فإن قيل: روي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنَّه حكم في رجلين ادّعيا شيئاً فأقام أحدهما البينة ثلاثة شهود والآخر شاهدين بأن يقسم الشيء بينهما على خمسة لصاحب الثلاثة ثلاثة أسهم ولصاحب الشاهدين سهمان.
قيل له: يحتمل أن يكون فعل ذلك لا لاختلاف عدد الشهود بل لأنَّه عرف أن الخمس منه لصاحب الشهود الثلاثة أو لأن صاحب الشاهدين أقر له بالخمس فإذا احتمل ذلك لم يجب حمل الأمر على ما ذكرتم ولم يثبت أنَّه جعل لكثرة الشهود تأثيراً.
مسألة
قال: ولو أن رجلاً مات وادّعت زوجته على ورثته صداقاً حكم لها به إلى مهر المثلث إلاَّ أن يأتي الورثة بالبينة ببرائتها من صداقها ولورثة الزوج أن يحلفوها على ما ادّعت، وهذا مبني على أن الدخول كان حصل منهما على رواية الأحكام ولا يجب أن يحمل ذلك على رواية المنتخب والصحيح عندنا رواية الأحكام أنَّه إذا مات ولم يكن فرض لها مهراً ولا دخل بها فلا شيء لها، فإذا ثبت الدخول وجب هلا مهر المثل لا محالة إذا لم يكن بينه بشيء دون ذلك فلذلك قال أنَّه يحكم لها بذلك؛ لأن ذلك يجري مجرى أن يثبت عند الحاكم أنَّه كان استهلك لها ثوباً قيسمته عشرة دراهم في أنَّه يحكم لها بثمنه، كذلك إذا ثبت الدخول يحكم لها بمهر المثل؛ لأن مهر المثل يجري مجرى قيمة البضع، وكذلك الجواب لو كان الزوج حياص وادعى عليه المهر كان القول قولها إلى مهر مثلها للوجه الذي قلنا، وبه قال أبو حنيفة ومحمد، قال أبو يوسف: القول قول الزوج ما لم يذكر شيئاً تافهاً مستنكراً.
فإن قيل: إذا احتمل أن يكون قد سمى لها دون مهر المثل فهل قضيتم لها بمهر المثل.(129/20)


قيل له: أن ذلك وإن كان محتملاً فهو خلاف الظاهر وإذا كان خلاف الظاهر لم يثبت إلاَّ بالبينة، ووجب أن يحكم لها بالقيمة تامة، وأيضاً لا خلاف أن المرأة لا تصدق على أكثر من مهر مثلها، كذلك الزوج لا يصدق إذا ادّعى أقل من مهر مثلها، والعلة أنهما ادّعيا في المهر خلاف الظاهر فلم يجب تصديق واحد منهما إلاَّ بالبينة.
فإن قيل: هلاّ قلتم هو بمنزلة مال الخلع إذا ادّعى الرجل دون ما تدعيه المرأة في أن القول قوله.
قيل له: لأن الخلع ليس يثبت في الظاهر شيئاً معلوماً كما أن الدخول يوجب مهراً معلوماً فكان القول قول مدعي الأقل كما أن رجلاً لو ادعى على آخر ألفاً فأقر المدعي عليه بخمسمائة يكون القول قول المدعى عليه؛ لأنَّه ليس في الدين شيء ثابت معلوم، وسبيل المهر سبيل ما ذكرناه إذا استهلك رجل على رجل شيئاً له قيمة معلومة؛ لأن استهلاكه أوجب القيمة كما أن الدخول أوجب مهر المثل.
فإن قيل: هلاّ قلتم أن البائع والمشتري إذا اختلفا في الثمن القول قول البائع إلى القيمة.
قيل له: لأنهما أقرا بانتقال الملك بعقد صحيح وعقد البيع لا يوجب شيئاً بعينه كما يوجب الدخول فلم يلزم ذلك.
فإن قيل: فما تقولون في الصلح عن دم العمد إذا اختلف القائل وولي الدم.(129/21)


