قال: وإن كان وجه الجدار إلى أحدهما كان له ذكر أبو بكر أنَّه قول أبي يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا معتبر بوجه الجدار، ووجه ما قلناه أن وجه الجدار يكون وجهاً له بأن يحصل فيه مزية تأنق وتزيين وذلك تصرف زائد على ما سواه، فوجب أن يكون له بماله فيه من مزية التصرف، ألا ترى أن رجلين لو اختصما في قيص وكان أحدهما لابساًله والآخر قابضاً على كمه، فأنا نحكم به لمن هو لابس له، كما له فيه مزيد التصرف، ألا ترى أنهما لو كانا جميعاً متعلقين بكمه حكمنا به بينما لاستوائهما في المتصرف، فكذلك ما اختلفنا فيه، وكذلك راكب الدابة إذا تعلق بالآخر بزمامها تكون اليد للراكب دون المتعلق بزمامها ولو كانا جميعاً متعلقين بزمامها كانت بينهما يكشف ذلك أن العادة جارية بأن من بنى جداراً يجعل وجهه إلى حيث يليه فكان الظاهر من حال الجدار أنَّه في يد من كان وجهه إليه.
فإن قيل: اليد لا تثبت بالدلالة وإنما تثبت بالتصرف الظاهر المشاهد.(129/40)


قيل له: المعلوم في هذا كالمشاهدة ألا ترى أنا نتفق في الزوجين إذا اختلفا في متاع البيت يجعل ما للنساء للمرأة وما للرجال للزوج، وإن لم يشاهدهما، وكذلك ينفق في الخشب المركب في الجدار يتم، فإن على ذلك الجدار، فكذلك مسألتنا وقد استدل على ذلك بما روي أن رجلين اختصما إلى النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم في حصن فبعث بحذيفة فقضى به لمن إليه القمط، فأجازه النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم فإذا ثبت ذلك في القمط ثبت في الوجه إذ لم يفصل أحد بينهما؛ ولأن القمط كالوجه وفي معناه قال: وكذلك إن كان لأحدهما فيه خشب مركب كان له، وجهه ما بيناه في وجه الجدار؛ لأن تركيب الخشب يوجب أن له فيه تصرف أو يداً ليس لصاحبه على ما سبق الكلام فيه وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، قال الشافعي: لا معتبر بتركيب الخشب عليه، قال: فإن كان لكل واحد منهما عليه خشب مركب أو لم يكن لواحد منهما أو التبس كان الحكم ما ذكرنا، ووجهه ما قد مضى من أنهما قد تساويا، فيجب أن يكون بينهما.
مسألة
قال: وإذا ادّعى رجل شيئاً في يد رجل وأقم البينة على دعواه وأقام من هو في دية البينة أنَّه اشتراه من فلان استحقه المدعي ورجع المشتري على البائع بالثمن، وذلك أن المدعي ادعى الملك وأقام البينة على ذلك، فوجب أن يستحقه، والمدعي وإن ثبت شراؤه من إنسان فلم يثبت أنَّه باع ملكه، ولو كان المدعي أقام البينى على بايعه لاستحقه عليه، فوجب فوجب أن يستحقه غلط، والمدعى عليه وإن ثبت شراؤه من إنسان فلم يثبت أنَّه باع ملكه، ولو كان المدعي أقام البينة على المشتري؛ لأن المشتري إذا كان يدعي الملك من جهته لم يكن أقوى حالاً منه وكان له الرجوع بالثمن على البائع؛ لأن الاستحقاق عليه يدل على بطلان البيع؛ لأن الحاك إذا حكم باستحقاق المدعي على المشتري تضمن ذلك الحكم بطلان ذلك الشراء، وإذا بطل رجع بالثمن على من أخذه؛ لأنَّه يكون أخذه بغير أمر صحيح.
مسألة(129/41)


قال: وإذا ادّعى المملوك على سيده أنَّه اعتقد أو دبن كان عليه البينة فإن لم تكن له بينة استحلف سيده، وهذا مما لا أحفظ فيه خلافاً لقوله البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، وهذا مما لا أحفظ، قال: وكل من ادّعى عليه شيء مما يجب في حد من حدود الله عز وجل نحو الزنا والسرقة وما أشبههما مما لا يتعلق بحقوق العباد ولم تكن للمدعي بينة فلا يمين على المدعى عليه وهذا مما لا أحفظ فيه خلافاً، لأن اليمين تكون لقطع الخصومة وهذه الأمور متى لم تثبت بالبينة تكون الخصومة فيها منقطعة، فلا وجه لليمين، ألا ترى أن المدعى عليه لو أقر ثُمَّ أنكر قبل إنكاره بعد الإقرار بعد الإقرار، وقال في المنتخب: إذا ادعى رجل على رجل أنَّه مملوكه فأنكره المدعى عليه ولم يكن للمدعي بينة فلا يمين على المدعى عليه وأما سائر الدعاوي في الجراح والقتل والنكاح والطلاق والنسب وغير ذلك فعلى المدعي البينة وعلى المنكر اليمين، أما ما حكيناه عنه في المنتخب فإنه مخالف لأصوله ومسائله، فلا وجه له ويجوز أن يكون ذاك غلطاً من الراوي، الصَّحيح عنه ما ذكرنا عنه بعد ذلك وهذا الكلام قد مضى مستقضى في كتاب النكاح، فلا وجه لإعادته، وما ذكرناه في السرقة إنَّما قلنا أنَّه لا يمين عليه إذا كان المدعي على وجه الحسبة، فأما إذا ادعى عليه إنسان بعينه أنَّه سرق له مالاً بعينه لزمته اليمين للمال دون القطع؛ لأنَّه لو نكل ألزمناه المال ولم نوجب عليه القطع؛ لأن القطع من حقوق الله، قال: وكل من ادعى عليه حق من جهة غيره مثل أن يدعي عليه أن كان على ابنه دين أو نحو ذلك فأنكره فليس يجب أن يحلف على القطع بل يحلف على علمه، ومن ادّعى عليه حق يختصه فأنكره لزمته اليمين على القطع وهذا مما لا أعرف فيه خلافاً فيه خلافاً وقد مضى الكلام فيه.(129/42)


