قيل له: لأنَّه لا خلاف أنَّه لا يقضي فيه بالشاهد وامرأتين لضعف ذلك عن الشاهدين فوجب أن لا يقضي به بالشاهد واليمين؛ لأنَّه أعف من الشاهدين والشاهد وامرأتين؛ ولأن ذلك مما تسقطه السنة، فوجب أن لا تهبل فيه الشاهد واليمين لضعفه؛ لأنَّه أضعف من الشاهد وامرأتين.(128/30)
باب القول في الدعوى والبينات
إذا ادّعى رجل على رجل حقاً أو مالاً عليه البينة وعلى المدعي عليه اليمين إن أنكر، وهذا مما لا خلاف فيه لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: <لو أعطى الناس بدعاويهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم لكن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه>، ثُمَّ أحوال البينات تختلف بحسب الدعاوي على ما نبينه.
واعلم أن الدعوى التي من حكمها أن تقرر بالبينة أن يدعي شيئاً في يد غيره أو مع دعوى غيره وإن لم يكن في يد أحد أو يدعي إيجاب حق على غيره أو يدعي إسقاط حق ثابت على نفسه فمتى ادعى شيئاً من ذلك فعليه بالبينة وعلى المنكر اليمين إذا كان الذي ينكره من حقوق الآدميين فهذا الجملة يجب أن تضبط؛ لأن م ادعى داراً في يده فلا بينة علم وكذلك من ادعى صحة عقد جرى بينه وبين غيره فلا بينة عليه ونظائر ذلك كثير، وكذلك من ادعى بعض ما يحتمله إطلاق لفظ منه لا بينة عليه، فهذا أصول هذا الباب.
مسألة
قال: فإن نكل المدعى عليه اليمين لزمه ما ادعى عليه من الحق وحكم به، قال أبو حنيفة: يحكم بالنكول إلاَّ في القصاص في النفس، وبه قال أصحابه إلاَّ زفر فقد حكي عنه أنَّه يحكم به في القصاص، أيضاً قال الشافعي: يقال للمدعي احلف واستقح، وحكي عن مالك أنَّه يحبس حتى يقر أو يحلف، وحكي عنه خلاف ذلك أيضاً وهو الحكم به.
والأصل في هذا ما روي عن ابن عمر أنَّه باع غلاماً بالبراءة فقال المشتري: هب داء لم يسمه، فاختصما إلى عثمان فقضى أن يحلف ابن عمر بالله فرد عليه الغلام.
وروي عن ابن أبي مليكة أنَّه كتب إلى ابن مليكة أنَّه كتب إلى ابن عباس في امرأتين ادعت إحداهما على صاحبتها أنها صابت لله يدها بالاشغاف فأنكرت فكتب ابن عباس إن ادعها، وقرأ عليها: {إِنَّ الَّذِيْنَ يَشْتُرُونَ بِعْهِدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيْلاًً}..الآية، فإن حلفت فحل عنها وإن لم تحلف فضمنها.(129/1)
فذكر أبو بكر الجصاص أنَّه قد روى نحوه عن أبي موسى، فثبت أنهم رأوا الحكم بالنكول ولم يروا خلافه عن أحد من الصحابة فجرى مجرى الإجماع منهم.
وأيضاً قد ثبت أن النكول على المعدي عليه حقاً إذ لا خلاف فيه وإنما الخلاف في ما هيته ذلك الحق فمن قائل هو لزوم ما يدعي عليه ومن قائل هو رد اليمين، لا فائدة فيه للمدعي؛ ولأن الحق يصح أن يطالب به وليس له أن يطالب فيقول: حلفني؛ لأن المطالبة بالحليف في الأصول أجمع من حق الخصم؛ ولأن الحبس يجب بعد ثبوت الحق وثبوت الامتناع منه، ألا ترى أن المدعي لا يطالب به أبداً فلم يبق إلاَّ أن يكون الذي أوجبه النكول هو الحق الذي ادّعاه المدعي ويمكن أن يقاس على البينة بأنه أمر أوجب حقاً بعد الإنكار للمدعي، فوجب أن يكون ذلك الحق هو المدعي.
فإن قيل: هذا يعترضه النكول فيما يوجب القصاص.
قيل له: إطلاق قول يحيى عليه السلام يقتضي أن القصاص وغيره في ذلك سواء كما روي عن وفر فسقط هذا السؤال على أن القياس عند أبي حنيفة يوجب ذلك إلاَّ أنَّه استحسن ترك الحكم به تعظيماً للأم، ويرى القصاص به فيما دون النفس وإن كان أبو يوسف ومحمد يوجبان الإرش في النفس وما دونها عند النكول ويمكن أن يحترز من ذلك بأن يقال أنه أوجب حقاً في مال بعد الإنكار وليس لهم أن يقولوا ذكر المال لا تأثير له في الأصل؛ لأن البينة قبل أن تثبت عدالتها في النفس يوجب الحبس عند أبي حنيفة، وإن كان لا يوجب في المال شيئاً، وقيل أيضاً الحبس يجري مجرى العقوبة ولم يثبت أمر تستحق به العقوبة فلا وجه له.
