قال: وإذا ادعى رجل على ميت ديناً فشهد له من الورثة رجلان أو رجل وامرأتان ثبت له ما ادّعاه، فإن شهد له من الورثة رجل واحد وامرأة واحدة أو امرأتان وجب على من أقر منهم أن يخرج مما في يده من الإرث إلى المدعي ما كان يخصه لو ثبت الحق على الجميع، وأما إذا تمت الشهادة غلط كان ذلك إقراراً من الوارث وقد اختلف فيه، فقال الشافعي: فلا إشكال في ثبوت الحق في مال الميت، ولا خلاف فيه، وإذا لم تتم الشهادة كان ذلك إقراراً من الوارث وقد اختلف فيه، فقال الشافعي مثل قولنا: أن عليه أن يخرج مما في يده ما كان يخصه لو ثبت الحق على الجميع، وقال أبو حنيفة: عليه أن يخرج الدين كله مما في يده فإن لم يبق شيئاً بعده أخرج كل ما في يده، ووجهه ما رواه زيد بنعلي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام في يقر بعضهم بدين، قال: (يدفع الذي أقر حصته من الدين)، ولم يرو خلافه عن غيره من الصحابة، فجرى مجرى الإجماع منهم، فوجب الانتهاء إليه ولا خلاف أنَّه لو أقر بالوصية لم تلزمه إلاَّ ما يخصه، فكذلك إذا أقر بالدين وذلك أنه حق ثبت في المال، ألا ترى أنَّه لو لم يقر بحق في ذمته بدلالة أنَّه لو لم يرثه لم يلزمه شيء وإقراره على موروثه لا يصح فثبت أنَّه إقرار يثبت في المال كالوصية، فإن فصلوا بين الوصية والدين بأن يقولوا أن الدين إذا جرى فيه الغصب يتعين في باقي المال، وليس كذلك الوصية؛ لأن المال إذا تلف ذهب من الوصية بمقدار ما تلف منه، يقال لهم: لو أوصى بشيء بعينه ثُمَّ تلف بعض المال لبقيت الوصية في باقي المال فقد شابهت الدين في هذا الوجه، فكذلك من الوجه الذي قلنا على أن إقراره يجري مجرى إقرار تام من الموروث ن وإذا ثبت ذلك فوجب أن يخصه بعض المال؛ لأنَّه في الحكم كان الموروث أقر بذلك القدر ولو كان أقر به لم يلزمه غير ذلك، وأيضاً قوله لو تمت شهادته لم يلزمه إلاَّ ذلك القدر وذلك أن يشهد معه غيره بذلك، فكذلك إذا لم يتم والمعنى أنه(129/25)
حق نبت في الإرث بقوله.
مسألة
قال: وإذا ادعى رجل في شيء أنَّه كان لأبيه وأنه صار ميراثاً له وهو في يد رجل آخر، فعليه البينة أنَّه كان لأبيه إلى أن مات وتركه إرثاً، فإن أقامها استحقه وكان للذي في يده الشيء أن يستحلف المدعي مع بينته، قلنا: أنَّه لو أقام البينة أنَّه كان لأبيه إلى أن مات وتركه إرثاً يستحقه إن كان الشهود أثبتوا ملك أبيه إلى أن مات وأثبتوا انتقاله إليه بالإرث وجب أن يحكم له به وهذا مما لا أعرف فيه خلافاً، والذي يجيء على هذا أنهم إن شهدوا أنَّه كان لأبيه إلى أن مات ولم يقولوا وتركه إرثاً له تكون الشهادة تامة؛ لأن الإنسان إذا ملك الشيء ولم يزل ملكاً له إلى أن مات صار ميراثاً له لا شبهة فيه ولا إشكال إذا اثبت أنَّه ابنه وانه كان وارثه، فإن شهدوا أنَّه كان لأبيه لم يجب له حكم؛ لأنهم لم يذكروا انتقال الملك صريحاً ولا ما يوجبه والاستحلاف مع البينة قد مضى القول فيه، قال: وإن أقام الذي في يده الشيء البينة أنَّه ملكه على عين أبيه ثبت في يده وبطل دعوى المدعي، وهذا مما لا خلاف فيه؛ لأن الذي في يده الشيء لو أقام البينة على أبيه الموروث قضى له بها عليه فأولى أن يقضي بها على ابنه الوارث؛ لأن الموروث أؤكد حالاً في ذلك من الوارث؛ ولأن ذلك يمنع انتقال الملك إلى الوارث.
فإن قيل: إذا كنتم تجعلون بينه الخارج أولى فكيف جعلتم هاهنا بينة من في يده الشيء أولى.
قيل له: أن بينته قد حققت انتقال الملك إليه وثبوته له ولي كلك بينة من في يده الشيء؛ لأنها بينة الظاهر دون التحقيق على أنه قد صار مدعياً في هذه المواضع فوجب أن تكون بينته أولى كالخارج لما كان هو المدعي كانت بينته أولى.
فإن قيل: فأنتم لا تسمعون بينة من في يده الشيء على النتاج مع بينة المدعي فكيف تسمعون بينته.
قيل له: لأن النتاج لا يوجب الملك ولا اتقاله والشراء يوجب انتقال الملك إليه فوجب القضاء به.
مسألة(129/26)
قال: ولو أن رجلاً أتى رجلاً برسالة بعض الناس وأخذ منه مالاً ثُمَّ وقع التجاحد كان الحكم بين الدافع وبين المدفوع إليه وهو الرسول على الدافع البينة وعلى المرسل اليمين.
اعلم: أن هذه المسألة تكون على وجهين:
ـ أحدهما: أن يكون الرسول مكذوباً للدافع.
