قيل له: الأخبار المشهورة الواردة في هذا الباب ليس فيها ذكر التحالف وإنما الخبر الذي يروى عن ابن مسعود أن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم قال: <إذا اختلف البيعان والمبيع قائم بعينه وليس بينهما بينة فالقول ما قال البائع أو يترادّان>، وروي عن ابن مسعود قال: قال رسولا الله صلى اللَّه عليه وآله وسلم: <إذا اختلف البائع والمشتري ولا شهادة بينهما استحلف البائع، وكان المبتاع بالخيار، وإن شاء أخذها وإن شاء ترك فلي في شيء من ذلك يمين المشتري>، وجعل الرد موقوفاً على خيار المشتري فيما ينطق به ظاهر الخبر ليس يذهب غليه أحد من الفقهاء، فوجب ترك ظاهر الخبر بالإجماع، وإذا كان كذلك لم يصح الإحتجاج به وأكثر ما فيه أن تناوله فنقول يجوز أن يكون المراد إذا اختلفا فقال البائع: لم أبع، وقال المشتري: قد بعت، فيكون القول قول البائع إذ ليس في الخبر أن ذلك هو الحكم إذا اتفقا في وقوع العقد واختلفا في مقدار الثمن ويكن المراد بقوله إن شاء أخذ المشتري أي أخذه بعقد جديد إذ قد رضي به البائع أو يترك ومعنى قوله يترادّان، إذا كانت السلعة في يد المشتري ويقال لأبي حنيفة وأبي يوسف قد اتفقا على أن القول قول المشتري إذا كانت السلعة مستهلكة، فكذلك إذا كانت قائمة، والعلة أنهما اتفقا على وقوع عقد جديد صحيح واختلفا في مقدار الثمن على أنَّه قد حكي عن أكثر العلماء أصحاب أبي حنيفة أن القياس هو ما قلناه؛ لأكنهم تركوا القياس فيه للأثر وإن كان المحكي عن أبي الحسن أنَّه كان يميك إلى أن القياس هو ما ذهبوا إليه وشبهه بالبائع يقول: بعتك بألف، وقال الآخر: وهبته، يقال له: الفرق بينهما أنهما لم يتفقا في عقد واحد؛ لأن عقد البيع غير عقد الهبة وهناك قد اتفقا على عقد البيع على أن هذا لا نص فيه لأصحابنا فلو سوينا بينهما لم يبعد وإن كان الأقرب هو التفرقة بينهما وعلى هذا يجب أن يجري الجواب في قول المرأة لزوجها بعتني هذا العبد، وقال الزوج(129/30)
تزوجتك عليه، فيقال لمحمد والشافعي: التراد على القيمة يكون لفسخ البيع، ولا يصح فسخ بيع سلعة مستهلكه كما أنَّه لو ظهر بها عيب بعد الاستهلاك لم يصح فيها الفسخ، والعلة أنها مستهلكة فكذلك ما اختلفنا فيه.
فإن قيل: اختلافهما في الثمن يمنع صحة العقد.
قيل له: ليس ذلك كذلك؛ لأن كل واحد منهما مقر بصحة العقد بثمن معلوم وإنما اختلفا في مقدرا الثمن صح البيع به فلم يكن لإفساده وجه، ويقال لهما قولكما هذا يؤدي إلى خلاف موجب الشرع والعقل وهو أن يلزم المشتري في حال دون حال ما يقر هو للبائع ويدّعيه، وذلك كان يختلفا في ثمن عبد قيمته خمسمائة فيقر المشتري أنَّه اشتراه بخمسمائة بسبعمائة ويدعي البائع أنَّه باعه بألف وإن يؤخذ من المشتري في حال أكثر مما يدعيه البائع وذلك كعبد قيمته ألف فيدعي المشتري أنَّه اشتراه بخمسمائة ويدعي البائع أنَّه باعه بسبع مائة، وما أدّى إلى مثل هذا الفاسد يجب أن يكون فاسداً فصح ما ذهبنا إليه.
مسألة
قال: وإذا اشترى رجل من رجل شيئاً بدينار وقبض البائع الدينار ومضى ثُمَّ جاء يرده على المشتري بالعيب فأنكر المشتري أن يكون ذلك ديناره كانت البينة على البائع واليمين على المشتري فإن جاء المشتري برد السلعة بالعيب فأنكرها البائع فالبينة على المشتري واليمين على البائع، والوجه في ذلك أن كل واحد منهما في المسألتين يدعي على صاحبه أنَّه يلزمه استرداد ما يرده صاحبه وصاحبه منكر لذلك، فوجب أن تكون البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه يكشف ذلك أن المدعي يحال إلزام صاحبه حقاً لا يلزمه في الظاهر، ومن كان كذلك يكون مدعياً تلزمه البينة وصاحبه منكر تلزمه اليمين.
مسألة
قال: ولو أن رجلاً اشترى من رجل موزوناً أو مكيلاً أو غير ذلك فادعى البائع أنَّه أعطى المشتري أكثر مما أقر المشتري يقبضه كانت البينة على البائع واليمين على المشتري، ووجهه ما مضى فلا فائدة في إعادته، والله أعلم.