باب القول في الإقرار
كل عاقل حر بالغ أقر بحق عليه لزمه ما أقر به، والأصل في الإقرار ما روي عن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم أنَّه رجم ما عزاً حين أقر بالزنا، وقال أيضاً في غيره: <اغديا انيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها>، وروي أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم قطع سارقاً بإقراره والأخبار في ذلك كثيرة، وقد قال الله تعالى: {كُونُوا قَوَّامِيْنَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ للهِ وَلُو عَلَى أَنْفُسِكُمْ}، وشهادة المرء على نفسه هو الإقرار وهو مما لا خلاف فيه بين المسلمين من أيام الصحابة إلى يومنا هذا وذكرنا الحرية فيه؛ لأن من ليس بالغاً ولا عاقلاً لا حكم لألفاظه، وهذا مما لا خلاف فيه إلاَّ في إسلام الصبي، وروي عن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم أنَّه قال: <رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم>.
واعلم: أن الإقرار لا يجوز إلاَّ بما يجوز أن يكون المرق صادقاً فيه فأما ما يعلم أنَّه كاذب فيه ف يجوز إقراره به نحو أن يقر بقتل رجل يعلم أنَّه قد مات قبل مولد المقر أو إتلاف مال علم أنَّه تلف قبل مولده أو يقر بمقارب له في السن أنَّه أبواه أو ابنه أو أقر بذلك بمشهور النسب، قال: وكذلك من أقر بحق لله لزمه نحو أن يقر بالزنا أو شرب الخمر أو غير ذلك مما يوجب الحد، وهذا لا خلاف فيه، وقد دلت الأخبار التي ذكرناها على ذلك فلا فرق بين الحر والعبد، قال: وكذلك من أقر بالسرقة يضمن ما أقر به، وهذا ما لا خلاف فيه إذا لم يكن قطع وإن كان المقر عبداً وأقر بشيء بعينه في يده غير معينة كان ضمانها دينا في ذمته يطالب به إذا أعتق، قال: ومن أقر بالزنا أو بغيره أو بغيره مما يوجب الحد ثُمَّ رجع عنه قبل ردوعه، وهذا قد مضى الكلام فيه في كتاب الحدود.
مسألة(130/1)


قال: وإقرار الرجل بالولد والوالد والزوجة والمولى جائز إلاَّ أن يكون اشتهار نسب المقر والمقر له يبطل يبطل إقراره وكذلك القول في المولى والنكاح، وهذا مما لا أحفظ فيه خلافاً بين العلماء؛ لأن الإقرار وقع على وجه لا يقتضي واسطة بين المقر والمقر له، ألا ترى أن الإقرار إذا كان بالأخ لما اقتضى واسطة وهي أولاد الأبوين لم يثبت ولا خلاف أن الإقرار إذا كان للمشهود النسب من غير يكون باطلاً، وكذلك الولاء والنكاح؛ لأن الإقرار إنَّما يجوز إذا كان على وجه يحتمل أن يكون صادقاً فيه، فأما إذا لم يكن صادقاً على وجه يعلم أنَّه كاذب فيه فهو باطل، وقال: وإقرار المرأة أيضاً جائز بكل ما ذكرناه، ولا فصل بين إقرار المرأة وإقرار الرجل ، أما إذا أقرت بالوالد والزوج والمولى ف خلاف في جواز إقرارها وإنها في ذلك في حكم الرجل، وأما إذا أقرت بالولد فمذهب أبي حنيفة وأصحابه وأكثر العلماء أن إقرارها بالولد لا يجوز، واختلف أصحاب الشافعي على ما سمعته من تحصيلهم، فذهب بعضهم إلى قول أ[ي حنيفة وبعضهم إلى مثل قولنا، وحكى الطحاوي في اختلاف الفقهاء عن بعض البصريين ثل قولنا، ووجهه أنَّه إقرار لا يتضمن الإقرار على غير المقر فوجب أن يجوز مثل إقرار الرجل وهو معنى قولنا: لا واسطة بينهما، أعني بين المرأة المقر ة والولد.
فإن قيل: ما أنكرتم على من قال لكم أنَّه يتضمن الإقرار على الزوج وذلك لا يصح.
قيل له: عندنا أن إقرارها يقبل إذا لم يكن لها زوج معروف وكان نسب الزوج لا يتعداها فأما إذا كان لها زوج معروف يقتضي إقرارها إلحاق النسب به فهو عندنا لا يجوز ولا يثبت إلاَّ بالبينة.
فإن قيل: إقرار الرجل بالولد إنَّما يصح ويثبت؛ لأنَّه لا يمكن أن يعرف أنَّه ولده إلاَّ من جهته، وليس كذلك إقرار المرأة؛ لأنَّه يمكنه أن يعرف الولد من غير جهتها؟
قيل له: عن هذا جوابان:(130/2)

60 / 122
ع
En
A+
A-