قيل له: ليس فيه إنَّه إن لم يونس منه الرشد فلا تدفعوا على أن الرشد هو العقل والتمييز، فإذا بلغ عاقلاً مميزاً فهو رشيد ويدل على ذلك قوله:{لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ}، فنبه عل أن التجارة إذا وقعت على التراضي صحت وحل المأخوذ بها، ويدل على ذلك الخبر المشهور أن رجلاً كان يغبن في الشراء والبيع لضعف كان في عقله فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين قال: لا أصبر على البيع والشراء إذا بعت واشتريت فقل لا خلابة، وروي في بعض الأخبار ولي الخيار ثلاثاً وفي بعض الأخبار أنَّه قال: جعلني النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما أبيع وأشتري على الخيار ثلاثاً، وفي بعض الأخبار: أن أهله سألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يحجر عليه فنهاه عن البيع، فلما قال: لا أصبر، قال له ذلك، روى الحديث بألفاظ مختلفة وليس في شيء من ذلك أنه حجر عليه، فدل ذلك على أن الحجر ليس بواجب للسفه وليس لأحد أن يقول أنَّه لا يدل على أن لا يجوز؛ لأن أحداً لا يقول بجواز الحجر؛ لأن من العلماء من أوجبه ومنهم من منعه، ويدل على ذلك قوله عز وجل: {إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ}، فعم ولم يخص ليستثن منه السفيه، وقال في وسط الآية: {فَإِنْ كَانَ الَّذِيْ عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيْهاً أَوْ ضَعِيْفاً}، إلى قوله: {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ}، فدل على أن المداينة تصح ممن فيه سفه في المال.
فإن قيل: أمر وليه بالإملاء.
قيل له: قد قيل في التفسير أن المارد به ولي الحق يمله ويذكره به أن يحجر عن الذكر والضبط فيسقط السؤال مع هذا، وأيضاً لا خلاف أن المبذر لا يحبس فكذلك لا يحجر عليه ولهذا قلنا أنَّه يحجر عليه للدين؛ لأنَّه يحبس فيه لحق الغير فجاز أن يحجر عليه بحق الغير.(128/20)
فإن قيل: روي الحجر عن عدة من الصحابة، وروي أن علياً سأل عثمان أن يحجر على عبد الله بن جعفر.
قيل له: يحتمل أن يكون الحجر الذي رواه كان حجر الدين ونحن لا ننكره وكذا الحجر سأل علي عليه السلام عثمان يجوز أن يكون حجراً الدين؛ لأن عبد الله بن جعفر كان كثير الإفضال ومن كان كذلك ربما ارتكبه الدين.
فإن قيل: روي أنَّه سئل ذلك حين باع أو اشترى عبد الله شيئاً غبن فيه غبناً عظيماً فصح أنَّه كان حجر السدس.
قيل له: لا يمتنع ذلك أن يكون ذلك حجر الدين؛ لأن من عليه الدين إذا باع أو اشترى مع الغبن لم يؤمن ذهاب ماله وفيه توأما عليه من الدين، ويقال: لأبي يوسف والشافعي لو كان السفه يوجب الحجر لم يفتقر إلى حكم الحاكم به كالصبي ولا مجنون؛ ولأنه لما لم يحجر على نفسه لم يحجر على ماله كالرشيد، فأما ما يدل على وجوب الحجر للدين خلافاً لأبي حنيفة فما روي عن الصحابة وعلي عليه السلام من غير إنكار أحد منهم، فإذا لم يجز أن يكون ذلك حجر السفيه فلا بد من أن يكون حجر الدين إ ليس حجراً ثالثاً، ولأنه لما حجر على نفسه بالحبس بحق الغير جاز أن يحجر عليه على ماله لحق الغير؛ لأن كل واحد منهما يؤدي إلى إحياء ما عليه من الدين مع أن فيه صلاحاً له ولصاحب الدين، وروي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حجر على معاذ وباع عليه للغرماء.
فصل:
قال في المنتخب: والمفلس إذا وج في يده مال فأقر به لغيره نظر الحاكم فيه، فإن ثبت أنَّه على ما قال سلم وإن لم يثبت دفعه إلى الغريم فأبطل حكم إقرار المحجور، وهذا مما لا أحفظ فيه خلافاً بين م رأى الحجر إذا كان الإقرار يتعلق بالمال؛ ولأنه إذا حجر عليه البيع والشراء يؤديان إلى تلف المال والإقرار أولى بذلك.
مسألة(128/21)
قال: والقضاء باليمين مع الشاهد الواحد جائز في الحقوق والأموال، وقرأت فيما علق ابن أبي هريرة أن مالكاً كان يقول بذلك. قال الشافعي: يقضي به خاصة في الأموال، ومذهب كثير ن علماء أهل البيت جواز القضاء به، قال زيد بن علي: لا يقضي به ولا بد من رجلين أو رجل وامرأتين وبه قال أبو حنيفة وأصحابه.
قال في الأحكام: تقبل في الأموال والحقوق وأما في غيرها من سائر الأشياء ف معنى له. والأصل في القضاء بالشاهد واليمين هي الأخبار الواردة في هذا الباب التي قد اشتهرت واستفاضت، منها ـ خبر عمرو بن دينار، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى باليمين مع الشاهد، وروي أيضاً عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وروي عن عبد الوهاب بن عبد الحميد الثقفي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي بعض الألفاظ قضى بشاهد ويمين، وروي في بعضها بالشاهد ويمين الطالب، وروي أن علياً عليه السلام قضى به بالعراق، وعن عبد الله بن عامر وربيعة أن أبا بكر وعمر وعثمان كانوا يقضون باليمين مع الشاهد الواحد، وروي أنَّه قضى به أبي كعب وشريح وعمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه ولم يرو عن أحد من الصحابة خلاف ذلك.