فإن قيل: اليمين حق للمدعي فإذا نكل عنه فقد منعه حقه في حبس لذلك، كما قلتم في القسامة أن من نكل عن اليمين يحبس حتى يحلف.(129/2)
قيل له: اليمين لا تكون بنفسها حقاً للمدعي، ألا ترى أنَّه لا يجتمع مع الحق المدعى ولأن الأصول للمدعى عليه أن ينكل ولا يحلف؛ ولأنه قد كره اليمين في الشيء اليسير ولو كان ذلك حقاً للمدعي لم يصح م ذلك شيء وليس كذلك حال اليمين عندنا في القسامة؛ لأنها تجتمع مع الدية فيكونان جميعاً حقين لأولياء الدم فلذلك جاز حبس من امتنع وحكي عن ابن شريح أنَّه قال أن البينة جعلت علماً لإثبات الحق كما جعلت اليمين علماً لنية، فلما أجمعنا على أن امتناع المدعي عن إقامة البينة لا يبطل دعواه في الإثبات كذلك امتناع المدعى عليه عن اليمين، لا يبطل ما ادعاه من النفي.
قيل له: وكما أن المدعي إذا امتنع من إقامة البينة لا ترد إلى المنكر كذلك إذا امتنع من اليمين لا ترد إلى المدعي على أن النفي لا يستقر إلاَّ مع اليمين والإثبات، فقد يستقر عندنا وعندهم بغير بينة؛ لأنا نقدر بالنكول وهم يقدرونه برد اليمين مع النكول فلم يجب أن يكون حكم اليمين حكم البينة ولم يمتنع أن يبطل النكول ما ادعاه من النفي، وأيضاً قد لزم المدعى عليه قطع الخصومة باليمين أو إلتزام الحق وهو من حق المدعي فإذا امتنع م اليمين وجب أن يلزم الحق دون اليمين والحبس إذ بواحد منهما لا تنقطع الخصومة.
فإن قيل: روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال للأنصار: <تحلفون وتستحقون دم صاحبكم>.(129/3)
قيل له: قد أنكر جماعة من المتقدمين هذا اللفظ وادعوا الغلط على سهل ابن أبي حيثمه، وقد بينا ذلك في القسامة وبينا أنَّه لو أثبت لوجب أن يحمل على وجه النكر مثل قول الله عز وجل: {أَفَحُكْمُ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ}، وقوله: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ}، وقوله: {آاللهُ أَذِنِ}، لك على أن الشافعي لا يحكم بمضمون هذا الخبر في غير الدم إذ فيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كب إلى اليهود يحلف منكم خمسون رجلاً، فقالت الأنصار لا نرضى بأيمان اليهود، فقال: <لهم أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم>، ولا خلاف في سائر الحقوق أن المدعى عليه إذا أبر اليمين لم ترد على المدعي على أن رد اليمين لا يجوز أن يكون للمدعي؛ لأن الإنسان لا يطالب بتحليف نفسه ليستحق على غيره شيئاً، ولا يجوز أن يكن حقاً للحاكم إذ لا حق له في الخصومة ولأنه لو كان حقاً للمعنى لكان لا يجب إلاَّ بمطالبة فلم يتق إلاَّ أنَّه حق المدعى عليه، وإذا كان حقاً له فلا يلزم إلاَّ بطلبه ونحن لا ننكر ذلك وهو إحدى الروايات عن مالك.
فإن قيل: روي لو أعطي الناس بدعاويهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم فبين أنَّه لا يعطي الإنسان بدعواه وإذا حكمنا بالنكول فقد أعطينا بمجرد الدعوى.
قيل له: لي الأمر كذلك؛ لأن النكول أمر يتجرد من المدعى عليه وليس هو دعوى المدعي كما أن الإقرار أمر يتجرد من المدعى عليه ولا يمتنع أن يتعلق بالنكول أحكام بحسب الأدلة كما يتعلق سكوت البكر وكف الشفيع عن طلب الشفقة، وإذا كان كذلك لم نعطه بمجرد الدعوى شيئاً.
فإن قيل: النكول لا يخلو أن يكون بمنزلة البينة أو الإقرار فإن كان بمنزلة البينة أو بمنزلة الإقرار لم يجب أن تسمع بعد ذلك يمين الناكل.(129/4)