قال: فإن أقام البينة على صحة عواهما قسم الشيء بينهما على أربعة ثلاثة أرباعه لمدعي الكل وربعه لمدعي النصف، وبه قال أبو حنيفة إذا لم يكن الشيء في أيديهما، قال أبو يوسف ومحمد: يقسم بينهما على ثلاثة لمدعي الكل ثلثان ولمدعي النصف ثلث، وقول الشافعي على ما حكاه ابن شريح؛ أنَّه بينهما نصفان، وأظنه إذا كان بينهما في أيديهما وعليه دل كلام ابن أبي هريرة فيما علق عنه، ووجهه ما ذهبنا غليه أن النصف من الجملة مسلم لمدعي الكل لا منازع له فيه، والنزاع في النصف الباقي فإذا أقام مدعي النصف على النصف البينة وأقام مدعي الكل على الكل البينة كانت بينتاه على النصف ثابتة فيجري هذا النصف مجرى شيء منفرد يدعيه رجلان ويقيم كل واحد منهما البينة عليه في أنَّه له، فيجب أن يقسم بينهما كذلك هذا النصف يجب أن يقسم بينهما، فإذا قسم ذلك بين مدعي النصف ومدعي الكل وخلص النص لمدعي الكل كان ذلك بينهما أرباعاً على ما قلناه، ونظيره ما يقوله في ابن وخنثى أن للابن النصف لا منازعة فيه، وللخنثى اللث لا منازعة فيه، والسدس فيه المنازعة، فيجب أن يكون بين الابن والخنثى، فأما أبو يوسف ومحمد فإنهما شبها بالابن والبنت في الإرث فقالا: لما كان حق الابن في الإرث يتعلق بالجمع، وحق الابنة النصف؛ وجب أن يكون للابنة الثلثان وللابنة النصف إذا اجتمعا، وهذا بعيد؛ لأنَّه ليس بينهما إلتباس وتنازع في الاستحقاق ومسألتنا فيها بينها تنازع والتباس في الاستحقاق، فكان رده إلى التنازع في الشيء المنفرد أولى وبهذا أنجيب أن ردوه إلى العول وإلى الديون وذكر أبو بكر الجصاص أن الوجه في ذلك أن كل من أدلى بسبب صحيح ثابت في الحال ضرب به في الجميع ومعناه أن كل واحد منهما يضرب بنصيبه الذي يستحقه لو انفرد كالابن والابنة والأختين من الأب والأم وأختين من الأم مع الزوج في مسألة العول، وكرجل له على رجل ألف درهم ولآخر خمسمائة ولم يخلف إلاَّ ألف درهم وما أشبه ذلك،(129/15)


وما كان سببه غير ثابت بل يكون موقوفاً فإنه يجب أن يقسم بينهم أرباعاً فلذلك قال ما قال في مسألة الدعوى وما حكي عن الشافعي فمبني على أن من في يده الشيء أولى فيدعي الكل أقامه البينة على ما في يده وهو النصف، ومدعي النصف قد أقام البينة على ما في يده وهو النصف على أنَّه مقر له به فسلم له ولم يسمع عليه بينه مدعي الكل ونحن نبين بعد هذا أن بينة الخارج أولى فسقط هذا، فأما إن كان الشيء في أيديهما فعند أبي حنيفة أنَّه إذا أقام كل واحد منهما البينة على صحة دعواه حكم الجميع لمدعي الكل ولم يحكم لمدعي النصف بشيء؛ لأنَّه قد ثبت أن بينة الخارج أولى من بينة من في يده الشيء فمدعي الكل يكون مقيماً للبينة على ما في يد خصمه وهو مدعي النصف إذا ما في يده من النصف سلم له لا تنازع فيه، ومدعي النصف يكون مقيماً للبينة على ما في يده من النصف إذ لا يدعي النصف الذي في يد خصمه وهو مدعي الكل فكل واحد منهما أقام البينة على النصف الذي في يد مدعي النصف فسقطت بينته ووجب الحكم ببينة مدعي الكل إذ هو الخارج من ذلك النصف فهذا وجه قولهم وعندنا أن بينة الخارج وإن كانت أولى فليس الأمر على ما قالوه ولك أن مدعي النصف يدعي في الشيء نصفاً سابعاً في الجميع ويدعي انه لا جزء منه مما هو في يده أوفي يد مدعي الكل ألا وهو شريكه فيه ومالك لنصفه فهو مقر أن ما في يده من النصف هو بينه وبين مدعي الكل وكذلك يدعي أن النصف الذي في يد مدعي الكل هو بينه وبينه فصار هو مدعياً لنصف ما في يد مدعي الكل وهو الربع ومدعياً لنصف ما في يده وهو الربع الباقي، فإذا أقام البينة لم تسمع بينته على الربع الذي في يده ثُمَّ أن الربع الباقي نه قد سلمه وأقر به لصاحبه فلم يستحق منه شيئاً إلاَّ أنَّه ادعى نصف ما في يد صاحبه وأقام البينة عليه فحكمنا له به ويكشف ذلك أنَّه لم يدع نصفاً معيناً هو في يده لادعى نصفاً شائعاً في الجميع فلا بد من أن يكون مدعياً لنصف ما(129/16)


