قال: ولا يجوز له أن يضيف أحد الخصمين تخريجاً وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن علي من النهي وهو إذا منعه من تخصيص أحد الخصمين بسلام دون خصمه كان الضيافة بذلك أولى؛ لأنَّه خلاف التسوية بينهما وكل ما أدنى إلى أن يكون أحدهما مميزاًً عنده عن صاحبه فيجب أن يجتنبه، قال: ويكرث له حضور الدعوات وهذا مما دل عليه كلامه في منع التخصيص لأحدهما بالبال والسلام، قال أبو العباس رضي الله عنه: ذلك في خاص الدعوات؛ لأنها توجب أنهم الوليمة وما جرى مجراها ذكر أنَّه جائز له حضورها إذ لا تهمة فيها، وقال: ذلك بشرط أن لا يكون لصاحب الوليمة خصومة وكل ذلك قريب، والأصل في جميع ذلك أن يتوقى مواقع التهمة والتخصيص لأحد الخصمين؛ لأن كل ذلك مما نهى عنه وأجمع على أنَّه لا يجوز.
مسألة(128/10)
قال: ولا يجوز له أن يخوض مع الخصم في شيء من أمره أو يشير برأي إلاَّ أن يأمره بتقوى الله والإنصاف لخصمه وذلك أنَّه متى فعل شيئاً من أمره أو يشير برأي إلاَّ أن يأمره بتقوى الله والإنصاف لخصمه وذلك أنَّه متى فعل شيئاً من ذلك يكون قد أعادنه على خصمه وترك التسوية بينهما وذلك مما لا يجوز ولذلك منع منه، ولأن ذلك أيضاً يوجب التهمة، قال: ويكره للإنسان طلب القضاء والحرص عليه؛ لأنَّه يعرض لإلتزام تكليف شديد لا يدري هل يؤديه أم لا، وهل يسلم منه أم لا ولذلك روي من قلد القضاء فقد ذبح بسكين، وروي عنه من طلب القضاء وكل إلى نفسه، وروي أن أبا ذر سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأمارة فقال: <إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القامة حرب وندامة إلاَّ من أخذها بحقها وأذى الذي عليه فيها>، وهذا إذا لم يثق من نفسه بالوفاء أو كان بالمسلمين عنه غني بغيره فأما إن وثق بنفسه وعلم أن بالمسلمين عليه حاجة وأنه إذا لم يطلب لحق المسلمين ضرر لم يكره له طلب بل ربما للزمه طلبه والتعرض له، فإنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أوجبهما الله على عباده وعلى هذا يجب أن يكون طلب الإمامة أيضاً.
مسألة
قال: ولو أن بعض الجوره قلد القضاء من يصلح له جاز قضاؤه تخريجاً، وهذا بينا وجهه في كتاب الوصايا؛ لأن المسألة مخرجة من مسألة في كتاب الوصايا فلا وجه لإعادته.
مسألة(128/11)
قال: ولا يجوز تقليد النساء القضاء تخريجاً خرجه أبو العباس الحسني رضي الله عنه من قوله إن النساء أمر بالستر وعليهن من ستر أصواتهن ما عليهن من ستر وجوههن، قال: وذلك يمنع من كونها قاضية واحتج لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: < النساء عي وعورات فاستروا عيهن بالسكوت وعوراتهن بالبيوت>، ومع هذا لا يجوز أن تكون قاضية، وروي بإسناده في شرح القضاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: <لما هلكوا كسرى من استخلفوا قالوا ابنته قال: لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة فذم صلى الله عليه وآله وسلم تولية النساء دولا يجوز أن يذم إلاَّ القبيح المنهي عنه وذلك يدل عندنا أنها فاسدة؛ لأن النهي يدل على فساد المنهي عنه فثبت بذلك فساد ولايتهن.
فإن قيل: فالوصية عند ولاية ويجوز أن يجعل ذلك إلى النساء.
قيل له: الظاهر يوجب المنع من ذلك لكنا اختصصناه بالإجماع على أن امتناع المسلمين من لدن الصحابة إلى يومنا هذا من توليتهن يدل على ما قلنا، وأيضاً لا خلاف أنَّه يجوز أن يولي القضاء في الحدود والقصاص فوجب أن لا يولين القضاء في سائر الأشياء قياساً على الفاسق، والعلة أنَّه لا يصح تولية القضاء في بعض الأشياء فكذلك في جميعها.