قيل له: لا نص فيه لأصحابنا والذي يجيء على مذهبهم أن القول قول ولي الدم إلى الدية، لأن القتل يوجب عندنا الدية المعلومة كما يوجب الدخول مهر المثل ولا يجب على أصولنا الفصل في لزوم الدية متى شاء ولي الدم بين العمد والخطأ فأما لزوم اليمين فلا خلاف فيه إذا ادعى عليها تسميته دون ذلك أو الاستيفاء أو الإباء وعندنا أن اليمين تلزمها وإن لم يدع عليها ذلك على ما بيناه في إيجاب اليمين مع البين؛ لأن إنكاره ما يدعيه يتضمن بعض ذلك فهو في حكم المنطوق به فأما إذا اختلفا في نصف المهر بعد الطلاق وقبل الدخول فيجب أن يكون القول قول الزوج على قياس قول يحيى عليه السلام في المتابعين إذا اختلفا في الثمن، وذلك أن مهر المثل لا يثبت مع الطلاق إن اخلفا فيها قبل الدخول أن يكون القول قول المرأة إلى متعة مثلها للوجه الذي بيناه، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه.
مسألة(129/22)


قال: فإن ادعت أكثر م مهر مثلها فعليها البينة فيما زاد على مر المثل وعلى الورثة اليمين يحلفون على علمهم، وهذه الجملة مما لا خلاف فيها؛ لأن ما زاد على مهر المثل ليس له أصل يرجع إليه فلا يجب تصديقها إلاَّ بالبينة وعلى الورثة اليمين كحكمهم في سائر الديون، ولا خلاف أنَّهم يحلفون على علمهم؛ لأن الحق لم يلزمهم في الأصل وإنما انتقل إليهم والمراد لا تدعيه عليهم وإنما تدعي انتقاله إليهم من مال الميت فكل ما جرى هذا المجرى يحلف فيه المدعى عليه على علمه وعلى هذا يحلف الزوج إن كان حياً إلاَّ أنَّه يحلف على البنات ولا يحلف على علمه؛ لأن الدعوى عليه توجهت في الحقيقة، وقال: وكذلك إذا ماتت المرأة فادعى ورثتها على زوجها صداقها قضى لهم بمهر مثالها إلاَّ أن يقسم الزوج البينة ببرائتها منه والكلام فيه هو ما تقدم في المسألة الأولى فلا غرض في إعادته، قال: ولا فضل بين أن تكون المرأة طالبت بصداقها أيام حياتها أو لم تطالب، وهذا مما لا خلاف فيه؛ لأن السكوت لا يسقط الديون فكذلك المهر، ألا ترى أن سكوت البائع عن المطالبة بالثمن لا يسقطه وكذلك قبض المشتري السلعة لا يؤوب سقوط الثمن ولا يكون إقراراًً بالقبض، فكذلك الدخول لا يسقط المهر ولا يكون إقراراً بالقبض فصح أن يطالب الورثة بعد موتها ما لم يقم البينة على استيفائها أو براءتها.
مسألة
قال: وإن مات الزوجان فادّعى ورثة الزوجة على ورثة الزوج صداقها فعلى ورثة الزوجة البينة، فإن أقاموها حكم لهم بها وإن لم يقيموها استحلف لهم ورثة الزوج على علمهم ولم يحكم عليهم بشيء، وبه قال أبو حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: يحكم لورثتها بالمهر كما يحكم به لو كانا حيين.(129/23)


قال أيده الله: وهو الصَّحيح لأن المهر قد ثبت بالدخول فلا يسقطه موتها فأما وجه ما ذهب إليه يحيى عليه السلام فهو ما ذكره أصحاب أبي حنيفة من أنَّه محمد محمول على أن المراد به إذا تقادم العهد حتى لا يمكن أن يعرف حال المرأة إذ لا يكون قد نفى من نسائها من يمكن اعتبار مثلها مهرها، ويدل على ذلك أنهم قالوا: أن أبا حنيفة قال: أرأيت إن ادعى آل علي على آل عمر مهر أم كلثوم بنت علي أكنت احكم بذلك عليهم، والأقرب عندي أن هذا استحسان؛ لأنَّه لا إشكال في أن القياس ما قاله أبو يوسف ومحمد، ووجهه ما ذكرناه، ويمكن أن يقال بأن العادة جرت بأن المسلمين لا يتحاكمون به لبعد العملة والتعذر ضبط الأحوال، والله أعلم.
فإن قيل: فهلاّ قلتم أوجبتم لهم عشرة دراهم إذ هي متيقنة.
قيل له: هي يختلف حكمها بأن يكون مسمى أو مهر المثل فلا يمكن إيجابها حتى تعرف جهتها، ويمكن أن يقال أن أحداً لم يقل به، قال: وكذلك إن ادعى عليهم ديناً سوى الصداق، وهذا مما لا خلاف فيه؛ لأن الدين ليس له أصل ثابت كالمهر فمن ادّعاه فعليه البينة وعلى من أنكره اليمين.
مسألة(129/24)

56 / 122
ع
En
A+
A-