في يد مدعي الكل ومما يبين ذلك ما ذهب إليه كثير من العلماء أن الدار إذا كانت بين شريكين على سبيل الشياع فغاب أحد الشريكين أنَّه ليس للشريك الحاضر أن ينتفع بسكناها وعلوا ذلك بأن قالوا: أن كل جزء منها إذا انتفع به تكون منتفعاً بملك شريكه مع ملك نفسه فوضح صحة ما ذهبنا إليه في هذا الباب.
فإن قيل: أن الذي في يده هو النصف الشائع وهو الذي يدعي ملكه فإذا أقام البينة كان مقيماً لها عليه.
قيل له: الذي يكون في ذلك هو الذي يتأتى تصرفه فيه، ولا يجوز أن نقول في يده مالاً يتأتى تصرفه فيه ولا يتأتى تصرفه إلاَّ في ملكه وملك شريكه إذ لا يصح أن يتصرف فيما هو خاص له فبان أن ما في يده مما يدعيه هو الربع وأنه يدعي ربعاً آخر في يد خصمه فصح ما قلناه.(129/17)


قال: ويحلف كل واحد منهما مع البينة على صحة دعواه أن طلب صاحبه يمينه وهذا قد مضى وجهه فلا غرض في إعادته، قال: فإن لم يكن لواحد منهما بينة استحلف كل واحد منهما على دعواه لصاحبه فإن حلفا قسم الشيء بينهما على ما بيناه أيضاً وذلك أنا قد بينا أن الذي يعيه وهو في يده إنَّما هو الربع، فأما الربع الآخر الذي هو تمام النصف إنَّما هو في يد خصمه وهو إنَّما يحلف على ما في يده ويدعيه، لأن ما في يه ولا يدعيه ولا يحلف عليه وما يدعيه في يد غيره لا يحلف عليه فالربع هو المتنازع فيه في يد مدعي الكل وكذلك في يد مدعي النصف فلذلك قلنا أنَّه يقسم بينهما أرباعاً إذا حلف كل واحد منهما على ما في يده ويدعيه، قال: وإن حلف أحدهما ولم يحلف الآخر حكم للحالف بما يدعي وذلك أنَّه إذا حلف أحدهما تقدر له ما هو في يده ويدعيه، وإذا نكل خصمه حكم عليه بالنكول فأخرج من يده ا يدعيه خصمه وحكم به لخصمه، فإن كان الحالف مدعي الكل تقرر الربع له الذي في يده بيمينه وأخرج عن يد مدعي النصف ما في يده ويدعيه وهو الربع بنكوله فيصير الشيء أجمع لمدعي الكل وإن كان الحالف مدعي النصف تقرر في يده الربع الذي في يده وحكم على خصمه بالربع الذي في يده بنكوله فتحصل له النصف الذي ادعاه.
قال: فإن لم يحلف واحد منهما قسم أيضاً بينهما على ما بيناه وذلك أنه مات إذا نكلا جميعاً حكم على كل واحد منهما بنكوله لخصمه بما ادّعاه فيحمل الربع لمدعي النصف والباقي لمدعي الكل على ما تقدم بيانه، والله أعلم.
مسألة(129/18)


قال: فإن أقام أحدهما شاهدين وأقام الآخر أربعة شهود أو أكثر كان الأمر سواء، ولم يكن لزيادة الشهود تأثير وبه قال العلماء، وحكي عن قوم أنهم جعلوا لكثرة الشهود تأثير أو حكي ذلك عن الأوزاعي وذلك لا معنى له؛ لأن الله تعالى يقول:{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيْدِيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ..} الآية، فعلق الحكم بالشاهدين والشاهد وامرأتين فوجب امضاء الحكم به وإذا وجب إمضاء الحكم به لم يجب التوقف عن الحكم له لزيادة شهود خصمه وإلا كان ذلك رفعاً لمقتضى الآية، وأيضاً قد ثبت بالإجماع أن شهادة الشاهدين كافية في إلزام الحق فوجب أن يكون الزائد على ذلك من عدد الشهود لا يعتبر حال لزوم الحكم دليله الإقرار، ألا ترى أن الإقرار لما كان كافياً في إلزام الحكم لم يكن لتكريره وزيادة عدده مزية فكذلك عدد الشهود ويمكن أن يقاس على عدد الشهادة؛ لأن الشهادة متى وقعت مرة واحدة لزم بها الحكم فلا مزية لتكريرها.
فإن قيل: فقد جرت العادة من الحكام بسماع شهادة أكثر من شاهدين ولو لم يكن لذلك تأثير لكان لغواً.
قيل له: غلط ق اعتبر في الشهادات الأقوى له إنَّما يفعلون ذلك للإحتياط؛ لأن كثرة الشهود لا يضر ولأن بعضهم لو رجع لبقي ما ينفذ الحكم به ولو رجعوا بعد الحكم سقط التضمين ما بقي اثنان ولم يجب نقض الحكم به ولو رجعوا على مذهب من يرى ذلك ولأنه أقوى في علبته ظن الحاك.
فإن قيل: قد اعتبر في الشهادات الأقوى والشهود أكثر عددهم كانت شهادتهم أقوى.
قيل له: نحن نعتبر القوة فيما كان الأمر فيه موكولا إلى الاجتهاد، فأما ما كان فيه نص أو ما جرى مجرى النص فلا معنى لاعتبار ما ذكرتم وعدد الشهود منصوص عليه فلا وجه لاعتبار الضعف والقوة فيه، ألا ترى أنا نعترض بالقياس على موجب العقل وإن كان أقوى من موجب القياس، وكذلك خبر الواحد وتخص الآية بخبر الواحد؛ لأن خبر الوارد والقياس في حكم المنصوص عليهما.(129/19)

55 / 122
ع
En
A+
A-