ـ والثاني: أن يكون مصدقاً له، فإن كان مكذباً له فعلى الدافع البينة وعلى الرسول اليمين؛ لأنَّه ادّعى دفع مال إليه وهو له منكر وليس للرسول أن يثبت المال عليه بالبينة أن يدّعيه على المرسل؛ لأنَّه إذا أنكر أن يكون أخذ من الدافع شيئاً فقد تضمن إنكاره ذلك الإقرار أنَّه لم يدفع إلى المرسل شيئاً فلا يصح أن يدعي عليه دفعه وإن كان مصدقاً للدافع أنَّه أخذه منه وادّعى دفعه إلى المرسل وأنكره المرسل، فإن أقر المرسل أنَّه أرسله فالقول قول الرسول في دفعه إليه؛ لأن المرسل قد أقر أنَّه لم ينه فهو بمنزلة المودع في أن القول قوله مع يمينه إذا قال: رد على المودع وإن أنكر المرسل أنَّه أرسله وقبض ذلك منه فالبينة على الرسول في أيهما ادعى من إرساله أو دفعه أو هما واليمين على المرسل فعلى هذا التفصيل يجب أن تجري المسألة، والعلامة لا تأثر لها في الحكم فلذلك سويا بين وجودها وعدمها وإذا أقر الرسول ولم يثبت على المرسل ما ادّعاه وادعى الرسول تلفه فإن المحفوظ عن أبي حنيفة وأصحابه أنهم قالوا: إن كان الدافع أعطاه مصدقاً له فلا ضمان على الرسول؛ لأنَّه أقر أنَّه رسول المسل أو وكيله، وأنه غير متعد في أخذه وإقراره على نفسه جائز، قالوا: وإن أعطاه مصدقاً له وضنه مع ذلك كان له أن يرجع عليه أن طالبه المرسل به لأنَّه يجري مجرى ضمان الداك وهذان صحيحان على ما قالوه، وإن أعطاه مكذباً له كان له أن يضمنه.(129/27)
قال أيده الله: وهذا عندي خطأ؛ لأنَّه إذا أعطاه مكذباً له فقد قال أنه ليس بوكيل له وقد جعله وكيل نفسه فيجب أن لا يلزمه الضمان، قالوا: وإن أعطاه غير مصدق ولا مكذب فله أن يضمنه وهذا غير بعيد؛ لأنَّه لم يقر بأنه وكيل المرسل ولم يجعله وكيل نفسه فكأنه أعطاه بشرط أن يكون صادقاً في ذلك فمتى لم يثبت صدقه بالبينة أو إقرار المرسل ضمنه وحكي عن الشافعية أنهم قالوا: إن كان الدافع شرط على الرسول أن يدفع إلى المرسل بالبينة فأعطاه بغير بينة ضنه، وهذا الإطلاق عندي خطأ ويجب أن يفصل ذلك، فيقال: إن كان أعطاه مصدقاً له وشرط ذلك عليه فلا معنى للشرط؛ لأنَّه إذا صدقه فقد أقر أن المال قد صار ملكاً للمرسل بدفعه إلى الرسول؛ لأن قبض الرسول يكون قبض المرسل وليس له أن يتحكم على مال المرسل وإن أعطاه مكذباً وشرط ذلك فما قالوه صحيح؛ لأنَّه قد جعله وكيل نفسه على ما مضى بيانه فإذا خالفه وكيله ضمن قالوا وإن تشترط البينة ودفعه إليه مطلقاً فعلى وجهين:
ـ أحدهما: أنَّه يضمنه لأن العادة أنَّه أمره أن يدفعه على وجه لا يلزمه ضمانه مرة أخرى ويتبرأ في الحكم ذمته.
ـ والثاني: أنَّه لا يضمنه. والصحيح هو الوجه الثاني؛ لأن العادة التي ادّعوها في الوجه الأول غير ثابتة ولا معلومة؛ لأن الناس يتسمحون بتسليم الأموال ودفعها وقضاء الديون بغير بينة، فإذا لم تشترط البينة فليس لهم أن يدعوا أن العادة اقتضت ذلك الشرط.
مسألة(129/28)
قال: ولو أن رجلاً اشترى من رجل شيئاً فقال البائع بعتك بعشرين درهماً، وقال المشتري: ابتعته منك بعشرة كانت البينة على البائع واليمين على المشتري وبه قال ابن شبرمة، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف مثل قولنا، إن كانت السلعة مستهلكة وقالا: إن كانت السلعة قائمة تحالفا وترادا البيع، وقال محمد والشافعي: إن كانت السلعة قائمة تحالفا وترادا البيع، وإن كانت مستهلكة ترادا على القيمة وأصحابنا لم يفصلوا بين استهلاك السلعة وبقائها، ووجه ما ذهبنا إليه أنهما قد اتفقا على انتقال السلعة إلى المشتري بعقد البيع واختلفا في الثمن فما اقر به المشتري وجب وما أنكره كان البائع فيه مدعياً والمشتري منكراً، فيجب أن تكون البينة على البائع واليمين على البائع واليمين على المشتري لقوله: <البينة على المدعي>.
فإن قيل: كل واحد منهما مدع ومدعى عليه، فيجب أن يحلف كل واحد منهما لصاحبه.
قيل له: المشتري ليس بمدع على وجه من الوجوه لأن ما يدعيه من انفاذ السلعة إليه بعقد بيع صحيح فقد أقر به له البائع وإنما ينكر المشتري زيادة ثمن يدعيه البائع، فيجب أن يكون القول قوله على أنَّه لا وجه لفسخ بيع أقر البائع والمشتري بصحته والتحالف يؤدي إليه فيجب أن يكون فاسداً.
فإن قيل: فقد وردت أخبار تقتضي ذلك فيجب أن ننتهي إليها.(129/29)