قيل له: هذا خلاف ظاهر قول النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم وتخصيص له بغير حجة.
فإن قيل: من أين لكم أن اسم المدعي يختص الخارج دون م في يده الشيء.
قيل له: لأن المدعي هو الذي يدعي خلاف الظاهر والمدعي عليه هو الذي يقف مع الظاهر وينكر دعوى المدعي وقد علمنا أن من في يده الشيء هو واقف مع الظاهر؛ لأن الظاهر يوجب أن من في يده الشيء هو له على أن هذا لو لم يكن كذلك لم يكن لقوله البينة على المدعي واليمين فائدة؛ لأن كل مدعى عليه إذا أنكر دعوى من يدعي عليه فقد تضن إنكاره ضرباً من الدعوة إلاَّ أنَّه لا يسمى في الشرع مدعياً فيما ذكرنا يتعلق فائدة قوله صلى اللَّه عليه وآله وسلم هذا، وأيضاً لا خلاف أن الذي يطالب بالبينة أولاً هو الخارج.
الوجه الثاني من الاستدلال من الخبر: أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم لما قال: <البينة على المدعي>، أوجب أن تكون البينة حجة المدعي؛ لأن الألف واللام فيها دلالة الجنس وظاهرة أن جنس البينة حجة المدعي وأنه لم يبق للمدعي عليه بينة يجوز أن يكون حجة له.(129/35)


والثالث: أن البينة اسم لما هو حجة، وقيل أنها بينة؛ لأنها يبين بها ومنه قول الله عز وجل: {وَلْيَهْلَكْ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ}، وإنما نقول في الشهود أنهم بينة ونقصد هذا المعنى، فإذا كان ذلك كذلك فلسنا نسلم أن شهود من في يده الشيء بينة؛ لأنهم لا يثبتون أمراً لم يكن معلق بما يل شهادتهم فلا يصح قول من يقول أن بينته تقابل بينة المدعي ويدل على ذلك ما روي عن علقمة بن وايل بن حجر، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن رجلاً من كندة ورجلاً من حضرموت جاءا إليه فادّعى الحضرمي أرضاً في يد الكندي فقال الكندي: هي أرضي في يجيء أزرعها لا حق لك فيها، فقال النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم للحضرمي: <ألك بينة قال: لا، قال: فلك يمينه ليس لك إلاَّ ذلك>، فحقق أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، وحقق أن ليس لك إلاَّ ذلك فلم يجعل للمدعى عليه سبيلاً إلى إقامة البينة، وأيضاً بينه من في يده الشيء لا يقبلها الحاكم إلاَّ ما كان من معرفة كون الشيء في يده وتصدفه فيه فلم يكن لسماع شهادتهم معنى فكيف يكون ذلك بينة، وأيضاً لا خلاف أن الدعوى إذا كانت في دين ولم تكن في عين ـأن بينة المدعى عليه غير مسموعة، فكذلك إذا كانت فيعين، والعلة أنها بينة مطلقة للمدعى عليه احترزنا بقولنا مطلة من بينة لو شهد وأب الإبراء والاستيفاء وفي العين لو شهدوا بتملكه على المدعي أو من يدعي المدعي تملكه من جهته.
فإن قيل: لأنَّه لا سبيل للشهود أن يعملوا براءة ذمته على التحقيق.(129/36)


قيل لهم: فكذلك لا سبيل لهم أن يعرفوا الملك على التحقيق على أن تمكنهم أن يعرفوا القبض أو يعرفوا الأبراء فيشهدوا ببراءة ذمته؛ لكنها غير مسموعة فكذلك في الأعيان، وأيضاً لا خلاف أن يمين المدعي غير مسموعة إذا تجردت مع يمين المدعى عليه، كذلك يمين المدعى عليه وجب أن لا تسمع مع بينة المدعي، والعلة أن كل واحد من ذلك مما جعله الشرع حجة لأجد الخصمين فلا تسمع من خصمه وليس تلزم اليمين مع الشاهد الواحد؛ لأن تلك غير مجردة وبينة المدعى عليه إذا لم تتجرد بأن تشمل على ذكر جهة التملك أو سقوط الدعوى تكون أيضاً مسموعة وليس لهم أن يتعلقوا بالنتاج، لأن قولنا في النتاج وغيره في هذا الباب سواه.
فإن قيل: البينات قد تكافأت وازدادت قوة المدعى عليه بايد وهذا عمدتهم.
فيقال لهم: لسنا نسلم أن شهود المدعى عليه تكون بينة فكيف يمكنهم الادعاء أنهما تكافأن، أو يقال لهم: نحن نراعي قوة البينتين إذا لم يوجب النص قبول أحدهما فأما إذا أوجب النص قبول احاهما فلا وجه لمراعاة القوة، وهذا كما نقول جميعاً في أحد الخصمين إذا أقام شاهدين والآخر أكثر من ذلك أنا لا نراعي قوة البينة بكثرة العدد؛ لأن النص أوجب قبول الشاهدين على أن قولهم هذا يؤدي إلى أن المدعى عليه يجوز أن يعدل عما جعله الشرع حجة له وهو اليمين إلى البينة وإن جعلها الشرع حجة للمدعي، وهذا فاسد، قال وسوى كان المدعى فيه نتاجاً أو غير نتاج، ووجهه ما قدمناه من الظواهر والعلل أو لأن النتاج لا يوجب ملكاً فإن الإنسان قد ينتج ملك غير وهذا جار مجرى اليد والتصرف.
فإن قيل: روي عن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم في رجلين تداعيا دابة فأقام كل واحد منهما بينة في أنها دابته نتجها وأنه قضى بالدابة للذي هي في يده.(129/37)