واعلم: أن المخالفين في هذه الأخبار من وجوه، أحدها؛ الطعن في أسانيدها، والثاني؛ ادعوا أنها توجب الزيادة في الكتاب وأن الزيادة فيه نسخ حتى قالوا من أجل ذلك أن حكم الحاكم به ينقض، والثالث؛ أنهم تأؤلها وجوهاً من التأويل بت، والرابع؛ أنهم ادعوا أنها مخالفة للأصول.(128/22)
ونحن نبين الكلام في كل هذه الفصول بعون الله، أما المطاعن في الأسانيد، فمنها ـ أنهم قالوا إن حديث سيف بن سليمان الملكي عن قيس بن سعد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، حديث وهم؛ لأن قيساً لا يعرف له رواية فوجب سقوطه؛ ولأن سيف بن سليمان ضعيف فيقال ما في أن قيساً لا يعرف له غير هذا الحديث عن عمرو ما يوجب سقوطه أو لستم قد احتججتم بحديث عورك السعدي، عن جعفر في زكوة الخيل وعورك هنا مجهول لا تعرفه الرواة ولم يعرف عنه رواية عن جعفر، ولا إشكال أن حديث قيس أحسن من هذا الحديث؛ لأن قيساً في نفسه معروف مشهور وإن لم يعرف عنه عن عمرو بن دينار غير هذا الحديث، وكم قد رأينا من الفضلاء من روى عن شيخ واحد حديثاً واحداً أو حديثين وهذا لا يجوز أن يكون طعناً، وقولهم: إن سيف بن سليمان ضعيف لا يلتفت إليه بل هو قوي قد أخذ بحديثه العلماء، وروي عن ابن حنبل؛ لأنه وثقه، وقالوا: في حديث ربيعة عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أنَّه ضعيف لما روي عن عبد العزيز الدار وروي أنَّه قال: سألت سهيلاً عن هذا الحديث فلم يعرفه وعنه سليمان بن بلال، قال: قلت لسهيل إن ربيعة يرويه عنك، فقال: إن كان رواه عني فهو كما قال، فيقال: أكثر ما في هذا الحديث أن يكون سهيل نسي ما رواه وما في نسيانه ما يوجب سقوط الحديث بل كل عاقل إذا رجع إلى نفسه يعلم أنَّه قد نسي كثيراً مما رواه ثُمَّ يتذكر أو لا يتذكر فإذا حفظه عنه الثقة كان صحيحاً فوجب بما بيناه سقوط هذا الوجه من الطعن وقالوا وهذا يفسد ما روي عنه، عن أبيه، عن زيد بن ثابت؛ لأنه لو كان نايباً عنه لقال الدرا رديء لست أعرفه عن أبي هريرة لكنه عندي، عن زيد بن ثابت وهذا أبعد من الأول؛ لأنَّه يجوز أن يكون نسي الحديث جملة ونسي الطريقين سيما وذكر أن النسيان غلب عليه لأمر أصابه، ويقل: أنَّه كان سبب ذلك حزنه على أخ له مات، ويجوز أن يكون كان ذاكرنا لحديثه عن أبيه، عن زيد، لكن الدرا(128/23)
ورديء سأله عن حديث أبي هريرة وأجابه عما سأله وسكت عما لم يسأله، وقيل: أنَّه فاسد؛ لأن كتاب سعد بن عبادة ربيعة سئل عن قولهم في شهادة شاهد ويمين صاحب الحق، فقال: وجدت ذلك في كتاب سعد بن عبادة فلم يذكر أنَّه رواه عن سهيل، قيل لهم: يجوز أن يكون أراد هذه الزيادة عني ويمين صاحب الحق التي وجدها في كتاب سعد على أنَّه لا يمتنع أن يكون ذكر له أحد الوجهين فليس يجب على من يقول قولاً أن يذكر جميع الوجوه التي لها قال ذلك. ويجوز أن يكون عرف من مراد السائل أنَّه كان سأله عن غير ما رواه عن سهيل لعلم به فما في هذا ما يوجب سقوط الحديث قالوا وحديث عبد الوهاب، عن جعفر متصلاً وقد وصله معه إبراهيم بن اليسع، عن جعفر يضعف؛ لأن مالكاً وسفيان روياه عن جعفر عليه السلام، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسلاً فيقال لهم: هذا من الطعن العجيب؛ لأنَّه ليس في إرسال واحد ما يدل على سقوط إسناد غيره.
ولأن المراسيل عندنا وعندهم مقبولة فلو لم يرو إلاَّ ما روي عن مالك وسفيان لكان كافياً، وهذا الكلام أوضح سقوطاً من أن يحتاج إلى الإطناب فيه وهذه رحمك الله عادة لأصحاب أبي حنيفة أنهم إذا عصبهم الحجاج من طريق الأخبار عدلوا عما يعتقدونه هم به من الأخبار الواهية عند أصحاب الحديث.
وأما ما ادّعوه من أن هذه الأخبار زيادة فقي الكتاب والزيادة نسخ فيقال لهم فيه ولِمَ ادّعيتم أن الزيادة في الكتاب نسخ فإنه أصل نخالفكم فيه وننكره.
فإن قيل: لأن الله تعالى قال: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيْدِيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ}، اقتضت الآية الاقتصار على شهادة الرجلين أو لرجل وامرأتين فمن أين قلتم بالشاهد واليمين، فقد رفعتم الاقتصار بالخبر وذلك هو معنى النص.(128/24)