قيل له: الاقتصار عندنا ليس هو من مقتضى الآية ولا من مضمونها فمتى رفعناه لا نكون رافعين لما أوجبته الآية وإنما الاقتصار ألاّ نحكم إلاَّ بما تضمنته الآية في أن العقل أوجب أن لا نحكم على أحد بشيء من الشهادات فلما ورد الكتاب بالحكم لشهادة رجلين أو رجل وامرأتين حكمنا بذلك وتركنا ما عداه على حكم العقل متى حكمنا بالشاهد واليمين رفعنا بذلك ما أوجبه العقل وأضفناه إلى ما أوجبه الكتاب، ونظير ذلك مما لا خلاف فيه إن نهيه عن أكل كل ذي ناب من السباع ومحلب من الطير ليس بنسخ لقوله: {قُلْ لا أَجِدُ فِيْمَا أُوْحِيَ إِليَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ}..الآية، وإن كان الاقتصار على ما نطق به الكتاب واجباً لولا الخبر؛ لأن الاقتصار لم يكن من مقتضى الآية وموجبها وإنما وجب الاقتصار؛ لأن العقل اقتضى إباحة سائر الأشياء فلما وردت الآية بمحضر هذه الأشياء حضرناها ورجعنا فيهما عداها إلى حكم العقل ثُمَّ لما وردت السنة في كل ذي ناب ومحلب من الطير ألحقناه بحكم الآية ورفعناه من جملة وأباحه العقل فكذلك مسألتنا.
فإن قيل: لما نزل قوله عز وجل: {قُلْ لا أَجِدُ فِيْمَا أُوْحِيَ إِليَّ مُحَرَّماً}، لم يحرم إلاَّ ما نطق به الكتاب ونزول تحريم أشياء بعد ذلك لا يوجب نسخ الآية.
قيل له: و يجوز أن لا يكون الحكم جاز عند نزول الآية لا بشاهدين أو شاهد وامرأتين ثُمَّ نزل بعد ذلك الحكم بشهادة شاهد ويمين وليس في نزول أحكام أخذ ما يوجب نسخ الآية على أنهم قد جوزوا الحكم بالنكول ولم يوجب ذلك نسخ الآية فكذلك ما قلناه.
فإن قيل: لا يجوز الاعتراض بخبر الواحد على الآية إلاَّ على وجه التخصيص والتخصيص يكون على ضربين؛ تخصيص حال أو تخصيص اسم وليس واحد مما ذكرنا في خبركم فوجب أن يكون ذلك نسخاً.(128/25)


قيل له: لسنا نسلم أنا نعترض به على الآية بل نقول أنَّه يوجب إلحاق حكم آخر بحكم الآية وهذا ليس باعتراض على أنا لو قلنا أن فيه تخصيصاً جاز أن نقول يجب الحكم بالشاهدين أو الشاهد والمرأتين إذا أمكن ونخص حال تعذر ذلك بخبر الشاهد واليمين وعلى هذا يجري الكلام في قوله عز وجل وأحل لكم ما وراء ذلكم لا تنكح المرأة مع عمتها وخالتها.
فإن قيل: أنتم اعتمدتم أن الشاهد واليمين لما صح إلى الرجلين أو الرجل والمرأتين لم يجز أن يكون ذلك نسخاً وهذا فاسد لما أجمعوا عليه أن الصلاة إلى الكعبة نسخ للصلاة إلى بيت المقدس وإن صح الجمع بينهما وإنّ عاشورا نسخ بصيام رمضان وإن صح الجمع بينهما سيما ومن قولكم أن المسح على الخفين يوجب نسخ الآية.
قيل له: لسنا نطلق أن ما صح ضم أحدهما إلى الآخر لا يكون نسخاً لكنا نقول أن صورته ليست صورة النسخ وأنه لا يكون نسخاً إلاَّ بدلالة خارجة عن المسألة كالإجماع ونحوه؛ لأنا لو قيل لنا: صلوا إلى الكعبة مع كون صلواتنا إلى بيت المقدس جائزة لم يكن ذلك نسخاً وإنما علمنا أنَّه نسخ لما علمنا من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن أمره بالصلاة إلى الكعبة كان كالنهي عن الصلاة إلى بيت المقدس.
وكذا نقول لو أمرنا بصيام شهر رمضان مع وجوب صيام عاشوراء لم يعلم أنَّه نسخ وإنما قلنا أنَّه نسخ وجوب صوم يوم عاشورا للإجماع.
فكذلك يجعل النسخ على الخفين نسخاً للآية بأطباق الصحابة على مراعاة التقدم والتأخر فيهما ولا فائدة فيه إلا النسخ فقلنا أنَّه نسخ لإجماع الصحابة أن تأخر عن الآية.(128/26)