مسألة(129/31)
قال: ولو أن رجلاً كان له عند رجل مال فتلف فادّعى من عنده المال أنَّه كان مضار به وادّعى رب المال أنَّه كان سلفاً كانت البينة على من ادّعى أن المال كان مضاربه وعلى رب المال اليمين، ووجهه أن من عنده المال ادّعى لنفسه حقاً في ذلك وهو حق التصرف للمضاربة فلم يجز أن يثبت حقه إلاَّ بالبينة وإذا لم يكن له بينة كان القول قول صاحب المال مع يمينه.
فإن قيل: لمن عنده المال تضمن قولك أمرين:
أحدهما: ادّعا حق التصرف للمضاربة.
والثاني: دعا الأمانة، فإذا لم تكن لك بينة لم يثبت لك حق التصرف وتثبت لك الأمانة؛ لأنَّه ليس هناك ما يوجب الضمان.(129/32)
قيل له: أنَّه لما ادعى المضاربة جعل كونه أميناً فيه تبعاً للمضاربة إذا أقر أنَّه لم يكن هناك وجه يوجب كونه أميناً؛ لأن تبع للمضاربة ولا يجوز أن يكون صار أميناً لغير ذلك لاتفاقهما جميعاً على نفسه، فوجب أن يضمنه ولو قال من عنده المال كان عندي وديعة فالواجب أن يكون القول قوله؛ لنه لم يدع لنفسه حقاً فيه وإنما أنكر ضماناً لم يثبت في الظاهر وكل من أنكر شيئاً مل يثبت في الظاهر فالقول قوله مع يمينه، وهذا لا نص فيه ليحيى بن الحين عليه السلام ولكن الصَّحيح ما ذكرته وعليه تدل مسائله، فإن قال: من عنده المال أخذته منك وديعة فذر لفظ الأخذ، فقال رب المال: أخذته قرضاً أو غصباً، فالواجب عندي والله أعلم أن القول قول صاحب المال لقول النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم: <على اليد ما أخذت حتى ترد>، فعلق الضمان على الأخذ؛ لأنَّه قوله يوجب ضمانه له فثبت المضان عليه في الظاهر، فوجب ا، يكون القول قول رب المال؛ لأنَّه يدعي ضماناً ثابتاً بظاهر قول النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم، وفصل أصحاب أبي حنيفة بين أن يقول صاحب المال بل أخذته غصباً وبين أن يقول بل أخذته قرضاً فقالوا مثل ما ذكرته في الغصب، وقالوا في القرض بخلافهن وذكروا في الفرق بينهما أنَّه إذا قال بل أخذته قرضاً فقد أقر بأن المال صار في يد الآخر بإذنه، وقيل عندي لا يصح أن الأخذ قد يأخذ الشيء من صاحبه بإذنه ويضمن مع ذلك فليس في ذلك ما يوجب سقوط الضمان عنه، والله أعلم.
مسألة(129/33)
قال: إذا ذكر المدعي للمنكر شاهداً فقال المنكر: هو صادق وقد رضيت به، كان له ألا يلتزم الحكم مقبوله بعد ذلك حتى يشهد معه آخر، ووجهه أن ذلك ليس هو إقرار بالحق وإنما أخبر عن حال الشاهد ولو أن الحاكم عرف ذلك من حال الشاهد لم يجز له الحكم به كذلك إذا عرفه الخصم، وأيضاً فإن الله تعالى لم يوجب الحكم بمجرد شهادة الواحد ولم يجز فلم يؤثر فيه قول الخصم، ألا ترى أن ذلك لو قال في كافر أو فاسق ظاهر الفسق لم يجز الحكم بقوله كذلك للمسلم؛ لأن الشرع ورد بخلافه فلم يؤثر فيه رضى الخصم، وهذا مما لا أعرف فيه خلافاً وعلى هذا لو شهد شاهدان غير عدلين ورضي بهما الخصم لم يجز الحكم به؛ لأن الشرع قدور بخلافه فلا يؤثر فيه رضى الخصم.
فإن قيل: فلم لم يؤثر وقد رضي به؟
قيل له: لأن تنفيذ الحك ه من حق الله عز وجل فلا يعتبر فيه رضى الخصم، ألا ترى أنَّه تعالى بين أحوال الشهود وعددهم بحسب المشهود له وعليه على أنَّه وإن كان رضي به فلد الرجوع عنه ما لم ينفذ الحكم عليه والذي يجب أن يقال للخصم إن رضيت به فالتزم الحق بغير حكم.
مسألة
قال: وإذا ادعى رجل شيئاً في يد رجل وأقام البينة على دعواه وأقام الذي في يده الشيء أيضاً البينة أنَّه له كانت البينة بينة الذي لم يتكن في يده ولم تسمع بينة الذي في يده الشيء، وبه قال أبو حنيفة وأصحاب، وقال الشافعي بينة من في يده الشيء أولى والأصل في هذا قول النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم: <البنية على المدعي واليمين على المدعى عليه>، والاستدلال من هذا الخبر من وجوه:
أحدها: أنَّه قد ثبت أنَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم جعل البينة حجة للمدعي في تقرير حقه الذي يدّعيه كان جعل اليمين حجة للمدعي عليه في قطع خصومة المدعي عنه، فمتى أقام المدعي البينة فقد أقام حجته، فوجب أن يحكم له؛ لأن الغرض في إقامة الحجة هو أن يحكم بها.
فإن قيل: إنَّما تكون البينة حجة للمدعي إذا لم يقابلها بينة للمدعى عليه.(129/34)