قال: وإذا ادّعى مالاً حالاً فأقر المدعى عليه بمال مؤجل نبت حالاً وعلى المدعى عليه البينة فيما ادعى من الأجل وعلى المدعي اليمين وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، قال الشافعي القول قول المقر، ووجهه أنَّه لما أقر له بالمال كان الظاهر أنَّه يلزمه الخروج منه، وقوله أنَّه مؤجل يقتضي أنَّه لا يلزمه الخروج منه في الحال فهو يحاول إسقاط حق نفسه قد لزم في الظاهر فوجب أن يكون بذلك مدعياً لا تثبت دعواه إلاَّ بالبينة كما أنَّه لو أقر لآخر بدار في يده وقال أنها مرهونة في يدي لم تثبت دعواه أنَّها مرهونة إلاَّ بالبينة وكذلك لو قال أنها مؤجرة منه إلى شهر كان مدعياً لا تثبت دعواه للإجازة إلاَّ بالبينة ويمكن تحرير هذه العلة فيه فيقال أنَّه أقر لغيره بمال وادّعى أنها مرهونة في يده أو في أجارته إلى مدة.
فإن قيل: هلاّ أجريتموه مجرى الإستثناء إذ لا خلاف أنَّه لو قال علي عشرة دراهم إلاَّ درهماً ألاّ يلزمه إلاَّ تسعة دراهم.
قيل له: لا خلاف بين أهل اللغة ولا في الشريعة أن قوله عشرة إلاَّ درهماً أو قوله تسعة عبارتان يفيدان معنى واحداً وهو التسعة فلم يجب أن يلزمه غير التسعة، وقوله: على مال مؤجل كلام ان منفصلان حكماً وإن اتصلا في اللفظ كما قلناه في الدار المؤجرة والمرهونة.
فإن قيل: هلاّ قلتم أنَّه كقوله له عليّ عشرة زيوف.
قيل له: لأن ذلك صفة للمال والأجل ليس صفة للمال.
فإن سألوا عمن أقر بمال الكفالة إلى أجل.(129/10)


قيل له: ذلك غير منصوص عن أصحابنا وإطلاق يحيى عليه السلام من أقر بمال وقال أنَّه مؤجلا يكون القول فيه قول المقر له يقتضي أن الكفالة وغيرها فيه سواء وبه قال أبو يوسف، روي أنَّه رجع إليه آخراً فأما على قول أبي حنيفة ومحمد وقول أبي يوسف الأول فيمكن الفصل بينهما بأن يقال أن مال الكفالة يجوز أن يتعلق ثبوته بمجيء وقت معلوم كن يقول إذا جاء رأس الشهر فقد كفلت لك عشرة دراهم مؤجلاً ثبوته في الحال فالمقربة مقر بمال لم يتقرر ثبوته في الحال، فوجب أن يكون القول قوله في الأجل وليس كذلك سائر الديون؛ لأن ثبوتها لا يجوز أن يتعلق بزمان مستقبل؛ لأن قوله: بعتك بعشرة إلى شهر يقتضي ثبوت العشرة في الحال ودخل الأجل لتأخير المطالبة فبان أن سائر الديون لا يجوز أن يكون سبيله سبيل مال الكفالة يكشف ذنك أنَّه لو قال: بعتك هذا الثوب بعشرة على أن لا تلزمك العشرة إلاَّ بعد شهر لم يصح، فبان أن دخول الأجل لتأخير المطالبة على أن الأحرى على القياس هو ما قلناه لا لأن الكلام ليس هو في الثبوت وإنما هو في وقت المال به وقد ثبت دينار تجوز مطالبته إلاَّ بعد مدة.
مسألة(129/11)