وهكذا نقول أن الشاهد واليمين لا يكون نسخاً من جهة الظاهر ولا دل دليل خارج عليه فبطل أن يكون نسخاً على أن ذلك لو كان نسخاً لوجب أن يكون الحكم بشهادة القابلة نسخاً للآية، ولوجب أن يكون الحكم بالنكول نسخاً وكل ذلك يوجب سقوطهما ذهبوا إليه وإنما ادعاؤهم أنَّه مخالف للأصول والكتاب فهذا بعد، وذكروا فيها أشياء منها أنهم قالوا: أن الآية تضمنت الحكم بشاهدين أو شاهد وامرأتين فالحكم بشاهد ويمين يكون مخالفاً للكتاب كما أن الحكم بشاهد واحد من غير يمين مخالف للقياس.
قيل لهم: المخالفة التي ادّعيتموها لا يخلوا من أن يريدوا بها إثبات حكم لم يتضمنه الكتاب.
فإن أردتم هذا فلا معنى له؛ لأنا لا نختلف في تثبيت كثر من الأحكام التي ليست في الكتاب بالسنن والعبر، وإن أردتم أنَّه تخصيص للكتاب لهذا لا معنى له؛ لأنا لا نختلف في جواز كثير من ذلك، وإن أردتم أنَّه نسخ لكتاب فقد بينا فيما تقدم بطلان قول من يقول ذلك فسقط قولهم أنَّه مخالف للكتاب على أن ذلك لو كان مخالف للكتاب على أن ذلك لو كان مخالفة للآية لوجب أن يكون الحكم بشهادة القابلة مخالفاً للآية وكذلك الحكم بالنكول ولوجب أن يكون الوضوء بنبيذ التمر مخالفاً للآية.
فإن قيل: لما قال صلى الله عليه وآله وسلم لو أعطى ناس بدعاويهم لادعى لا قوم دماء قوم وأموالهم دل ذلك على أن أحداً لا يستحق بدعواه شيئاً ويمين المدعي هي دعواه.
قيل له: أن الإنسان لا يستحق شيئاً إلاَّ بمجموع الدعوى والبينة، ألا ترى أن البينة لو انفردت عن الدعوى لم يستحق بها شيئاً وإنما مراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك الدعوى المجردة وإذا كان مع المدعي شاهد واحد وحلف لم تكن دعواه دعوى مجردة؛ لأنها دعوى آلت بشهادة شاهد ويمين صاحبها.(128/27)