قيل له: ليس هاهنا لفظ عموم وإنما هو حكاية فعل ويجوز أن يكون النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم قضى بها لا لبينته بالإقرار جرى في كلام المدعي أو لسقوط بينته لبعض الأسباب المسقطة للبينة ولم يعر الراوي ذلك فروى ظاهر إحلال فإذا احتمل ذلك لم يجب أن يعترض به على سائر الأدلة التي قدمناها.
فإن قيل: قد ثبت في رجلين أقام كل واحد منهما البينة أنَّه اشترى هذا العبد من رجل بعينه وهو في يد أحد المتداعيين أن الذي هو في يه أولى؛ لأنَّه ادّعى الملك من الجهة التي ادعاها صاحبه ومعه يدن فكذلك النتاج.
قيل له: قد بينا أن النتاج لا يوجب تحقيق الملك وإنما هو كاليد والتصرف لأنَّه قد ينتج الغاصب والمرتهن والمستعبر كما ينتج المالك، وليس كذلك الشراء؛ لأنَّه يوجب تحقيق الملك للمشتري في الظاهر لما كان ذلك كذلك وجب تعارض بينتهما وسقطتا وحكم له باليد، وحكم النتاج حكم اليد المطلقة فكانت البينة بينة المدعي ويبين أن النتاج لا حكم له انه لو ادعى النتاج وأقام عليه البينة لم تسمع وإن ادّعى الملك ولم يدع النتاج وأقام البينة سمعت، وكذلك المدعى عليه لو قال: نتج عندي ولم يقل أنَّه ملكي لم يسمع قوله فإذا قال هو لي ولم يدع النتاج سمع، فبان أن الحك ف الجميع تعلق بالملك دون النتاج وبه الاعتبار.
مسألة:
قال: وإذا كان الجدار بين دارين فادعى صاح كل واحد من ما أنَّه له فهو لمن أقام البينة منهما، فإن أقاماها جميعاً قسم بينتهما أو كان لهما وإن لم يقيمها تحالفا وكان بينهما.(129/38)


اعلم: أن هذا هو الجواب في كل شيء تداعيا فيه رجلان، والأصل فيه ما روي أن رجلين ادّعيا بعيراً وأقام كل واحد منهما شاهدين انه له فقسمه النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم وقال: <هو لكما لكل واحد نصف>، وأيضاً لما تساويا في سبب الاستحقاق وجب أن يتساويا في استحقاق ما تداعيا، دليله الغرماء إذا تساووا في استحقاق مال المبيت أو المفلس يوجب أن يكون ذلك بينهم وكانوا لدين يرثان أباهما على التسواي لتساويهما في سبب الاستحقاق ، وكذلك الأخوان.
فإن قيل: قد علمنا كذب إحدى البينتين فلا نحكم بواحدة منهما كما أنا لا نحكم بشهادة الشاهدين إذا علمنا أن أحدهما شاهد زور؟
قيل له: ليس الأمر على ما ذكرتم بل لا يمتنع أن يكون معاً صادقين؛ لأن الشاهدين إذا شهدا بالملك فليس مرادهما الشهادة بتحقيق الملك إذ ذلك لا سبيل إلا أبيه وإنما شهد كل واحد منهما بظهر الحل وظاهر التصرف وظاهر التملك، ولا يمتنع أن تكون كل واحدة من البينتين عرفت لمن شهد تظاهر الحال فتكون صادقة في شهادتهما فيسقط ما اعترضتم على أنا لو سلمنا سقوط البينتين لم يتعين الحكم، فأما إذا كان أحدهما هو الذي أقام البينة استحق الجدار كله بالبينة؛ لأنَّه مدع أقام البينة على دعواه، وقلنا: إن لم تكن لواحد منهما بينة حلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه، وقسم بينهما لاستواءهما في اليد والدعوى واليمين، فجرى مجرى استوائهما في البينة في أنَّه يجب أن يقسم بينهما.
مسألة(129/39)

59 / 122
ع
En
A+
A-