جعل الثلث زيادة في الأعمال فلا دليل لكم فيه.
فإن قيل: قد ثبت أنَّه لا يملك إثبات الوارث في المرض في الهبة والوصية فكذلك في الإقرار؛ لأن ذلك كله قول؟
قيل له: قد بينا أن هذا على أصولنا لا يلزمنا لتجويزنا الوصية للوارث على أنَّه يمكن أن يقال لهم مع تسليم ذلك أن الإقرار بالثلثين جائز للأجنبي وإن كان لا يصح إثبات حقه فيه م جهة الهبة والوصية، فكذلك الوارث لا يمتنع أن يصح إثبات حق الوارث بالإقرار وإن كان لا يجوز إثبات حقه بالهبة والوصية.
مسألة(130/5)
قال: وإذا أقر الرجل بأخ له شاركه في الإرث ولم يثبت نسبه، وهذا قد بيناه فيما مضى في كتاب الفرائض فلا وه لإعادته. قال: وإذا أقر رجل واحد بدين على موروثه وكان معه وارث غيره ينكره لزمه من ذلك ما يخصه، وهذا أيضاً بيناه فيما تقدم.
مسألة
وإقرار السبي بعضهم ببعض لا يجوز، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: يجوز ذلك، ووجه قولنا ما روي أن عمر كتب إلى أمرائه: أن لا تورثوا الحميل إلاَّ ببينة، ولم يرو خلاف عن غيره، فجرى مجرى الإجماع على أنَّه مما يضعف من طريق الاعتبار حداً، وما جرى هذا المجرى إذا قاله مثله من الصحابة فالأقرب أنَّه قال أيضاً عن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم، ووجه الاجتهاد في أنَّه يسقط ما استحق بالولاء الثابت عن ما يجري مجرى العوض من العتق وهذا يغير صفة أن الولاء كالتعصيب ومحمول عليه، ولا خلاف أنَّه أضعف التعصيب فإذا جاز أن يسقط الإقرار بالولد التعصيب كان أولى أن يسقط الولاء؛ لأنَّه أضعف التعصيب واحترزنا بأنه يجري مجرى المستحق على عوض هو العتق بضعفه؛ لأنَّه وإن كان كذلك فلا شك أن يعصب النسب أقوى منه وأنه يسقطه، فإذا صح الإقرار بالدين وإن كان ذلك يسقط التعصيب، فكذلك إقراره بالأمن مع الوكيل على أن إقرار الرجل بالابن مع الزوجة يعترض ذلك؛ لأنَّه يردها من الربع إلى الثمن وهو مستحق على ما جرى مجرى العوض وهو البضع فلما بيناه استضفنا وجه الاجتهاد فيه والأقرب أن نعتمد فيه على الرواية وجملة الأمران المسألة فيها ضعف؛ لأن الرواية أيضاً تحتمل التأويل، والله أعلم.
مسألة(130/6)
قال: وإذا أقر العبد على نفسه بما يوجب عليه حداً أو قصاصاً جاز إقراره وهذا مما لا أحفظ فيه خلافاً؛ لأن العبد أولى بنفسه من مولاه، ألا ترى أن له أن يطالبه بالإنفاق عليه وأن لا يرهفه في العمل وإنما يملك المولى تصرفه فصار ما يقربه مما يلزمه في نفسه من حد أو قصاص جائزاً، وأيضاً هذه الأمور مما لا يملكها منه مولاه إلاَّ بالجناية، فصار إقراره جائزاً؛ لأنَّه إقرار بما لا يملكه مولاه، وليس كذلك الإقرار بالمال ونحوه؛ لأنَّه إقرار في الحقيقة على مولاه وعلى ما يملكه مولاه، فجرى مجرى الإقرار على الغير في أنَّه لا يجوزن قال: وكذلك إن أقر بمال بعينه أنَّه اغتصبه أو سرقه لم يجز إقراره وذلك أنَّما في يده هو لمولاه فلم يزل إقراره به؛ لأن يده جارية مجرى يد مولاه فكما أنَّه لو أقر بشيء في يد مولاه لم يجز إقراره، كذلك إذا أقر بشيء في يده، قال: وا أقر به العبد على نفسه من مال أو حق طولب به إذا أعتق وذلك أن ما منع من قبول إقراره به هو حق مولاه وأنه لا يملك شيئاً، فإذا نال حق مولاه عنه بالعتق وصح تملكه لزمه ما سلف الإقرار به كما أن المحجور عليه للدين إذا أقر بمال عليه يطالب به إذا قضى الدين وفك عنه الحجر، وهو مما لا أحف فيه خلافاً.
مسألة
قال: وإذا ولد للرجل مولود فأقر به لم يكن له نفيه بعد ذلك، وكذلك إن سكت حين يولد لم يكن له نفيه بعد ذلك وسكوته في هذا الموضع بمنزلة الإقرار، وهذا قد أوردنا فيه ما وجب آخر باب اللعان وبينا أنَّه إذا أقر فلا خلاف أنَّه لا يجوز إنكاره بعد ذلك كسائر الحقوق إذا أقر بها، وبينا ما في السكوت من الخلاف وأن وجه قولنا فيه أن ما يوجب السكوت يستوي فيه قليل المدة وكثيرها كالشفعة فلا وجه لإعادة تفاصيل ما مضى.
مسألة(130/7)