فإن تعلقوا بما روي في خبر الأشعث حين قال له شاهداك أو يمينه لم يصح ذلك، ألا ترى أنهم أجازوا مع ذلك الحكم بالنكول فمثلاً أجازوا أن يحكم بشاهد ويمين فإن الشاهد مع يمين الطالب أقوى من النكول.
فإن قيل: شهادة الظئر والجار إلى نفسه غير مقبولة فوجب ألاّ تقبل شهادة الطالب.
قيل له: لسنا نقبل شهادته وإنما نؤكد بيمينه شهادة الواحد.
فإن قيل: اليمين موضوعة لنفي الحق فكيف يثبتون بها إيجاب الحق.
قيل له: قد بينا أنَّه لا يمتنع من ذلك إذا دل الدليل عليه، ألا ترى أن السكوت موضوعه موضوع الاستبهام ومع هذا فقد حكمنا بالنكول وحكمنا بأن سكوت البكر رضاؤها لما قام الدليل عليه فكذلك يمين الطالب مع الشاهد الواحد.
فإن قيل: يمين المدعي تصديق لشاهد وتركته له ولا يجوز أن يزكي المدعي شاهده.
قيل له: يمينه وإن تضمنت تصديق فلا يجب أن تسقط كما أن دعواه وإن كان تصديقاً له فلا يجب أن تسقط والتركية التي تكون إلى المدعي ليس هذا معناها وإنما هي الأخبار عن أحواله في باب العدالة على الإطلاق على أن قولهم ذلك مخالف للأصول لا معنى له؛ لأن الأمة مجمعة على جواز ورود حكم مخالفة للأصول إذا دلت السنة عليه كما قالوا هم في الوضوء بنبيذ التمر، وكما قال الجميع بأن سكوت البكر رضاؤها.
وأما تأويلاتهم للأخبار فمنها؛ أنهم قالوا: يحتمل أن يكون المارد بقوله قضى باليمين مع الشاهد أنَّه قضى بيمين المنكر مع شاهد الطال فأسقط الشاهد الواحد.
قيل لهم: هذا فاسد من وجوه منها؛ أن أخبار كثيرة وردت بألفاظ لا تحتمل ذلك؛ لأن في بعض الأخبار يمين الطالب وفي بعضها بشاهد ويمين فعلق الحكم بها وفي بعضها أنَّه قضى بذلك في الأموال والأموال وغير الأموال في ذلك سواء.(128/28)


روي عن أبي الأحلح، عن جعفر، عن أبيه قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشاهد ويمينة، وعن عمرو بن دينار، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى بيمين وشاهد، ومنا أن ذلك لا فائدة فيه، ومنها أن الناس تكلموا في هذا الخبر؛ لأنهم عقلوا من معناه غير هذا إذا لو كان المعقول عين هذا لم يكن في التنازع معنى؛ لأن ذلك إجماع، ومنها أن مذهبهم أن يمين المنكر لا يحكم بها وإنما تقطع بها الخصومة ولهذا قالوا لنا على سبيل الإنكار: إنكم قضيتم باليمين واليمين لم توضع للإثبات.
وحكى بعضهم أنَّه قال: يجوز أن يكون المراد خزيمة.
قيل له: لو كان خزيمة لم يحج مع شهادته إلى اليمين؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعله ذا الشهادتين.
فإن قيل: لا يعلم أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم قضى به في ماذا؟ فلا يقضى به في شيء.
قيل له: إذا روي أنَّه قضى به فيجب أن يقضى به في كل شيء إلاَّ ما منع منه الدليل، ألا ترى أنه لما روي أنَّه أعطى الجدة السدس أعطيناها ذلك في جميع الأحوال إلاَّ حيث منع منه الدليل، وكذلك لما روي أن رجلاً أتاه فقال أن ابن ابني مات فمالي من ماله؟ فقال: السدس، فجعلنا له ذلك ف كل حال ما لم يمنع الدليل منه، وكذلك ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سهى فسجد، فأوجبنا السجود لكل سهو ما لم يمنع منه الدليل على أنَّه قد روي أنَّه قضى به في الأموال فسقط هذا الوجه.
فصل:
القضاء في الحقوق فيه خلاف للشافعي وحكى عن مالك والأصل ما بيناه أنَّه إذا روي أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم قضى به علي عليه السلام، وعن جعفر، عن أبيه، أنَّه قال للحكم بن عيينة، وقضى به بين أظهركم بالكوفة.
فإن قيل: روي أنَّه قضى به في الأموال.
قيل له: ذلك لا يمنع من القضاء به في غير الأموال.
فإن قيل: فهلاّ قلتم أنَّه يقضي به في الحدود و القصاص.(128/29)

51 / 122
ع
En
A+
A-