مسألة
قال: وينقض من أحكام البغي ما لم يوافع الحق فأما ما وافق الحق فإنه يمضي.(128/12)
اعلم أن المراد به والله أعلم أحكام من يكون عدلاً في نفسه وتكون توليته من جهة أباه والباغي المتأول الذي يكون في سائر أحواله عدلاً إذ لا خلاف بين المسلمين أن المظهر للفسق على غير وجه التأويل إذا تولى الحكم بنفسه كان باطلاً وإنما اختلفوا في المتأول الذي يكون في سائر أحواله عدلاً وفي العدل المتولي من جهة الظلمة فلذلك حملنا قوله عليه وقد مضى الكلام في هذا في كتاب الوصية، ومما يدل على هذا أنَّه لم يثبت عن أمير المؤمنين أنَّه فسخ شيئاً من أحكام البغاة الذي حاربوا أو أظهر جواز فسخه فبان أن المتأولين أحكامهم ماضية ما وأفع الحق وإنما ينقض من أحكامهم ما ينقض من أحكام المحقين إذا وقع فيها الغلط والخطأ الذي يكو رد للنصوص أو الإجماع وتلك مسائل كثيرة منها قول من قال بإسقاط العصبة من ذوي الأرحام أو ذوي السهام فلو حكم هب حالكم وجب نقض حكمه؛ لأن ذلك إجماع الصحابة لم يختلف فيه أحد منهم وكذلك لو حكم حاكم لا يرى القياس بصحة بيع الآزر قفيز بقفيزين وجب نقض حكمه؛ لأن القياس قد ثبت أنَّه حق وإنه ليس من مسائل الإجتهاد وأجمع القائسون على تحريم ما ذكرنا وجملة الأمران الحكم إذا نفذ بإمضاء حاكم لا يكون طريقة الإجتهاد وقد كان على خلافه دليل فيجب أن ينقض سوى حكم به باغ أو عادل وما كان بخلاف ذلك لم يجز نقضه والأقرب على مذهبه أن بيع أم الولد إذا حكم به حاكم لم يجز نقضه وكذلك المؤنة إذا باع المدبر وحكم به حاكم وما لا يجوز نقضه إذا حكم به الحاكم من فروع الأحكام أكثر من أن يعد ويحصي فعلى هذا يجب أن يجري الباب.
مسألة(128/13)
قال: ويجوز القضاء على الغائب تخريجاً دلت مسائله على ذلك وبه كان يقول أبو العباس الحسني رضي الله عنه وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يجوز القضاء على الغائب، وبه قال أصحابه والذي يدل على ذلك قول الله عز وجل: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ}، وقال: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ}، وقال: {يَا دَاوُدُ إِنّا جَعَلْنَاكَ خَلِيْفَةً فِيْ الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ}، ولم يستثن اضباً من حاضر، فوجب الحاكم على الجميع.
فإن قيل: من أين يثبت الحكم على الغائب حكماً بما أنزل الله أو حكماً بالقسط ليصح دخوله تحت الآية.
قيل له: الحكم بما أنزل الله وبالقسط من صفات الحكم لا م صفات المحكوم عليه ونحن اختلفنا في صفات المحكوم عليه دون صفات الحكم والعموم يقتضي الحكم على الغائب والحاضر بعد أن يكون الحكم على الصفة التي أمر الله عز وجل، ويدل على ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <لو أعطى قوم بدعاً وهم لا دعى قوم دماء قوم وأموالهم لكن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه>، فبين أن الذي على المدعي إذا أراد أن يستحق على الغير حقاً أن يقيم البينة فمتى أقام البينة حصل مستحقاً لأن يحكم له به حضر المحكوم عليه أو غاب.
فإن قيل: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <إذا تقاضى إليك الخصمان فلا نقض لأحدهما حتى تسمع كلام الآخر.
قيل له: هذا إذا تقاضى إليك الخصمان فأما إذا غاب المدعي عليه فليس في الخبر ما يدل على أنَّه لا يحكم له عليه حتى يسمع قوله؛ لأن معنى قوله: <إذا تقاضى إليك>، إذا ترافعا إليك فإذا لم يحضر المدعي عليه لم يشمل الخبر على حكمه وفي بعض الأخبار: <إذا جلس بين يديك الخصمان>، فدل ذلك على أن الخبر وارد في حاضري المجلس.
فإن قيل: فقد روي: <لا نقض لأحد الخصمين حتى تسمع كلام الآخر>.(128/14)