قيل له: الخبر واحد والقصة مشهورة؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي حين أخرجه إلى اليمن إلا أن بعض الرواة أوجز وبعضهم سرد على وجهه على أنَّه يقال لهم ظاهر الخبر جعل له أن يقضي حين يسمع كلام الآخر لأن حتى غاية فإذا قال: لا نقض لأحد الخصمين حتى تسمع كلام الآخر، كان المنع إلى حين يسمع كلامه وبعد سماعه يزول المنع ولا يصح ذلك إلاَّ بأن يكون سمع الدعوى والبينة، قال: يجوز القضاء على الغائب والخبر دال على جواز سماع الدعوى والبينة وإن لم يكن الخصم حاضراً ليس يبعد أن يجعل الخبر دليلنا في المسألة، ويدل على ذلك أنَّه لو حضر المدعي عليه وأنكر لوجب أن يستمع الدعوى والبينة من المدعي ويحكم له به، فكذلك وإن غاب والعلة حضور الدعوى المسموعة في الشرع والبينة المقبولة فيه على ما أمكن والمراد بهما على الصفة التي لو حضر الخصم معهما كانت البينة والدعوى صحيحتين وليس ينتقض بالخصم لو كان حاضراً البلد أو المجلس أنَّه لا يحكم عليه حتى يسأل لوجهين:
أحدهما ـ أن كثيراً من القائلين القضاء على الغائب قد أجازوا ذلك وإن حضر الخصم البلد والمجلس.
والثاني ـ أنا قد اشترطنا الإمكان في علتنا، وإذا كان الخصم حاضر البلد مكن إحضاره والإستماع منه وإذا كان غائباً لم يمكن، ذلك يكشف قياسنا أنَّه لم يفت إلاَّ إنكار المعي عليه وليس ذلك مما يؤثر في صحة الدعوى أو البينة، فبان أن الحكم يتعلق بصحة الدعوى والبينة فمتى صحنا وجب الحكم، وأيضاً لو صح الإنكار ولم تصح الدعوى البينة لم يجب الحكم ومتى صحنا وجب الحكم فبان أن وجوب الحكم تعلق بصحتهما فوجب القضاء بهما متى حصلنا وصحتنا حضر المدعي عليه أو غاب.(128/15)
فإن قيل: لمن ذهب على أنَّه يحكم على حاضر البلد قبل أن يستحضرا، هذه العلة ما يكون الحكم الذي تقتضيه العلة يكون هو الواجب وذلك لا يصح؛ لأنَّه لا خلاف أن الأولى أن يستحضره فكيف يكون واجباً ما يكون تركه أولى أو يكون الحكم إذا وقع نافذاً فهذا لا ننكره؛ لأنا لا نمتنع من وقوع الحكم ونفوذه على الغائب إذا قضاه الحاكم وأداه إجتهاده إليه.
قيل له: حكم العلة هو الوجوب وفي كثير من الواجب ما يكون تأخيره أولى، ألا ترى أن الحكام يحتاطون في أول المجلس إذا تقررت الدعوى وحصل الإنكار وقامت البينة عدلت في أن يؤخذوا الحكم مجلساً بعد مجلس ليوده المدعي عليه حجة إن كانت له ويرون تأخير إبرام الحكم إحتياطاً وأولى وأن كان موجب الإمضاء قد في أول المجلس ومن مذهبنا ومذهب أكثر العلماء إن الصلاة تجب في أول الوقت ومع ذلك لا أحفظ خلا ف في العشاء الآخرة أن تأخيرها أفضل ولهذا نظائر كثيرة فقد بان أنَّه لا يمنع كثير من الواجبات أن يكون تأخيره أولى، ويدل على ذلك أيضاً أن الرواية المشهورة عن أبي حنيفة أن المصمم على السكوت إذا حضر يقضي عليه ويسمع عليه الدعوى والبينة وكذلك الغائب للعلة التي قدمناها أو لتعذر الوقوف على نص ما عنده؛ لأنَّه لا فرق بين أن يستمر على السكوت وبين أن يغيب في أن الحاكم يتعذر عليه الوقوف على ما في نفسه من الإقرار بما يدعي عليه أو الإنكار له.