قال: فإن ادعى مالاً فقال: ماله عليّ شيء ولا أعرف ما يقول، فأتى بالبينة على دعواه فأتى المدعى عليه بالبينة أنَّه قد أوفاه أو برئ منه قبلت بينته ولم يقدح فيها إنكاره الأول، ووجهه أن البينة محمولة على الصحة حتى يثبت ما يوجب تكذيبها أو سقوطها، وقول المدعى عليه مال عليّ شيء حين قال ذلك فقوله موافق للبينة، وقوله: لا أعرف ما يقول، محمول على أنَّه أراد به على أنَّه لا يعرف ما يقوله المدعي من ثبوت الحق عليه؛ لأنَّه إذا قضاه لم يكن ثابتاً وإذا لم يكن ثابتاً لم يعلمه ثبوته فليس فيه تكذيب للبينة والذي يجيء على ما قلناه أن المعنى عليه لو قال له ما كان لك على شيء قط أنَّه لا يكون تكذيباً للبينة إذا أقامها أنَّه قد قضاه، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه؛ لأن براءة ذمته من حق المدعي لا تمنع من صحة قضائه ما يدعيه؛ لأن الإنسان قد يفعل ذلك قطعاً للخومة وتفادياً من اليمين فليس فيه اكذاب البينة، قال أبو حنيفة: فإن قال مع ذلك: ولا أعرفك، لم تقبل بينته والأولى أن تقبل بينته على قول يحيى؛ لأنَّه نص على أن بينته تقبل ول قال: ما أعرف ما تقول، وهذا مثل قوله: لا أعرف، ووجهه يراه ويكلمه وإنما المراد به لا أعرف أحوالك، فيجب أن يحمل ذلك على أنَّه لا يعرف اسمه ولا نسبه ولا صنعته ولا معاملته كانت بينة وبينه أوجب ذلك الحق عليه وإذا حمل على ذلك لم يكن منه تكذيب للبينة ويحتمل أن يكون قضاه أيضاً بالرسالة من غير الملاقاة، وإن تكون الدعوى أيضاً كانت بالرسالة فكلامه يدل على أن هاتين المسألتين على ما أجبنا عنهما؛ لأنَّه قال في آخر المسألة يسمع منه ما يقول حتى ينظر ما يدفع المعي فإن صح قوله فيما يدفع المعي قبل قوله فكأنه راعى أن يكون قوله غير مناف لبينته، فمتى كان كذلك قبل وقد بينا أنَّه لا يتنافى في هاتين المسألتين فوجب أن يكون القول عنهما على قوله بما أجبناه.
مسألة(129/12)


قال: ولو أن رجلاً ادعى على رجل أنَّه دفع إليه دنانير يشتري له بها شيئاً فقال المدعى عليه: دفعتها إليّ لأدفعها إلى فلان وقد دفعتها إليه، فالبينة على من أخذ الدنانير فيما ادّعى من أخذه على ذلك الوجه ودفعه إلى الآخر، وإنما وجب أن يكون القول قول من دفع الدنانير؛ لأن المدفوع إليه يثبت لنفسه حق يصرف مخصوص وهو غير ثابت في الظاهر فوجب أن يكون مدعياً تلزمه البينة على دعواه ويجب أن تكون اليمين على صاحبه المنكر لذلك فأما قوله: وعليك البينة في دفعه إلى الآخر، فالمارد بذلك إذا أنكر المدفوع إليه فيلزمه البينة عله إذا كان التحاكم بينه وبينه وليس يلزمه البينة لحق الدافع؛ لأنَّه إذا أقام البينة أنَّه أمره بدفعه إلى فلان صار فيه أميناً ويكون القول قوله: أني دفعتها إلى فلان في حق صاحب المال وعليه البينة في حق المدفوع إليه.
مسألة
قال: وإذا ادعى رجل على آخر دعاوي متفرقة استحلف المدعى عليه لكل دعوى يميناً، وإنما كان ذلك كذلك؛ لأنَّه في كل دعوى من تلك الدعاوي مدع وصاحب مدعى عليه؛ فيلزمه لكل منهن يمين لقوله صلى اللَّه عليه وآله وسلم اليمين على المدعى عليه، ولأنها لو انفردت لكان ذلك حكمها فمصامه غيرها لها لأبعد حكمها.
مسألة(129/13)


قال: ولو أن رجلين ادعيا في شيء هو في أيديهما أو ليس هو في أيديهما إذا لم يدع فيه غيرهما فادعى أحدهما أن كله له وادعى الآخر أن نصفه له فأقام أحدهما البينة ولم يقم الآخر حكم له بها، وذلك أن المدعي لكل إذا أقام البينة أنَّه له استحق بينه ما في يد صاحبه وهو النصف وبقيس النصف الآخر في يده لا منازع فيه فيسلم الكل له، وإن أقام مدعي النصف البينة فبينته لم تفد له إلاَّ النصف والنصف في يده فيكون له إلاَّ أنَّه يكون مستحقاً للربع وهو نصف ما في يد صاحبه ببينته والربع الثاني يستحقه يكون في يده؛ لأن من مذهبه أن بينة من في يده الشيء غير مسموعة وهذا إذا كان الشيء في أيديهما، وأما إن لم يكن في أيديهما فإن أقام مدعي الكل البينة استحق الكل وإن أقام البينة مدعي النصف استحق النصف كلاً ببينته لا إشكال فيه ولا خلاف.(129/14)

54 / 122
ع
En
A+
A-