فإن قيل: إنهما أعني الغائب والساكت افتر ما في جانب اليمين؛ لأن الساكت في حكم الناكل فيردون اليمين على المدعي ويحكمون به وليس كذلك الغائب فوجب أن يفترقا في جانب البينة حتى تسمع على الساكت ولا تسمع على الغائب.(128/16)
قيل له: أما اليمين فلا تلزم المدعي إذا ادعى إلاَّ إذا طلب المدعي عليه ردها على المدعي فيستوي في ذلك الغائب والساكت وأما حكم النكول فلا يصح إلزامه الغائب؛ لأن النكول معنى لا يصح مع الغيبة كمال لا يصح الإقرار ولا الإنكار فذلك إقرار الحال من الغائب والساكت وسماع البينة ويصح البينة يصح على الغائب كما يصح على الساكت فلم يجب أن يفترق فيه حالاتهما، وأيضاً لا خلاف بيننا وبين أ[ي حنيفة أن الغائب يقضي عليه الحاكم بعلمه فكذلك يقضي عليه بالبينة؛ لأنها أحد الموجبين لتنفيذ الأحكام فإذا حلت وجب تنفيذ الحكم بها على أن البينة أقوى من العلم؛ لأنَّه لا خلاف أن البينة يقضي بها وقد اختلف في العلم هل يقضي به؛ ولأن العلم يقضي به قياساً على البينة فإذا جاز القضاء على الغائب للحاكم بالعلم كالجواز القضاء عيه بالبينة أولى بالبينة من القوة والمزية وهذا مما يمكن الإعتراض به على جميع ما يستدلون به من الأثر والنظر، ويدل على ذلك أن من مذهب أبي حنيفة وأصحابه أن رجلاً لو ادعى على آخر أنَّه ضمن له على آخر مالاً معلوماً بإذنه والمضمون عنه غائب سمع الحاكم لا بينة وحكم بها على الضامن ولا مضمون عنه فإن كان غائباً فكذلك سائر ما اختلفنا فيه والعلة أنَّه حكم بمال على الغائب بالدعوى المقررة بالبينة على أنَّه يقال لهم الغائب إذا حضر إما أن يقر فيزيد الحكم تأكيداً أو ينكر فمن شأن البينة أن يبطل الإنكار المجرد أو ينكر ويدلي بالحجة فالحة بعد الحكم مسموعة فلا وجه لتأثير الحكم.
فإن قيل: يجب أن يحتاج للمدعي عليه بالكف عن الحكم حتى يسمع لحجته؛ لأنَّه وأورد الحجة بعد الحكم وخروج المال عنه لا يبعد أن يتلف المال أو يغيب المدعي فتوى ماله.(128/17)
قيل له: مثل هذا في جنبت المدعي؛ لأنَّه لا يأمن أن حقه إن تأخر ربما يستهلك مال المدعي عليه ويفلس فيرى وجنبه المدعي أولى بالاحتياط؛ لأنَّه قد أقام البينة على ثبوت حقه فصار هذا الذي ذكروه وجهاً يقوى لنا.
فإن قيل: لو كان حاضر المجلس لم يحكم عليه حتى يرجع إليه ويسأل وكذلك إذا كان غائباً.
قيل له: الحكام إنَّما نصبوا الاحتياط لكل واحد من الخصمين مما أمكن وإذا كان حاضراً فالاحتياط في السؤال والرجوع إليه لأنَّه لا ضرر على المدعي وإذا كان غائباً فالاحتياط للمدعي في أن يبرم حكمه؛ لأنَّه لا يمكنه سواه فافترق حاله في الغيبة والحضور على أن هذا يعترضه حكم الحاكم بعلمه وحكمه على الغائب إذا كان هناك خصم آخر.
فإن قيل: العلة في ذلك عدم الإنكار.
قيل له: لا يجوز أن يجعل ذلك علة؛ لأن الإنكار لا يؤثر في البينة فصار وجوده وعدمه سواء وما ذكرنا من الاحتياط معتبر في الأحكام فصار ما بيناه أولى.
فإن قيل: لما اتفقوا على أن المدعي عليه يحضر ويستحضر ثبت أن الحكم لا يجوز إلاَّ بحضوره.
قيل هل: هذا منتقض إذا حكم بعلمه الحاكم ويسأله الضمان ويقال لهم ذلك يفعل على سبيل الاحتياط؛ لأن الاحتياط يجب أن يؤخذ به ما أمكن ومثاله ما قلناه من أن عادة قضاة المسلمين أنهم إذا سمعوا الدعوى والإنكار والبينة والعدالة مهلوا الخصم مجلساً أو مجلسين أو مجالس ليورد حجته إن كانت له؛ لأن ذلك واجب؛ لأن فيه احتياطاً قد أمكن فكذلك استحضاره.
فإن قيل: قد أجمعوا أن القضاء للغائب لا يجوز فكذلك على الغائب والعلة غيبة أحد الخصمين.
قيل له: العلة في ذلك أن الحق لا يستقر بالبينة للغائب؛ لأن البينة تثبت مع الدعوى، ألا ترى أن المشهود له لو أكذب شهوده بطلت شهادتهم فلا بد م أن يكون هناك دعوى للمدعي فإذا غاب لم يصح الحكم وليس كذلك المحكوم عليه؛ لأن قوله لا يؤثر في البينة فوجب الفرق بينهما بما بيناه.
مسألة(128/18)
قال: وليس للحاكم أن يحجر على البالغ الصَّحيح العقل والعاقل أولى بما له إلاَّ أن يفلس وترتكبه الديون، نص في الأحكام على إبطال الحجر ودلت مسائله في المنتخب على أه يفلسه للدين حتى منع قبول إقراره بما في يده في حال التفليس وجملة الخلاف في المسألة في موضعين أحدهما مع أبي حنيفة فإنه يبطل الحجر على جميع الوجوه، والثاني مع أبي يوسف ومحمد والشافعي فإنهم يرون حجر الشفعة كما يرون حجر الدين على اختلاف في تفصيل ذلك بينهم؛ لأن الجميع أجمعوا على أن حجر الدين لا يكون إلاَّ بالحكم، وقال محمد في حجر السفه: أنَّه يكون محجوراً عليه وإن لم يحجره الحاكم، والذي يدل على أنَّه لا وجه لحجر السفه قوله تعالى:{وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ}، فعم ولم يخص.
فإن قيل: قد قال الله تعال: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا}، فأمر بدفع الأموال عند إيناس الرشد.(128/19)